|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري هناك ثلاثة مخاطر خارجية علي الدولة الوطنية. الأول العولمة، وضرورة ذوبان الدولة الوطنية في كيان أعم هو السوق. وتخضع لقوانين أعم هي قوانين السوق. فالعالم قرية واحدة، لا يتسع لعدة قري صغيرة فيه. ومن ثم لزم تخلي الدولة عن إرادتها الوطنية وإسقاط حواجزها الجمركية، وفتح أبوابها للاستيراد. فالتكتلات الصناعية الكبري مثل الشركات المتعددة الجنسيات ومجموعة الدول الثمانية الأكثر تصنيعا في العالم هي وحدها القادرة علي التصدير. وعلي الدولة أن تدخل في المنافسة مع غيرها وكأن الصغير يستطيع المنافسة مع الكبير، ويربح مثله. رأس المال العالمي، وبورصات الأوراق المالية، والبنوك الدولية، ومنظمة التجارة العالمية، واتفاقية الجات، هي البديل عن الدولة الوطنية التي هي مجرد جهاز استقبال لنظام العالم الجديد الذي يتجدد كل عدة عقود من الزمان طبقا لتغيير ميزان القوي في العالم. والخطر الثاني العدوان الخارجي من الدول الكبري علي الدول الصغري ومن أكبر دولة في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، القطب الواحد بعد نهاية عصر الاستقطاب، علي كل من يشق عصا الطاعة عليها مثل العدوان علي أفغانستان ثم العراق ثم تهديد إيران وسوريا وليبيا والسودان. والذرائع موجودة: القضاء علي الإرهاب، القضاء علي أسلحة الدمار الشامل، القضاء علي الأنظمة التسلطية، الدفاع عن حقوق الإنسان. بل إن القطب الثاني في عصر الاستقطاب قام أيضا بالعدوان علي الشيشان قاضيا علي استقلالها مع اتفاق ضمني مع القطب الأول علي مقايضة الشيشان بالعراق وأفغانستان، واحدة باثنتين. فالقطب الثاني في حاجة إلي القطب الأول في المعونات الغذائية والاستثمارات والتجارة الخارجية. ويتم ذلك خارج الشرعية الدولية وخرقا لميثاق الأمم المتحدة، وضد إرادة شعوب العالم كله بما في ذلك الدول المعتدية. فقد خرجت الملايين في شوارع العواصم الأوروبية ضد العدوان علي أفغانستان والعراق وفلسطين. والمصالح الكبري هي التي تحرك الدول الكبري وليس المواثيق الدولية أو القيم الأخلاقية. وتقوم اسرائيل بدور الدول العظمي. فيعتدي علي الشعب الفلسطيني. ويبتلع فلسطين كلها، نصفها في 1948، والنصف الآخر بعد 1967، وبتواطؤ القطب الأول ومساندته. فاليمين هو الحاكم في الإمبراطوريتين. والعدو واحد. الإرهاب الدولي و(الإرهاب) الفلسطيني. فمازالت حركة التحرر الوطني الفلسطيني هي الوحيدة التي تناضل من أجل إنشاء الدولة الوطنية بعد استقلال جنوب أفريقيا ونهاية النظام العنصري منذ عام 1948 الذي نشأ فيه الكيان الصهيوني. والخطر الثالث أن مستقبل التكتلات الكبري خارج العولمة هو التحول إلي فسيفساء عرقي طائفي باسم العرق أو الطائفة. فيتجزأ الوطن العربي إلي دويلات عرقية طائفية، عرب وبربر في المغرب العربي، وسنة وشيعة وأكراد في العراق والخليج، مسلمون وأقباط في مصر، سنة وشيعة ومارونيون في لبنان، زيدية وشوافع في اليمن، عرب وأفارقة في السودان وتشاد ومالي ونيجيريا، بدو وحضر في الأردن. فالعولمة ليست ذات اتجاه واحد، توحيد المركز، مجموعة الثمانية، بل أيضا تجزئة الأطراف. وما وحّده الإسلام إنسانيا وثقافيا جزأه نظام العالم الجديد عرقيا وطائفيا. وتهدد الدولة الوطنية كذلك ثلاثة مخاطر داخلية. الأول القهر في الداخل. فقد تحولت الدولة الوطنية التي قامت بفضل حركات التحرر الوطني إلي دولة قاهرة مستبدة. حكم القادة الوطنيون في السابق باسم التحرر الوطني بعد انقسامهم علي أنفسهم، وتصفية أجنحتهم بعضها للبعض الآخر. هرب البعض إلي خارج البلاد. وكون البعض الآخر حركات سرية تحت الأرض. وأسس فريق ثالث أحزاب معارضة شرعية ضعيفة لا تستطيع المشاركة في بناء الدولة إلا بموافقة الحزب الحاكم وكنوع من (الديكور) الديموقراطي وسط خضم من الانتخابات المزيفة، تحافظ عليها أجهزة الأمن وقوات الشرطة. قراراتها السياسية والتحولات الكبري فيها مرهونة بإرادة الحاكم، الزعيم والمناضل والمجاهد والأخ والرئيس إلي آخر أسمائه التسعة والتسعين تشبها بأسماء الله. لا يترك السلطة إلا بموت أو انقلاب. هو رئيس مدي الحياة بلا تداول للسلطة. ويتم تعديل الدستور حتي يتفق مع هواه وعمره هو أو أبناؤه من بعده وربما أحفاده. وتتحول الدولة الوطنية إلي ملكيات وراثية، لا فرق بين جمهورية وملكية وجماهيرية ودولة وسلطنة. ونشأ عن هذا القهر لامبالاة الناس وإدارة ظهورهم للحكام. بل إن النكات قد توقفت إيجابا أم سلبا لأنهم لم يعدوا يثيروا الخيال السياسي الشعبي، وأصبح الشعب محايدا لامباليا بالنسبة لهم. وقد انعكس ذلك في عدم تحرك الشعب أثناء لحظات الخطر. وتساءل العالم أين الشارع العربي؟ في حين تقوم المظاهرات في لندن وباريس وسياتل وجنوه وفلورنسا وبراج ضد العدوان الأمريكي علي أفغانستان والعراق، والإسرائيلي علي فلسطين، والروسي علي الشيشان، لصالح العرب والمسلمين وهم لا يتحركون. وكانت معظم الهبات في الشارع العربي من أجل الخبز وضد غلاء الأسعار ومظاهر الفساد في مصر والمغرب وتونس والأردن وليس من أجل الحرية. والخطر الثاني التبعية للخارج. فبقدر ما يكون القهر والتسلط في الداخل تكون التبعية والانسياق إلي الخارج كحليف بديل. ولما كانت أكبر قوة في الخارج هي الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت التبعية لها. وتحولت الدولة الوطنية إلي دولة طيّعة، منفذة لسياستها، داخلة كعضو في أحلافها حتي للعدوان علي دول الجوار والأشقاء بدعوي رفع الظلم عن الشقيق الأصغر، والدفاع عنه ضد العدوان عليه من الشقيق الأكبر. وأصبح للخارج ممثلون في الداخل ومحسوبون عليه لا يجوز الاقتراب منهم بالنقد أو المساس بهم في السمعة أو الطعن في سياساتهم واتجاهاتهم. ولما زاد عدد الأتباع تنافسوا فيما بينهم علي الولاء للخارج والإخلاص له أسوة بالكيان الصهيوني، وطمعا في القيام بدوره في خدمة المصالح الأمريكية، وتنفيذ مشاريع الإصلاح، الشرق الأوسط الكبير، البديل عن الوطن العربي الذي تجمعه العروبة، والعالم الإسلامي الذي يجمعه الإسلام والأخوة، والتعامل مع الخارج فرادي كدولة قطرية وليس كتجمع عربي إقليمي له مصالح مشتركة، وقوة تفاوض جماعية. والخطر الثالث هو الفساد الداخلي نظرا لغياب الولاء الوطني للحاكم وللمحكوم علي السواء. فقد تحول الوطن إلي مجموعة من "الشلل" المتضاربة المصالح، كل منها يعمل لصالح أو لمصلحة من يمثله من التكتلات الكبري. وهو فساد اقتصادي في تهريب الأموال، ونواب القروض، والتلاعب بالأسعار، والاتجار في العملات الأجنبية، والمضاربة في العقارات، وتلقي الرشاوي والعمولات. وهو فساد إداري في جهاز الدولة بسبب القوانين التي لا ترعي مصالح الناس، وضرورة التحايل عليها بالرشوة لقضاء هذه المصالح في حياتهم اليومية. وهو فساد إعلامي، في سيطرة الدولة علي أجهزة الإعلام وتوظيفها كأجهزة للتبشير لسياساتها وتحركات رئيسها وأسرته، رأس النظام. وهو فساد تعليمي، إذ يقوم التعليم علي التلقين والخوف والطاعة من الحضانة إلي الجامعة لإعداد المواطن المطيع الذي لا يعترض علي شيء. وهو فساد أخلاقي، فلم يعد أحد يلتزم بأية قيمة أو فضيلة، إلا بغريزة حب البقاء من أجل إشباع الحاجات الأساسية. قد تكون بعض الدول الوطنية الحديثة نتيجة الإرث الاستعماري. تكونت بعد تقطيع أوصال الإمبراطوريات الكبري، في الغرب مثل الإمبراطورية النمساوية، وفي الشرق مثل الدولة العثمانية. بينها حدود مصطنعة ومشاكل حدودية مفتعلة من وضع الاستعمار حتي لا تتوحد من جديد. وتنشأ المنازعات الحدودية بينها لدرجة الحرب الأهلية مثل النزاع بين المغرب والجزائر علي واحة تندوف، وبين مصر وليبيا علي واحة جعبوب، ومصر والسودان علي حلايب وشلاتين، واليمن والسعودية علي عسير ونجران، والكويت والسعودية علي منطقة تحت إشراف الأمم المتحدة، وسوريا وفلسطين علي وادي الحمة، وسوريا ولبنان علي مزارع شبعا. وقد تقع الحرب الأهلية بين الجارتين الشقيقتين كما وقعت بين ليبيا وتشاد. ومع ذلك، وكما تفعل الرأسمالية للتأكيد علي وحدة النظام الرأسمالي العالمي كذلك تفعل الأيديولوجيات الوحدوية عبر القطرية مثل القومية العربية التي تجعل ولاء العرب للوطن العربي وليس للقطر أو البلد العربي. الهم واحد في فلسطين والعراق. والتهديد واحد علي مصر والسعودية وسوريا. والصوت واحد في الجامعة العربية بيت العرب. وكذلك الأمة الإسلامية التي يكون الولاء فيها للعقيدة وللإخوة، لا فرق بين قوم وقوم، وشعب وشعب، ولغة ولغة. هي أمة واحدة عبر أفريقيا وآسيا، بل وتمتد إلي المسلمين في أوروبا والأمريكيتين. وتتجلي في ظواهر العرب الأفغان، وجماعات الجهاد في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك بل وتنظيمات العنف مثل تنظيم (القاعدة). وفي مواجهة تجمعات قوي الهيمنة تنشأ أيضا تجمعات قوي العنف المضاد. أما الدول التاريخية ذات الكيانات المستقلة الضاربة الجذور في الوعي القومي مثل مصر والمغرب والعراق واليمن والشام فإن الولاء يظل لها صامدا مهما عصفت به رياح التكتلات الكبري. وتظل عصيّة علي الذوبان في نظام العالم الجديد. تعارض الهيمنة في الخارج. فثقلها التاريخي ووزنها الحالي يحميها من التبعية الكاملة. ومع ذلك يبقي قهرها الداخلي عبر آلاف السنين منذ (شكاوي الفلاح الفصيح) من شيخ البلد بعد أن سلبه حماره وغلته. وهو ممثل فرعون الإله. التخلص من العدوان الخارجي أمر ممكن. أم التخلص من القهر الداخلي فهو التحدي الأكبر، (أنا وأخويا علي ابن عمي، وأنا وابن عمي علي الغريب).؟؟ AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1866 --- Date 20/7/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1866 --- التاريخ 2004 - 7 - 20 AZP07 HSHN |