|
|
ضفاف - جائزة باشراحيل - نبيـل سليمان / روائي وناقـد مـن سورية "في زمنٍ يستفحل فيه انتهاكُ السوق والقمع للقيم الحضارية النبيلة, قد يكون لمثلي في هذا المقام أن يتنسّم ما يعضده, لكي يكتب أجمل وأعمق, وليس ما يعوّضه عن مكابدة الكتابة, لأنني لم ولن أنشد عوضاً. فقد اخترتُ هذه الطريق راضياً, وفي الأغلب غير مَرْضيّ. فالكتابة بحسباني نعمة ما بعدها نعمة, ولذّة ما بعدها لذة. ولأنها مسئولية كبري تجاه عيشنا في عماء الاستبداد والاحتلال والتعصب, لم ولن أوفّر جهداً ولا عمراً لتبديد هذا العماء, لتكون الرواية مثل المُبدَعات جيمعاً: كتابةً للحرية. والأمر كذلك، أُفْعمتُ حين مُنحتُ هذه الجائزة بالثقافة النقدية التي تهتك عتمة الطغيان العربي والعالمي, الاجتماعي والدولتي.. أُفْعمتُ بالكتابة المبدعة التي تهتك الأسرلة في فلسطين مثلاً.. أُفْعمتُ بالثقافة المبدعة التي تهتك العماء الأصولي في الجزائر أو في واشنطن مثلاً.. أُفْعمتُ بالكتابة النقدية التي هتكت الديكتاتورية كما تهتك الاحتلال في العراق وفي غير العراق. إنها الرواية ـ الكتابة ـ الإبداع ـ الثقافة التي تروم الجمال واللذة, لأنها تروم الحرية. والأمر كذلك, أرنو إلي هذه الجائزة مستبشراً بمؤسستها ومحكّميها والفائزين بها, تعضد غيرها ويعضدها غيرها من الجوائز العربية والعالمية الخالصة لوجه القيم الحضارية النبيلة, علي النقيض من ثقافة الطغيان, أياً كان وأينما كان, بمؤسساتها وجوائزها ومثقفيها ومحكّميها. ولأنني لا أحمل سوي ورد قلبي, فهذه وردة لمؤسسة باشراحيل. هذه وردة للمحكّمين. هذه وردة لزميلاتي وزملائي من الفائزين ومن غير الفائزين والمتقدمين, ممن هم أَوْلي مني. أما ما تبقي من غمر الورد, فهو لقارئ مجهول وقارئة مجهولة, لولاهما ولولا أسرتي, لا أحسب أني كنت معكم الآن". *** تلك هي الكلمة التي ألقيتها بعد استلامي لجائزة باشراحيل للإبداع الثقافي في الاحتفالية التي أُقيمتْ في القاهرة يوم 4 /7/ 2004. وكما هو معلوم, كان قد جري الإعلان عن الجائزة في منتدي المثقف العربي بالقاهرة يوم 15 /6/ 2003. وقد أعلنت هيئة الجائزة أن المتقدمين لها في الشعر بلغوا 58,وفي القصة والرواية بلغوا 90، وفي النقد والدراسات الأدبية بلغوا 50، وفي الدراسات الإنسانية والمستقبلية بلغوا 74، ليكون مجموع المتقدمين 272. ولئن كنت قد تقدمت للجائزة في مجال الرواية في 28 /1/ 2004، أي قبل انتهاء فترة التقديم بثلاثة أيام, فقد ظللتُ أُضْمِرُ الارتباك حتي يوم الاحتفالية, علي الرغم من أن إعلان الفائزين كان قد سبق في يوم 7 /5/ 2004. واليوم بوسعي أن أقول إن أسباب الارتباك كثيرة, وأيسرها أنني لم أكن أعلم شيئاً عمّن تحمل الجائزة اسمه (الشيخ محمد بن صالح باشراحيل) ولا عن رئيس مجلس أمنائها الشاعر عبد الله محمد صالح باشراحيل. كما كانت تحضرني أصداء رفض صنع الله إبراهيم لجائزة القاهرة للإبداع الروائي في تشرين الأول الماضي, وأصداء رفض أحمد بوزفور لجائزة المغرب للكتاب, وأصداء توسيم الرئيس السوري للتوّ لحنا مينه وزكريا تامر وعبد السلام العجيلي وسواهم. وما كاد نبأ الإعلان عن الفائزين بجائزة باشراحيل في دورتها الأولي يذيع, حتي بدأت المزايدات عليها وعلي من فازوا بها. ومن هذه المزايدات في سورية ما ضرب مثلاً برفض صنع الله وبوزفور, لينال ممن فازوا بجائزة باشراحيل, في الوقت الذي يرفل فيه من زاود في نعماء المؤسسة الإعلامية الرسمية وفي نعماء مؤسسة ثقافية خاصة, معاًَ! لقد صفقتُ للبيان السياسي الذي ألقاه صنع الله إبراهيم حين رفض جائزة الرواية. إلا أن ذلك لم يأخذني في (الطوشة)، فكتبتُ في هذه الزاوية معترضاً علي المسرحية الاستعراضية لرفض الجائزة, وذلك تحت عنوان (نجومية السياسة والثقافة). أما تعليل أحمد بوزفور لرفضه جائزة كتاب المغرب من مجموعته القصصية (قُقْنس) بأن نصف ما طبعه منها (ألف نسخة) لم يوزع خلال عامين, فهو تعليل يفتح سؤال توزيع الكتاب العربي، بقدر ما يؤكد حق الكاتب في اغتنام فرصة الرفض لإعلان موقف وإشهار بيان سياسي معارض للمؤسسة الثقافية وغير الثقافية. ولكن هل علي كل كاتب من بعد أن يحذو هذا الحذو؟ ربما يلخص هذا السؤال الارتباك الذي أضمرت، حتي أنستُ بالآخرين في جائزة باشراحيل: محمد لطفي اليوسفي (تونس) في النقد وشوقي بزيع (لبنان) في الشعر ويمني طريف الخولي (مصر) في الدراسات الإنسانية والمستقبلية؛ وكذلك حين أنستُ بالشخصيات التي مُنحتْ الجائزة التقديرية: أدونيس (الشخصية الثقافية) وعمرو موسي (الشخصية السياسية) وهارون هاشم رشيد (الشخصية الفلسطينية) والأمريكي كارل أرنست. ولئن كانت أية جائزة تكتسب مصداقيتها ـ فيما تكتسب ـ من محكّميها ومن هيئتها الاستشارية, فقد أنستُ أيضاً إلي أن لجائزة باشراحيل من أولاء مثل صلاح فضل وعلي حرب وعبد السلام المسدي ومحمد الحارثي وعالي القرشي... وعلي الرغم من ذلك كله, كانت صغائر العلاقات الثقافية توسوس في الكواليس, فهذا ناقد عَلَمٌ يهوّن من الجائزة التي يقدمها ثري سعودي, ويعيّر ناقداً علماً من محكّميها, بينما يحكّم هو في جائزة مماثلة منذ تأسيسها, وو.. وبعد, ستبقي الثقافة النقدية والكتابة المبدعة والنزاهة هي العلامات المضيئة في الحلك الثقافي والسياسي والاجتماعي, علي الرغم من سطوة مثقفي الأنظمة ومثقفي السوق. وستسعي الجوائز والأوسمة إلي تلك العلامات, بينما يتفاقم عماء الاستبداد والاحتلال, وانتهاك السوق والقمع للقيم الحضارية النبيلة, وبينما تنضاف مساهمة جديدة مثل مساهمة جائزة باشراحيل إلي المساهمات المماثلة ذات المصداقية في فضائنا الثقافي. ومن دون المراهنة, ومن دون وسوسات الكواليس, سيذهب الزبد جفاء. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1862 --- Date 15/7/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1862 --- التاريخ 2004 - 7 - 15 AZP09 NBSL |