آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري
- ليس حباً في الديمقراطية
- أضرار المعايير المزدوجة علي بنيان الديمقراطية الحديثة

كثر الحديث عن الديمقراطية أخيرا في الداخل والخارج. وتعددت النشرات والمجلات حولها. وقامت المظاهرات للمطالبة بها. وهي أول بند في جدول الأعمال الخارجي الذي تفرضه الولايات المتحدة في مشروع الشرق الأوسط الكبير. فسرقت الأضواء من المثقفين الوطنيين الذين ناضلوا علي مدي قرنين من الزمان دفاعا عن الحرية والديموقراطية خاصة في نصف القرن الأخير بعد قيام الضباط الأحرار بثوراتهم منذ أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات. وسحبت البساط من تحت أقدامهم حتي توقفوا عن استعمال اللفظ بعد أن تحول من جدول الأعمال الوطني إلي جدول الأعمال الأمريكي، ومن النضال الوطني في الداخل إلي الهيمنة الأمريكية في الخارج، وذلك مثل كل مشاريع الإصلاح، إصلاح التعليم، وتجديد الفكر الديني، وإصلاح مؤسسات الدولة.
وهي كلمة حق يراد بها باطل. هي مجرد ذريعة للتدخل في حياة الشعوب وإعادة توظيف الجرح الوطني من أجل الهيمنة الخارجية، وليس من أجل التحرر الوطني. هو وضع للسم في العسل، والقبض علي مقدرات الشعوب بقفاز من حرير. والتجربة من الخارج تثبت ذلك مثل المعونات الأمريكية وكما اتضح في صورة "الخواجة" في الأدب الشعبي.
لقد جرّبت قوي الهيمنة الغزو العسكري المباشر وما زالت تجرّب في فلسطين والعراق وأفغانستان. كما تجرّب الغزو الاقتصادي عن طريق الشركات المتعددة الجنسيات والعولمة بدعوي الاستثمار، وإيجاد فرص للعمالة، وتوفير المنتجات الاستهلاكية، والدخول إلي الأسواق العالمية. وتجرّب الغزو الإعلامي عن طريق التبشير بأسلوب الحياة الأمريكي، وبالنموذج الأمريكي، وبالرؤية الأمريكية. وأخيرا تجرّب الغزو الثقافي عن طريق تبني جدول الأعمال الوطني وإعادة توظيفه لحسابها ولمصلحتها حتي تضع القوي الوطنية في حرج تاريخي. إن هي رفضت الديموقراطية فنضالها من أجلها كان كاذبا. وإن هي قبلتها فإنها تعمل لصالح قوي الهيمنة، وتنفيذا لجدول أعمالها. ومن ثم تفقد ركائزها الوطنية مادامت تعمل تحت المظلة الأمريكية.
وفي تاريخنا المعاصر كانت الولايات المتحدة أول من أيد النظم الديكتاتورية في كل بلدان العالم الثالث، في أفريقيا وأسيا وأمريكا اللاتينية، عسكرية أو دينية أو مدنية، ما دامت تنفذ مصالحها وتأتمر بأمرها دون اعتبار لمصالح الشعوب. تؤيدها بالسلاح والمعلومات الاستخبارية وبخبرات الأمن من أجل تطويق القوي الوطنية والقضاء عليها وتصفيتها جسديا. بل إنها تساعدها علي التمادي في التسلط حتي تصبح طيّعة لها تماما توجهها كيفما تشاء. فإذا حاولت إحدي هذه النظم الخروج علي الطاعة من أجل البقاء في الحكم مع درجة أقل من القهر فإنها تفضحه وتهدده بخرق حقوق الإنسان، وعدد المعتقلين والمعذبين في السجون والذين تمت تصفيتهم جسديا، وكم السرقات والتحويلات الأجنبية وتهريب ثروات الشعوب في البنوك الأجنبية، وتعاملهم مع المخابرات الأجنبية حتي تستمر الطاعة العمياء والولاء المطلق وحتي تستنفذ جميع الأغراض.
والأمثلة علي ذلك كثيرة، الجنرال نيكودين دييم في فيتنام، ونورويجا في أمريكا اللاتينية، والطالبان، وشاه إيران وبعض النظم العربية التي تعاني الآن من طول نظام القهر وتأخير الإصلاح حتي بدأت جماعات المعارضة تتحول إلي العنف والسلاح بعد أن هاجرت المعارضة المدنية إلي الخارج. والأمثلة في أفريقيا كثيرة بتأييد الجنرالات ثم الانقلاب عليهم واستبدال آخرين لضمان استنزاف الثروات، والسيطرة علي الشعوب.
وظهر المعيار المزدوج في الممارسات الديموقراطية. إذ يُعتبر النظام الأمريكي النموذج الفريد للديمقراطية كما يقره الدستور، وإعلان الاستقلال، وحرية الصحافة، واستقلال الإعلام، ونظام المجلسين، والانتخابات الحرة، والأغلبية والأقلية، ونظام حاكمة الرؤساء وإقالتهم. أما في الخارج فتتحول الممارسات إلي أبشع صور التسلط والتلاعب بمصالح الشعوب وكأن الديمقراطية مصلحة، وحكر علي الدخل دون الخارج، وقيمة أمريكية وليست لباقي الشعوب التي لا تستحقها. فالقيم الأمريكية قيم (برجماتية). لا تتضمن حقيقة في ذاتها، عامة وشاملة ومطلقة. بل هي قيم مصلحية، بمقدار ما تحقق من نفع شخصي. وتنقلب إلي ضدها إذا ما حققت نفعا أقل أو سببت ضررا. فالمنفعة هي القيمة الحاكمة لكل منظومة القيم.
إن الديمقراطية الأمريكية أسطورة. مجرد شكل بلا مضمون. أغلبية وأقلية، وانتخابات فردية، ودعاية وإعلام بما لدي المرشح من إمكانيات مالية، وتبرعات فردية أو من جماعات الضغط لتنفيذ مطالبها بمجرد نجاح المرشح. وتتصنت الأحزاب بعضها علي بعض كما هو الحال في قضية (ووترجيت) الشهيرة. فهي ديموقراطية الإعلام والدعاية في عصر تحول فيه الإنسان إلي بعد واحد تحت أثر الإعلام. فالحقيقة هي كيفية الإعلان عنها.
فإذا نجحت الأغلبية فإنها تفرض إرادتها علي الأقلية، وتملي شروطها عليها. فإذا تحولت الأقلية إلي أغلبية، والأغلبية إلي أقلية في الانتخابات التالية يتغير القانون. ومن ثم يضيع الأساس الموضوعي للقانون وتعبيره عن المصالح العامة لمجموع الأمة دون فرقة من فرقها طبقا لصناديق الاقتراع. وتتألف الأحزاب وتتشكل القوي السياسية من أجل الوصول إلي الحكم عن طريق صناديق الاقتراع وليس من أجل برنامج يطبقه أو مبدأ يدافع عنه.
فالديموقراطية الغربية مقدار كمي، وليست قيمة كيفية. تــُشتري بعدد الأصوات وليست مبدأ عاما مستقلا عن حوامله المادية. إن الرأي قيمة في ذاته بصرف النظر عن العدد. وكثيرا ما كان الحق يدور مع الأقلية دون الأغلبية. بل لقد بدأت الدعوات وهي أقلية قبل أن تتحول إلي أغلبية. والرأي المخالف للأغلبية له نفس القيمة لرأي الأغلبية.
وما يتحكم في الديموقراطية الأمريكية والصهيونية هي المصلحة وراء الأغلبية والأقلية، وأيديولوجية الهيمنة والسيطرة والتوسع. فلا خلاف بين الديموقراطيين والجمهوريين في شن الحرب والعدوان علي شعوب أفغانستان والعراق. ولا فرق بين الليكود والعمال في احتلال فلسطين. إنما الخلاف في الدرجة وليس في النوع. في الأسلوب وليس في الغاية، في الإخراج وليس في الموضوع. والأغلبية لا تصنع قيمة في مدي الإقناع بها وابتلاعها بدلا من استخدام القوة لتنفيذها، في مدي تجميل القبيح وتحسين صورته في الرأي العام الدولي وأمام النفس لأن النفس تمج القبح بطبعها، وتحتاج إلي شرعية لابتلاعه والتعامل معه والرضا عنه حتي ولو كان بطريقة إيهام النفس قبل خداع الآخرين.
وقد تكون ثقافات محلية أخري أقرب إلي روح الديمقراطية من الديموقراطية الشكلية الأمريكية. تقوم علي الاستشارة وعدم التفرد بالرأي، وسماع الرأي الآخر، والاستنارة بخبرات الآخرين، خبرة الكبار وبراءة الصغار. فالحق متعدد، والصواب منظور. وقد يتم ذلك بروح التوافق والجماعة تحت خيمة أو فوق مصطبة وليس بالضرورة تحت قبة البرلمان وداخل مبني الكونغرس.
ويتم استشارة أهل الخبرة والاختصاص القادرين علي الوصول إلي قرار في الموضوع. صحيح أن مبدأ صوت واحد لكل فرد يوحي بالعدل والمساواة ولكنه في الحقيقة يساوي بين رأي العالم ورأي الجاهل، الرأي الذي يعبر عن المصالح العامة والرأي الذي يدافع عن المصلحة الخاصة، الرأي الموضوعي والرأي الشخصي. وطالما عارض أهل الاختصاص ما يدور في الديموقراطية الشكلية. ومنهم جماعات الدفاع عن المستهلكين والملونين والأقليات، وجماعات السلام الرافضة لسيطرة المجمع العسكري الصناعي والبنتاجون وخبايا البيت الأبيض وجماعات الضغط علي مصالح البلاد.
قد تكون الديموقراطية المباشرة أحد أشكال التعبير عن المصالح العامة وكما يدركها الزعيم بحسه الشعبي الوطني كما حدث في تأميم قناة السويس 1956، و في حرب تشرين الاول (أكتوبر) 1973، صحيح أننا عانينا من الزعيم بعد أن تحول إلي حاكم مطلق يغامر بمصالح البلاد في قضايا الحرب والسلام. وهو الزعيم الذي لم يستشر أو استشار وخاف المستشارون منه، وأفتي العلماء بما يريد ويحقق رغباته. الزعماء الوطنيون يحفظ التاريخ مآثرهم. والمغامرون ينساهم التاريخ، ويمحون من الذاكرة.
إن القضاء الشعبي عن طريق التراضي بين المتخاصمين يكون أحيانا أكثر فاعلية من القضاء الرسمي عن طريق المحامين والاختلاف في تفسير القوانين والتلاعب بالقرائن وبالشهود. وقد تكون الديموقراطية الشعبية علي هذا النحو أنجح من الديموقراطية التمثيلية التي يحصد فيها الحزب الحاكم كل الأصوات بتدخل مؤسسات الدولة والتي يحصل فيها مرشح الرئاسة الوحيد علي مجموع الأصوات حتي أصبحت أغلبية 99.9% موضع فكاهة وتندر في الداخل والخارج.
إن الديمقراطية مرتبطة بالثقافة وليست قيمة مستقلة عن المنظومة الثقافية. والديمقراطية الأمريكية والإسرائيلية تخضع لمنظومة ثقافتها. وهي ثقافة التفوق والعنصرية. التفوق التكنولوجي وعنصرية الرجل الأبيض أو تفوق الشعب المختار الذي يجمع بين عنصرية العرق وتفوق الطائفة. فالبروتستانت الأنجلو سكسكون البيض (الواسب) WASP هم قمة المجتمع الأمريكي. كما أن الشعب المختار هو ذروة الشعوب في تراكبها القيمي له حق استباحة الأعراض والأموال لباقي الشعوب (وقالوا ليس علينا في الأميين سبيل). فمن ليس معنا فهو ضدنا في العقلية الأمريكية، وباقي الشعوب هم (الجونيم) في العقلية الإسرائيلية.
إن الديمقراطية للجميع. تتطلب منظومة ثقافية تقوم علي المساواة وليس التفوق، وتحقيق المصالح العامة للبشرية وليس المغانم الخاصة لشعب معين. وهي ديمقراطية الكرامة واحترام الشعوب وليس فقط ديمقراطية التمثيل والسلطة المنتخبة. هي الديمقراطية خارج ميزان القوي الدولية، ديمقراطية المبدأ المستقل عن القوة. فالمبدأ هو القوة، وليست القوة هي المبدأ.
إن السبيل إلي التحول الديمقراطي لدي شعوب العالم الثالث هو النضال الوطني في
الداخل وليس جدول الأعمال الأجنبي المفروض من الخارج حتي لا تكون الديمقراطية كلمة حق يراد بها باطل.
وعلي النظم السياسية الآن أن تعيد بناء كيانها بناء علي صوت الوطنيين المناضلين من أجل الديمقراطية في الداخل بدلا من فرضها من الخارج من قوي الهيمنة. وإذا كان لابد من البقاء في الحكم فالأفضل أن يتم ذلك بالبناء الديمقراطي في الداخل لمصلحة الوطن بدلا من فرضه من الخارج لمصلحة قوي الهيمنة. (بيدي لا بيد عمر).

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1875 --- Date 31/7/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1875 --- التاريخ 2004 - 7 - 31

AZP07
HSHN