|
|
تصدير الخوف - هل تتحقق المصالحة التاريخية ما بين مصدري الرعب وضحاياه؟ - د. حسن حنفي أصبح الخوف من الموضوعات المثارة هذه الأيام مثل العنف، والإرهاب، وصدام الحضارات. وتجاوز ما عرف في (أفلام الرعب)، والإثارة، والعنف، والخوف الميتافيزيقي من النفس، والقدر، والمصير. أصبح الخوف الآن هو الخوف من الآخر المغاير، الخوف من (المغايرة) و(الآخرية). فبعد أن يثق الإنسان بنفسه، وربما ثقة زائدة تصل إلي حد الغرور وكما هو الحال في أفلام البطولة المطلقة، البطل الذي لا يُقهر، يبدأ في الخوف من الغير، أن يسلبه ثقته بنفسه خاصة لو كانت قد تأسست علي السلب والنهب والعدوان. يظل الآخر بالنسبة إليه هو (جسم الجريمة) الذي يذكّره بماضيه خاصة لو كان الضحية لم يحتضر بعد، ومازالت به بقايا من نفس الحياة يقاوم الموت كي تعود إليه الحياة من جديد. وهذه هي الحالة الراهنة بين العرب والغرب الأمريكي والتي تأخذ عدة صيغ. هناك طرفان يتصارعان أكثر مما يتحاوران مثل: الإسلام والغرب، العرب والغرب، الشرق والغرب، الشمال والجنوب، الحوار العربي الأوروبي. وهناك أحيانا طرف واحد يعبر عن رؤيته للطرف الآخر وإملاءاته عليه مثل: الحوار المتوسطي، الشرق الأوسط الكبير، الإصلاح، الإرهاب، العنف... الخ عند طرف. والعدوان، الاحتلال، الغزو عند طرف آخر. وتزايد العنف والإقصاء المتبادل بين الطرفين عودا إلي عصر الاستقطاب داخل أوروبا منذ الحرب الباردة حتي نهايته وسيادة القطب الواحد أو حتي قبل ذلك منذ القرن التاسع عشر، الصراع بين الدول المستعمِرة والشعوب المستعمَرة والذي انتهي بحركات التحرر الوطني في الخمسينيات والستينيات وتكوين الدول الوطنية المستقلة الجديدة خاصة في الوطن العربي وأفريقيا. زادت الاتهامات المتبادلة بين الطرفين ووصل الأمر إلي العدوان من طرف علي طرف، والمقاومة من طرف للطرف الآخر. وكان الأبرياء هم الضحية من الطرفين، الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، وتعذيب السجناء ضحايا العدوان، وخطف الرهائن وتهديد حياتهم أو قتلهم، والعدوان علي الآمنين من طرف آخر. وانقطع الحوار الهادئ الرصين الخصب في عالم لم يعد يتحمل سفك الدماء. وربما تكون هذه اللحظة التاريخية لحظة فارقة. فالتاريخ يتحرك، والدوائر تدور طبقا لقانون القيام والانهيار، النهضة والسقوط، والذي يعادل القوانين الكونية مثل الغروب والشروق. فللتاريخ قوانين كما أن للطبيعة قوانينها. ودورات الحضارات وتتابعها مثل دورات الأفلاك. فلربما ما يدور الآن من صراع وصدام مؤشر علي حضارة تأفل، وحضارة تبزغ. واللحظة الحاضرة تكشف عن هذا التحول فالإنسانية الآن علي مفترق الطرق. والسؤال الآن هو: من يخاف من؟ من يصدّر الخوف لمن؟ من يرعب من؟ وهل تصدير الخوف والرعب والإرهاب حقيقة أم وهم، واقع أم خيال؟ إن المغالاة في استعمال القوة من طرف ضد الطرف الآخر إنما يهدف إلي تصدير الخوف منه إليه. فالمغالاة في استعمال القوة في غزو أفغانستان، إطلاق صاروخ بملايين الدولارات علي خيمة بعشرة دولارات، واستعمال أحدث أنواع الأسلحة بما في ذلك أسلحة الدمار الشامل علي مقاتلين في الجبال ببنادق من الحرب العالمية الثانية من أجل تصدير الخوف إلي الآخر بعد أن خاف الطرف المعتدي، علي نفسه وقوته وصورته وهيبته بعد حوادث 11 ايلول (سبتمبر) 2001، والمغالاة في استعمال القوة في العدوان علي العراق بكافة أنواع الأسلحة إنما هو أيضا تصدير للخوف. وما يفعله الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني والمخيمات والمقاومة إنما هو تصدير للخوف أيضا بدلا من الرعب الذي يعيشه من العمليات الاستشهادية التي جعلتهم يتوقعون الموت في أية لحظة (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا، وقذف في قلوبهم الرعب). تهديد مستمر والتهديد المستمر علي سوريا وليبيا وإيران والسودان واليمن، كل ذلك من أجل تصدير الخوف حتي لا يجرؤ أحد علي تكرار ما حدث في ايلول (سبتمبر). وتظل صورة أحد الأطراف البطل الذي لا يُقهر، (رامبو) صاحب القوي الخارقة، وراعي البقر الذي يهزم اللصوص والأشرار. وعقدة الخوف هي التي أصبحت تسيطر علي المزاج الأمريكي والمزاج الصهيوني، الخوف من انتفاضة ضد الهيمنة الأمريكية والصهيونية علي العالم، الخوف من يقظة الضحية حتي وهو في لحظة الاحتضار. والحقيقة أن الغرب الأمريكي هو الذي يخاف، ويغطي خوفه بتصدير الخوف للآخرين. يخاف خاصة من العرب المسلمين لأنهم مازالوا أحياء حتي لو بدا عليهم التعثر والتخبط والتفرق والتشيع والإحباط واليأس واللامبالاة. يخاف منهم لأنهم أصحاب تاريخ، ووعي تاريخي يثير فيهم النخوة القديمة، ولحظات الانتصار الأولي، وحلم العودة إلي عصر النبوة والخلافة والذي يظهر بوضوح لدي الحركات الأصولية خاصة ان الولايات المتحدة بلا تاريخ إلا التاريخ الأسود، استئصال الشعوب الأصلية في نصف الكرة الغربي، وإحلال كل المطرودين والخارجين علي القانون والباحثين عن الذهب من أوروبا عبر الأطلنطي إلي الأراضي الجديدة، وإحلال سكان مهاجرين محل السكان الأصليين. وهو نفس ما فعله الكيان الصهيوني في فلسطين. ويخشاهم لأن حاضرهم مازال مرتبطا بماضيهم وتراثهم. لم يقطعوا معه كما فعل الغرب باسم الحداثة والتقدم. فرموا الطفل مع الماء في طقس العماد طبقا للمثل المشهور. ثم عاد اليوم بنقد الحداثة ذاتها لصالح ما بعد الحداثة. وبدأ يهدم ما دافع عنه واستشهد في سبيله، العقل، والعلم والتقدم والإنسان. أعلن نيتشه من قبل (إن الله قد مات) و(يحيا الإنسان). ثم أعلن بارت بعده بنصف قرن (إن الإنسان قد مات) ولم يعد يحيا أحد. والكتابة تبدأ من الصفر. والمعني لفظ. وانقلب العقل إلي اللاعقل، والقانون إلي الفوضي، والمنهج إلي اللامنهج. ويخافهم لأن المستقبل أمامهم مفتوح بإمكانياتهم المادية والبشرية والعقلية وبموقعهم الجغرافي. يسيطرون علي ما يزيد علي ثلاثة أرباع مصادر الطاقة التقليدية. ويمثلون ما يزيد علي خمس سكان العالم. كما يمثلون أكثر من نصف العمالة الفنية المتخصصة إلي الغرب. ويربطون بين القارات الثلاث، أوروبا وآسيا وأفريقيا. ولهم تجربة تاريخية ترشدهم إلي مستقبلهم. وما نجح أولا قد ينجح ثانيا. ومن ذاق الريادة أولا فإنه لن يرضي بدور التلميذ إلي الأبد. ولقد صمدت هذه المنطقة عبر التاريخ منذ غزوات الإسكندر الأكبر والإمبراطورية الرومانية، مرورا بالغزوات الصليبية حتي الاستعمار الغربي الحديث. واستطاعت أن تدافع عن استقلالها وحريتها حتي حركات التحرر الوطني الحديثة التي انتهت بتكوين الدول الوطنية المستقلة. ومازالت صامدة ضد الموجة الثانية من الاستعمار الجديد ممثلا في العالم ذي القطب الواحد، ومواجهته بالمقاومة الوطنية في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان. وهي حريصة علي الموت والشهادة قدر حرص الأمريكي الصهيوني علي الحياة والدنيا. ومازالت تمثل احتمال بزوغ قطب ثان منها في مواجهة القطب الأول بعد أن خفتت روح جيفارا في أمريكا اللاتينية المثقلة بالفقر والجريمة والمخدرات، وأفريقيا المثخنة بجراح التصحر والفقر والمرض والديون الخارجية والحروب الأهلية. ونحن نخاف منه وهما لا حقيقة. فهو حضارة العلم والتقدم والصناعة والحداثة والقوة والسيطرة والهيمنة والغلبة. العصر عصره، والحضارة حضارته، والعلم علمه، والعقل عقله، والعمل عمله منه ننقل العلوم والصناعات ونتخذه نموذجا يحتذي به للتقدم والعمران. وحكمتنا أيديولوجياته السياسية في تاريخنا الحديث من ليبرالية واشتراكية وماركسية وقومية. واستطاعت مزاحمة الإسلام والتنافس معه لدرجة الاستبعاد والإقصاء باسم العلمانية والحداثة ضد السلفية والأصولية. وهو تخوف لا خوف لأنه مبني علي وهم. فقد نقد الغربيون أنفسهم حضارتهم وجوانبها العدمية بداية بالشك واعتبار أن الإنسان مقياس كل شيء. ولا يوجد إمكانية الاتفاق علي قيمة واحدة. فالحقيقة وجهة نظر. وتكلم كثير من فلاسفة التاريخ في حضارتهم مثل اشبنجلر عن (أفول الغرب) وهوسرل عن (أزمة العلوم الأوروبية)، وبول آزار عن (أزمة الوعي الأوروبي)، وماكس شيلر عن (قلب القيم)، ورسل عن (محاكمة الغرب)، وقد وصف برجسون الحضارة الغربية بأنها آلات لصنع الآلهة. نخاف من عقدة العظمة التي بناها في نفسه باسم حضارة التفوق والانتصار والغلبة، كما نخاف من عقدة النقص التي تربت فينا بعد الانبهار به وتقليده. الغرب يبدع ونحن ننقل. هو يؤلف ونحن نترجم. يضع النماذج ونحن نطبقها. يُنظّر ونحن نعمل. هو الإمام ونحن المأمومون. يخطط للمستقبل ونحن نعيش في الماضي. يحلل ويدرس ويفهم الأسرار ويكتشف المجهول ويرتاد الصعاب ويركب المخاطر ونحن نؤمن ونستقبل المعلومات الجاهزة والمعطيات الأولي. ولا نقترب من المحرمات: الله، والسلطة، والجنس أو الدين والسياسة والعادات والأعراف الموروثة. ومع ذلك قضت حركات التحرر الوطني في عشرين عاما أي في جيل واحد علي استعمار بدأ منذ عدة قرون وعلي أجيال متتابعة. فهو إنجاز ضخم. ومازالت الدول الوطنية تقاوم مظاهر الاستعمار الجديد الاقتصادي والثقافي والإعلامي. ولم يعد الغربي يأمن علي حياته من جماعات العنف التي تبادل عنفه بعنف مضاد، وإرهابه بإرهاب مضاد. ومازال الجهاد معينا لا ينضب في نفوس المظلومين والمقهورين. الصراع بين الطرفين إذن هو صراع إرادات، من يصدّر الخوف لمن؟ من يُلقي في قلب الآخر الرعب؟ ليس عن طريق التخويف بقوي الردع النووي أو بالاحتلال التقليدي المباشر أو بالتهديد بالعدوان أو بالتهميش والإهمال للأصدقاء التقليديين بل بالمغالاة في استعمال القوة، وزيادة إيقاع التوتر في عالم يسوده الاستقطاب أكثر من الحوار، تنفيذا لصدام الحضارات وليس تطبيقا لحوار الثقافات. ويظن اليمين المحافظ والمسيحية الصهيونية أنها بتصدير الخوف تخيف من دون أن تعلم أنها بتصدير الخوف يصدر الطرف الآخر الرعب لها. في الصيف القادم الزلزال الرهيب عندما تتحرك الخلايا النائمة في عالم فقد عقله واتزانه وأصبح ضحية للفعل ورد الفعل. وغابت الحكمة التي طالما بحث عنها العقلاء. وتحول الخوف عند الغربي إلي رعب نظرا لعدم اطمئنانه علي حاضره من سوءات أعماله في ماضيه بالنسبة للآخرين (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله). يخاف أن يأتيه الموت من حيث لا يدري بعد أن قتل الشعوب واستأصل السكان الأصليين ليحل محلهم. ومن دون مصالحة تاريخية بين الطرفين علي غرار ما فعلته (لجنة الحقيقة والمصالحة) في جنوب أفريقيا، يستمر تصدير الخوف من طرف لآخر. فهل يستطيع الغرب أن يندم علي ما فعل ويرد الاعتبار للشعوب التي استعمرها ونهبها حتي تستطيع الشعوب أن تقول (عفا الله عما سلف)؟ AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1845 --- Date 26/6/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1845 --- التاريخ 2004 - 6 - 26 AZPO7 HSHN |