آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر من مصر
- فقهــاء السلطــان الأكبــر
- ضياع مشروع الإصلاح بين مطرقة الداخل وسندان الخارج

تعودت الناس منذ الثورات العربية الأخيرة في نصف القرن الماضي علي رؤية المفكرين والمثقفين والأدباء وأساتذة الجامعات من أهل الثقة وليس من أهل الخبرة من خلال أجهزة الإعلام والمؤسسات الثقافية يبررون سياسات النظم القائمة، ويجدون عشرات الحجج علي حسن اختيارها، اشتراكية قومية أو رأسمالية قطرية، ملكية وراثية أو جمهوريات رئاسية. فالاشتراكية حتمية فيما عُرف باسم حتمية الحل الاشتراكي. والقومية ماضي العرب وحاضرهم ومستقبلهم. والملكية رمز لوحدة التراب الوطني وللشعب الواحد المتعدد الأعراق أو إرث للعائلة المالكة محققة الوحدة التي جاهد مؤسسها من أجل توحيد قبائلها وبناء دولتها الحديثة.
كما تعودت النظم السياسية أن تجد لها (موظفين) أيديولوجيين يقومون بهذه المهمة بل ويتنافسون فيها، ويتسابقون عليها. وتطول قوائم الانتظار من جميع الفرق، قوميين وماركسيين وليبراليين وإسلاميين سابقين. فالأيديولوجية الآن هي أيديولوجية الدولة. والولاء ليس هو الولاء الأيديولوجي القديم بل الولاء للدولة. (لا تسبوا الله فإن الله هو الدولة) كما تقول إحدي شخصيات نجيب محفوظ في إحدي رواياته تنويها علي حديث (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر). كما أن هذا التبرير هو الطريق إلي الوزارة وربما إلي الإمارة. وهو طريق الثروة والسلطة، وسبيل الشهرة والصدارة. فإذا ما تغيرت خيارات النظم السياسية كما حدث بعد الثورات العربية الأخيرة أو بعد هزيمة حزيران (يونيو) في 1967 أو بعد موت عبد الناصر في 1970 أو بعد حرب تشرين (أكتوبر) 1973، تغيرت التبريرات أيضا وربما بنفس الرجال. فالأولوية لاختيارات النظم، والتبعية للمفكرين والمنظرين والمفسرين والمجتهدين والأئمة والدعاة السياسيين. كان الزعيم هو الحصان والموظفون الأيديولوجيين هم العربة، متبوع وتابع. ومن يرفض هذا التصور فإنه من جرحي الثورة أو من الموتورين أو الإقطاعيين أو رجال العهد البائد أو من الخوارج والمتشددين أو ممن يعملون علي قلب نظام الحكم، أعداء الثورة.
كان الزعيم هو الذي يحدد اختيارات النظام. وكان النظام هو الذي يحدد شكل الدولة. وكانت الدولة هي التي تقوم بتثقيف الشعب من خلال أجهزة الإعلام ومؤسسات الثقافة ومناهج التربية والتعليم. يوحي بأنه الزعيم الملهم الذي اختاره القدر لإنقاذ الشعب وقيادة الأمة وصنع التاريخ. وهو إما من صنع الوهم أو الإعلام أو أجهزة المخابرات الأجنبية والقوي الدولية. وكان يعطي لنفسه الأسماء والألقاب ويضع علي صدره النياشين ويلبس الرداء العسكري الأشبه برداء النازية أو يعطي لنفسه ألقابا تسعة وتسعين مثل أسماء الله الحسني أو يسمي دولته، وهي أصغر دولة، بالعظمي أسوة ببريطانيا العظمي التي لا تعني عظمة الإمبراطورية بل المنطقة الجغرافية تمييزا لها عن مقاطعة بريطانيا الصغري في شمال فرنسا. وآخر يجمع بين قريش والجيش، زعيم الأمة وقائد الجيش، إمام المسلمين الذي يجمع بين السلطتين الدينية والسياسية. وآخر ينتسب إلي أسرة الرسول، وكأن النبوة ملكية وراثية بالرغم مما يروي عن الرسول (الخلافة بعدي ثلاثون سنة تتحول إلي ملك عضود).

أيديولوجية النظام
ويؤسس حزبا يصبح الحزب الحاكم، ويضع أيديولوجية النظام، ويحكم باسمه بعد انتخابات مزيفة يحصد فيها معظم مقاعد المجالس النيابية. ويتمتع بأغلبية مطلقة تجعله يفعل ما يشاء. وبقدر ما ينعزل عنه الناس يمتد سلطانه. فهو الحزب الوحيد الذي يمثل الاختيار الأوحد. وقد تنشأ أحزاب معارضة أخري من داخل السلطة استيفاء للشكل الديمقراطي، محاصرة في مقار في وسط المدينة كناد للمثقفين أو السياسيين لإصدار جريدة أو لإلقاء خطب في المناسبات والأعياد الوطنية. ولا يسمح لها بتنظيم مظاهرة شعبية في ميدان عام. وإن حدثت فداخل المقر حيث تتنصت عليه عربات الأمن بأجهزتها وربما بالصوت والصورة، من يقول ماذا؟ وربما استدرك بعض قادتها إلي أن يكونوا أعضاء في المؤسسات الدستورية بالتعيين لتذوق طعم السلطة التي يتوقون إليها. ولا بأس أن تصطدم مرة بالحزب الحاكم وأن تختلف معه تحت شعار (دعهم يتكلمون، ونحن نفعل ما نشاء). فقد تكون المعارضة النظرية إحدي وسائل الحفاظ علي أمن النظام في الداخل تفريجا عن هموم الناس، وفي الخارج تحقيقا لمتطلبات النظام الدولي بقيادة القطب الأوحد، الولايات المتحدة الأمريكية، والذي يبغي التحول الديمقراطي من أجل ضمان نظام قادر علي حماية العولمة، ينشّط القطاع الخاص، ويؤيد قطاع الأعمال، ويفتح البلاد لقوانين السوق ويلغي الحواجز الجمركية، ويدخل عالم المنافسة وهو غير قادر عليه.
واليوم أصبحت الدولة نفسها تقوم بدور الموظف الأيديولوجي مبرر النظام. فقد استكثرت الدولة عليه أن يقوم بهذه المهمة وحده. ونافسته فيه لأنها أقدر منه عليه. تريد كسبا أعظم، هو استقرار النظام. كما يريد هو كسبا أقل، المعية السلطانية. أصبحت الدولة الآن هي التي تقوم بدور المبرر للنظام الدولي. فهذه مهمة تصعب علي المثقفين والمنظرين في الداخل. والدولة هي الحريصة علي أن تنال الحظوة والرضا من نظام العالم القائم علي القطب الواحد حتي تنال سندا أعظم من الخارج إذا ما ضعف السند الداخلي من التبرير السياسي المحلي. الدولة نفسها أصبحت فقيه السلطان الأكبر متجاوزة موظفها الأيديولوجي، فقيه السلطان الأصغر. الدولة أقوي من الفرد. والنظام السياسي أقدر من المنظّر المحلي. فإذا أراد نظام العالم الجديد الإصلاح، الشرق الأوسط الكبير، المتوسطية، فإن الدولة نفسها قادرة علي أن تبين محاسن هذه المشاريع الجديدة بعد أن تخلت عن مشاريعها القديمة، الوطنية والقومية والإسلامية والماركسية. بل إن الدول المعنية قد بدأت هذه المشاريع من قبل منذ زمن بعيد أو قريب، منذ فجر النهضة العربية، منذ مائتي عام أو منذ السنوات الأخيرة عندما وقع النظام السياسي العربي في أزمة مزدوجة: القهر في الداخل، والتبعية للخارج. إنما الفرق فرقان. الأول هو: كيف يتم الإصلاح؟ من الخارج أم من الداخل ؟ بالقوي الذاتية أم بتدخل القوي الأجنبية، طوعا أو كرها، بالجزرة أم بالعصا؟ والثاني: ما هو برنامج الإصلاح؟ إصلاح عام يعطي الأولوية للبرنامج الخارجي علي البرنامج الداخلي؟ ويبدأ بمفردات الخارج واهتماماته: الإدارة العليا، المجتمع المدني، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، حقوق الأقليات، التحول الديمقراطي من أجل القضاء علي العنف والإرهاب أم يبدأ بمفردات البرنامج الداخلي باسم الخصوصيات الثقافية التي تأبي الإجهاض والشذوذ الجنسي والذوبان في هويات الآخرين، والاغتراب الثقافي والتبعية الحضارية؟ كان هذا هو السبب وراء تأجيل مؤتمر القمة في تونس منذ شهرين عندما فرضت أمريكا جدول أعمالها علي القمة مهمشة جدول الأعمال العربي وفي مقدمته احتلال فلسطين والعراق.
أصبحت الدولة الآن هي التي تنادي بالتحديث والإصلاح بعد أن كانت هي المعاندة والرافضة. وتمارس أبشع أنواع القهر ضد حركات الإصلاح بشتي فصائلها وانتماءاتها الأيديولوجية. كما أصبح النظم الدولي الآن بقيادة القطب الواحد، الولايات المتحدة الأمريكية، هو الذي ينادي بالإصلاح وهو الذي مارس العدوان علي الشعوب منذ موجات الاستعمار الأولي في القرن التاسع عشر حتي موجات الاستعمار الثانية الآن باحتلال أفغانستان ثم العراق، وتهديد سوريا وليبيا وإيران والسودان واليمن، وتهميش مصر، والثناء علي الخليج والمغرب العربي كوريثين لمصر وبديلين عنها. وفي نفس الوقت الذي ترفع فيه شعار الإصلاح تقبض علي المعارضة السياسية. فالقول والفعل عالمان مستقلان.

فروض الولاء والطاعة
وكما تنافس الموظفون الأيديولوجيين علي تبرير النظم السياسية تتنافس الدول الآن علي تبرير وثائق الإصلاح والشرق الأوسط الكبير والمتوسطية والتحول الديموقراطي والتعددية السياسية. (فالسابقون السابقون)، (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر). يتنافس الجناحان: الخليج والمغرب علي القلب، مصر والسعودية وسوريا. ويذهب البعض فرادي إلي قمة الثمانية بجورجيا الأمريكية يقدم فروض الولاء والطاعة، وأنه علي أتم استعداد لتنفيذ وثيقة الإصلاح للشرق الأوسط الكبير. هرولة نحو الولايات المتحدة الأمريكية لتنفيذ ما تريد بعد هرولة للصلح مع إسرائيل تنفيذا أيضا لمطالب سيد العالم الجديد. ولا يريدون الذهاب مجتمعين يمثلون مصالح العرب، وما تبقي من ذكريات الأمس القريب، الوحدة العربية، والقومية العربية، والجوار العربي، والنضال العربي، والتاريخ العربي، والثقافة العربية، والكرامة العربية. والكل يريد أن يتخلي عن الجامعة العربية، بيت العرب، فهناك الآن عدة جامعات أخري بديلة، الإصلاح، الشرق الأوسط الكبير، المتوسطية، العولمة، السوق، العالم قرية واحدة، ثورة الاتصالات، الحداثة، التكنولوجيا إلي آخر هذه المفاتيح السحرية في نظام العالم الجديد. وفي نفس الوقت الذي يدعي فيه العرب أنهم حملة إرث تاريخي طويل ينسون تاريخهم القريب في الخمسينيات والستينيات عندما كان لهم حضور من المحيط إلي الخليج من خلال صوت عبد الناصر.
وكل دولة تجد مبرراتها للقيام بهذا الدور، فقيه السلطان الأكبر. الشكر علي المساعدة علي تحرير أراضيها ضد العدوان عليها واحتلالها، التخلص من نظام معاد مجاور والرغبة في لعب دور أكبر والسماح لقوات العدوان بالتمركز علي أراضيها واستعمال موانيها ومياهها الإقليمية للقيادة المركزية والانطلاق منها، الخوف من عملية نقل جماعي للفلسطينيين إلي دولة مجاورة لإنشاء فلسطين فيها، الخوف من العدوان عليها بنفس الشبهات التي بررت العدوان علي العراق، الحفاظ علي وحدة التراب الوطني في الشمال والجنوب والشرق والغرب، التسابق نحو نظام العالم الجديد كبديل عن النظام العربي القديم بدعوي القرب الجغرافي والتآخي الثقافي واللغوي لتعاد سيرة الفرانكفونية والأنكلوفونية من جديد. والأعذار كثيرة لتخلي العرب عن عروبتهم، والاتجاه فرادي نحو نظام العالم الجديد مستعيدين قول ابن خلدون أنه ما حل العرب في أرض إلا أسرع إليها الخراب.
ليس الطريق مسدودا أمام العرب. ومن ييأس من نفسه فلا أمل له في الآخرين. فبدلا من أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية بدور الأفغاني والطهطاوي وشبلي شميل وغيرهم من رواد الإصلاح الحديث، الديني والليبرالي والعلمي فإن فقهاء السلطان الأكبر لديهم خيارات أخري في المقاومة الوطنية في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير والشيشان، وفي الدولة الوطنية المستقلة القادرة علي التحالف مع الداخل والاستقلال عن الخارج كما فعلت ماليزيا والصين، وكما تحاول الآن تركيا بفضل حزب العدالة والتنمية وإيران بعد الثورة الإسلامية وفي عهد الإصلاحيين.
فماذا يفعل الآن فقهاء السلطان الأصغر لتحديد رسالة جديدة لهم، الدفاع عن مصالح الأمة وحماية للشعوب من نظم القهر والطغيان؟ وماذا يفعل الآن فقهاء السلطان الأكبر للبقاء وفك الحصار عن أنفسهم وهم بين المطرقة والسندان، مطرقة الداخل، وسندان الخارج؟ وإن غدا لناظره قريب.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1838 --- Date 17/6/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1838 --- التاريخ 2004 - 6 - 17

AZP07
HSHN