|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر من مصر - مصر أم الجميع - الدول المركزية لا تموت داخل محيطاتها من وسائل الاختراق الثقافي لمصر بالإضافة إلي ترويج بعض الفئات من الطبقة العليا والطبقة الوسطي إلي العولمة والليبرالية والواقعية السياسية ما انتشر في الآونة الأخيرة خلال بعض القنوات الفضائية الذائعة الصيت من تكوين جماعة في مصر باسم (مصر أمنا) وفي طريقها إلي التحول إلي حزب جديد، شعاره (مصر أولا)، تؤصل مصر الفرعونية، وتعزلها عن وطنها العربي وعالمها الإسلامي. وهي دعوة قديمة جديدة روج لها بعض أقباط مصر من المنبهرين بالغرب والرافضين للعروبة باسم حضارة مصر وبداوة العرب، وقدم مصر وحداثة العرب. وربما يكون السبب أيضا هو أن العروبة جسر للإسلام، ومصر في بؤرته، بإسهاماتها في الحفاظ علي اللغة والثقافة العربية، وبما لديها من حضور إسلامي من خلال جامعاتها ومعاهدها الإسلامية في جميع أرجاء العالم الإسلامي. مع أن نصاري الشام منذ الفتح العربي كان ولاؤهم للعرب، الفاتحين الجدد. وقاموا بأكبر حركة ترجمة من اليونانية أو السريانية للتراث اليوناني، خاصة الأرسطي إلي اللغة العربية. وعينهم المأمون في ديوان الحكمة للقيام بهذا الدور باسم الدولة. واستأنف نفس الدور نصاري الشام المحدثون في القرن التاسع عشر، وترجمة أمهات الكتب العلمية والفكرية والأدبية من الغرب الحديث إلي العربية مساهمة في عملية النهضة والإصلاح. وتظهر أمثال هذه الدعوات للاختراق الثقافي في وقت يظن البعض فيه أن مصر توقفت عن السير، وأن الرؤية قد غامت أمامها، فلا هي وطنية تدافع عن مصلحة الوطن، ولا هي عربية تقف مع إخوتها العرب في محنهم في فلسطين والعراق، ولا هي إسلامية تعطي الحركة الإسلامية شرعيتها في الداخل أسوة بباقي التيارات الفكرية والسياسية الناصرية والليبرالية. وغفوة مصر لا تعني ضعفها أو انحرافها أو تخليها عن رسالتها، إنما هي غفوة الذئب بعين واحدة، والهدوء الذي يسبق العاصفة. وهي دعوة تظهر مع دعوات شبيهة داخل مصر منذ السبعينيات لإعطاء شرعية للتخلي عن الالتزام القومي، وعقد صلح منفرد مع الكيان الصهيوني كما حدث في 1979، مع التحول من الشرق إلي الغرب، ومن الاشتراكية إلي الرأسمالية. ثم ظهرت دعوات شبيهة ما دامت الشقيقة الكبري قد بدأت مثل (الأردن أولا)، (الكويت أولا) علي نحو علني. وقد تتم ممارسة الشعار علي نحو عملي من دون الإعلان عنه. فقويت القطرية، وتفتت العرب، وغابت عنهم الإرادة الجماعية والمصلحة المشتركة كما ظهر في مؤتمر القمة العربي الأخير في تونس. وهي الدعوة التي أطلقها دعاة العزلة في الداخل في مقابل الانفتاح علي الخارج بدعوي جلب الرخاء، والربط بينه وبين السلام. فقد أنفقت مصر في أربع حروب أو أكثر الكثير من دخلها القومي. وأصبح دخل مصر السنوي للفرد أقل عشرات بل مئات المرات من نظرائه العرب. وأصبحت الخدمات العامة في مصر من شبكات للطرق والمواصلات والمياه والكهرباء والصرف الصحي والتعليم والعلاج بل والطعام والقوت اليومي أقل بكثير من الأقطار العربية الأخري في المشرق والمغرب. كان هدف الاستعمار والصهيونية إرجاع مصر إلي داخل حدودها الطبيعية بعد أن حملت لواء حركة التحرر العربي في الخمسينيات والستينيات، وأصبح للقومية العربية صداها في كل مكان، تمثل إحدي حركات التحرر الوطني في العالم الثالث منذ باندونج حتي بلجراد. وتحولت إلي سياسات في الداخل والخارج، اشتراكية في الداخل وعدم الانحياز في الخارج. وفي الهجمة الثانية للاستعمار منذ الصلح المنفرد مع الكيان الصهيوني في 1979، من أجل قيام إسرائيل الكبري ومنذ العدوان علي أفغانستان والعراق من أجل قيام الإمبراطورية الأمريكية الجديدة تتم محاولات تهميش مصر، وإخراجها من قلب الوطن العربي حتي يتم تقطيع أوصاله وابتلاعه قطعا قطعا كما تم تقطيع أوصال الإمبراطورية العثمانية، الرجل المريض من قبل، وابتلاع أوصالها من الدول الاستعمارية الكبري وفي مقدمتها إنجلترا وفرنسا. وكما حدث لفرنسا بعد هزيمة نابليون في واترلو بالعودة إلي حدودها الطبيعية، والتخلي عن تثوير أوروبا، كذلك تعود مصر إلي حدودها الطبيعية بعد هزيمة عبد الناصر في 1967. وهو تصور عنصري شوفيني للعلاقات بين الشعوب وبالأخص دول الجوار. ويقترب من التصور النازي. فلا فرق بين (مصر فوق الجميع) و(ألمانيا فوق الجميع). فمصر جزء من الأمة العربية بفعل التاريخ والنسب، والحاضر والجوار، والمستقبل والمصالح العامة. ويخلط هذا التصور بين العرب والأعراب أي البدو. فالعرب صناع حضارة بفضل الرسالة التي حملوها. أما الأعراب فهم البدو الرحل الذين ينقد القرآن أخلاقهم وسلوكهم ونفاقهم (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا، ولما يدخل الإيمان إلي قلوبكم(، (الأعراب أشد كفرا ونفاقا(. كما يخلط بين التاريخ والسياسة. ويروج لما قاله المستشرقون عن الفتح العربي، ووصفه بأنه الغزو العربي. والاحتلال العربي لمصر والمغرب العربي، وفارس والهند وأواسط آسيا مثل احتلال الأتراك للعرب لوصف دولة الخلافة. ويخلط بين العلم والوطن. وينتقي من التاريخ ما يؤيد روح العزلة والتفوق العنصري وما يتعارض مع المصالح الوطنية لمصر والأمة العربية. إن مصر دولة بلا حدود جغرافية، تجمع سكاني مفتوح يفيض علي محيطه أو يفيض محيطه عليه. مصر دولة مفتوحة من الشرق تربطها بالشام صحراء سيناء. وكانت الغزوات تأتي إلي مصر من الشرق منذ الهكسوس والفرس والتتار لولا إيقاف مصر لهم في الشام في (عين جالوت). سيناء المدخل الشرقي لمصر وكان أحد الأهداف من خلق إسرائيل هو الفصل بين مصر والشام منذ الاحتلال البريطاني. ومصر دولة مفتوحة من الجنوب. يربطهما معا شريان الحياة، نهر النيل. في الجنوب منابعه وسدوده وخزناته. وكان تأمين منابع النيل جزءاً من الأمن القومي لمصر. واتفاقيات توزيع مياهه جزءاً منه. وكان أحد أهداف فصل جنوب السودان عن الشمال هو السيطرة علي منابع النيل، وتهديد الأمن القومي المصري. وتلعب إسرائيل في المنطقة، وتقترح علي دول حوض النيل في الجنوب بناء السدود علي منابعه، علي النيل الأزرق في الحبشة. ودمرت قوات الانفصال في الجنوب قناة جونجلي لتقليل الفاقد من مياه النيل التي تفوق ثلاثة أرباع المياه التي تصب في الشمال. واتجه محمد علي إلي الجنوب لتأمين حدود مصر الجنوبية. واستولت بريطانيا علي الشمال والجنوب للاستيلاء علي حوض النيل كله. ومصر دولة مفتوحة من الغرب. كان الحيثيون يغيرون عليها من امتداد الصحراء الغربية، من الجفاف إلي الري، ومن الصحراء إلي وادي النيل منذ أيام الفراعنة. وما زالت نظم الحكم في الغرب حتي العصر الحاضر طامعة في مصر، في مياهها وشعبها. وتعيد نفس الحجة (قيادة بلا شعب لشعب بلا قيادة). وهي الحجة التي اعتمد عليها الغزو الصهيوني لفلسطين (شعب بلا أرض لأرض بلا شعب). كما أتي الفاطميون من الغرب لإعادة فتح مصر، وتأسيس الدولة الفاطمية. وما زالت مصر عضوا مراقبا في (الاتحاد المغاربي)، وليست جزءاً من المغرب العربي الذي يمتد من المغرب الأقصي ويتوقف في ليبيا. ومصر دولة مفتوحة من الشمال من البحر. أتتها الغزوات الصليبية ثم الحملات الاستعمارية الحديثة من البحر. وفتحها الأتراك العثمانيون أيضا من البحر. لذلك كانت مهمة محمد علي الدفاع عن مصر من البحر، وتكوين الأسطول المصري لحماية سواحلها. وكان الاستعمار يهدف للقضاء عليه، بداية بتدمير الأسطول المصري في موقعة نوارين البحرية. وربما كانت دعوة المتوسطية واعتبار مصر جزءا من الثقافة الغربية تأمينا لحدود مصر الشمالية ثقافيا، واعتبار شمال البحر الأبيض المتوسط وجنوبه كيانا ثقافيا واحدا. وتقوم إسرائيل الآن بهذا الدور، فالكيان الصهيوني أيضا بلا حدود من حيث البر والبحر. حدودها هو ما يستطيع أن يصل إليه جيش الدفاع الإسرائيلي وذراعه الطويل حتي باكستان، مرورا بالأردن وسوريا والعراق لدفع الفلسطينيين إلي الأردن وتكوين الدولة الفلسطينية هناك عن طريق (الترانسفير)، ولتدمير سوريا التي مازالت تقاوم الوجود الصهيوني في الشام، وتدمير العراق وقوته العسكرية كما دمرت المفاعل النووي العراقي. وتقضي علي القنبلة النووية (الإسلامية) لدي باكستان. وهو كيان منفتح نحو الشمال بتحالفه مع تركيا ضد عدو مشترك هم العرب الذين ما زالوا ينازعون الأتراك في لواء الإسكندرونة الذي تريد سوريا استرداده، وتقوي الأحزاب الكردية التركية الانفصالية كما يريد الفلسطينيون استرداد فلسطين من الاحتلال الصهيوني. وحدود إسرائيل أيضا مفتوحة مع الجنوب بعقد معاهدة السلام بينها وبين مصر. وأتي الإسرائيليون سياحا لرؤية أهرام مصر ومعابد الأقصر ووادي الملوك. يعودون إلي أرض الفراعنة التي أخرجهم موسي منها. ويرون الأهرام التي شارك العبرانيون في بنائها! وهي مفتوحة من الغرب بحرا. علاقتها بالغرب متينة عن طريق يهود أوروبا والاشتراك في العلم والحداثة والتقدم مع الغرب. بل إن حدودها مفتوحة عبر الأطلنطي إلي الولايات المتحدة الأمريكية، لا فرق بين يهود فلسطين ويهود نيويورك. حدود إسرائيل هي كل مكان يقطن فيه يهودي سواء في (العاليا) أرض المعاد أو في (الدياسبورا) أرض الشتات. إن تاريخ مصر منذ قدم الزمان، مصر الفرعونية حتي مصر الحديثة، محمد علي وعبد الناصر، يثبت أن مصر دولة مركزية، لها حدود مفتوحة من جهاتها الأربع. توحّد محيطها في لحظات قوتها، وتنكمش علي نفسها فتضعف الأطراف. لذلك تصورها الأفغاني رائد الحركة الإصلاحية بؤرة توحيد مع السودان في وحدة وادي النيل، ومع الشام في وحدة مصر والشام منذ صلا ح الدين حتي عبد الناصر، ووحدة المغرب العربي منذ الفاطميين، ووحدة العرب في الحقبة الناصرية، ووحدة الأمة الإسلامية كما ينادي أنصار الجامعة الإسلامية، بل ووحدة شعوب الشرق عند أنصار الجامعة الشرقية، بين مصر والصين أو مصر واليابان، أو مصر وماليزيا واندونيسيا، أو مصر وإيران، أو مصر وتركيا، أو مصر والجمهوريات الإسلامية في أواسط آسيا. وبعد الثورة قامت مصر بذلك خير قيام منذ مؤتمر باندونج في 1955 حتي بلغراد في 1964، وتكوين كتلة عدم الانحياز، والقارات الثلاث، ومنظمة شعوب آسيا وأفريقيا، والعالم الثالث. في غياب مصر ينفرط العقد، وتتناثر حباته، وينقطع الخيط بعد ذبح الرقبة التي تزينها القلادة. في غياب (مصر أم الجميع) لصالح (مصر أمنا) يتم استقطاب الوطن العربي، قطرا وراء قطر إلي مراكز جذب أخري. يتم جذب الخليج نحو إيران، والسودان بعد قسمته إلي شمال عربي وجنوب أفريقي نحو الجنوب، وابتلاع الشام وقسمته بين تركيا وإسرائيل، وتفتيت العراق إلي أكراد وسنة وشيعة، وجذب المغرب العربي كله نحو أوروبا حيث يتم تبادل المنافع بين العمالة المهاجرة، والنفط المصدر من الجنوب إلي الشمال، واستثمار الشمال في الجنوب. فقد انتهي الاستعمار القديم وبدأ الاستعمار الجديد. والجوار الجغرافي له الأولوية علي التماهي الثقافي. وفي التاريخ تتغير الأحلاف وتتبدد المحاور. لقد وقعت مآسي العرب بسبب غياب مصر بعد تكبيلها بمعاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، حرب الخليج الأولي، وحرب الخليج الثانية، ثم احتلال كل فلسطين وكل العراق، وتسوية الحرب الأهلية في السودان، واستمرار الحرب الأهلية في الجزائر في غيابها. هذا ليس تحميلا لمصر فوق ما تحتمل أو عود إلي الحلم القديم الذي لم نصح منه بعد. بل هذا هو قدرها لما تتمتع به من رصيد في قلوب العرب ووجدان المسلمين عرضتها الأدبيات الحديثة عن (شخصية مصر) وعبقرية المكان. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1859 --- Date 12/7/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1859 --- التاريخ 2004 - 7 - 12 AZP07 HSHN |