|
|
آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر مصري - غرائب التعذيب في سجن أبوغريب - هل تظل الصورة مشوشة لدي رواد النهضة الثانية ليست القضية الموضوع، السجناء العراقيون، بل الذات، المعذبون الأمريكيون. فللتعذيب جانبان: المعذَّب وهو من يقع عليه التعذيب، والمعذِّب وهو من يقوم بالتعذيب. والصور المنشورة أصدق تعبير عن وقائع التعذيب من جهة المعذَّب: الصلب من أجل الصعق بالتيار الكهربائي، الجر علي الأرض من العنق، تكوير الأجساد بعضها فوق بعض في كوم من لحم، سند الظهر إلي الحائط عاريا والكلب العقور ينهش في الأعضاء التناسلية للسجين لإهانة مصدر الحياة والخصوبة والتكاثر، العدوان الجنسي علي السجين من مجتمع الشذوذ. وآلاف أخري من الصور لم تنشر بعد. ومئات أخري من الشرائط المتحركة تصور العملية كلها وليس فقط الصور الثابتة التي تصور بعض لحظاتها. بل إن تصوير التعذيب في حد ذاته له دلالته. فعادة ما يتم التعذيب في الخفاء وفي سرية كاملة. وبالرغم من وقوعه والشواهد عليه من خلال ما يتسرب من أنباء في الداخل والخارج إلا أنه يتم إنكاره. فهو ليس فقط مدان باسم القانون ولكنه أيضا إهانة للإنسان، وخرق لحقوقه، وطعن في الكرامة البشرية. وهذه المرة يتم تصوير المشاهد للتمتع بالتعذيب مرتين، الأولي برؤية السجين وهو يتعذب. والثانية بتسجيل وقائع التعذيب حتي تتم المشاهدة مرة ثانية. فالواقع أبلغ من خلال الصورة. والصورة أقوي أثرا في النفس من المشاهدة الحسية المباشرة. وإلا فلماذا فن الصورة بكل أنواعه، التصوير الضوئي، والتصوير السينمائي، والتصوير الزيتي، والتصوير الفني عن طريق الصورة الذهنية قياسا للغائب علي الشاهد، وتحويلا للواقع إلي خيال. طالما تناولت وقائع التعذيب من خلال الضحية، وقلما تناولته من خلال الجلاد. الضحية مسلوبة الإرادة، عاجزة عن الحركة، طيّعة مستقبلة. في حين أن الجلاد قوي الإرادة، قادر علي الحركة، عصيّ علي العقل والكرامة. الضحية مفعول والجلاد فاعل. الضحية فان والجلاد خالد. الضحية عالم والجلاد إله. وقائع التعذيب في سجن أبوغريب أقوي من العدوان الأمريكي علي شعب العراق. فالعدوان المسلح بطريقة الغزو المباشر من أقوي دولة في العالم علي شعب من شعوب العالم الثالث ومن آخر ما صنعته آلة الحرب الأمريكية والمجمع العسكري الصناعي أقل قوة من عدوان الجندي الأمريكي علي السجين الأعزل. العدوان المسلح يكشف عن القدرة العسكرية التي لا تحتاج إلي برهان علي قوة تدميرها بصواريخها وقنابلها وطائراتها وبوارجها ومدافعها ومركباتها. إنما الذي هو أكثر دلالة علي قوة التدمير هو تعذيب السجناء أي تدمير الإنسان العراقي الأعزل من جندي فرد بلا سلاح سوي الرغبة في امتهان الكرامة. إن القذائف التي تدمر المنازل والمصانع والمستشفيات لأقل قوة من نظرة الجندي الأمريكي للأسير وهو يُعذب بيديه وتحت رحمته. قد تكون هناك مقاومة للعدوان المسلح علي شعب بالسلاح أو بالاختباء ولكن تغيب المقاومة من الجندي الأسير في أيدي الجلاد، ضعف مطلق في مواجهة قوة مطلقة. قام العدوان المباشر علي الأكاذيب وإيجاد الأعذار مثل تحرير شعب العراق من التسلط والطغيان. وانتهي إلي احتلال وطن، وإذلال شعب، وامتهان كرامة. كانت الذريعة تدمير أسلحة الدمار الشامل، وإسرائيل مثقلة بها، وكوريا تفتخر بها وتتحدي، والصين تعمل في صمت، والهند وباكستان تتنافسان فيها لتدمرا بعضهما بعضا. وروسيا تبيعها لمن يشاء من أجل الخبز. والغرب يمتلكها، وأمريكا تحتكرها. وبانت الفرية ولم يتم العثور علي شيء. ونال العراق العقاب بلا جريمة وبلا شبهة بل بكذب وفرية. ولا فرق بين حاكم العراق في قصر صدام والمواطن العراقي في سجن صدام. تغير الحاكم من قاهر إلي قاهر. وبقي السجين من قهر إلي قهر. علي الأقل كان العراق في الماضي يحتفظ بالأمن من الموت، والأمان من الفقر، واليوم العراقي لا أمن له فقد يأتيه الموت في أية لحظة، ولا أمان له من الجوع والبطالة والعري والعراء. ويعرف الجندي الأمريكي أنها حرب غير عادلة. أتي إلي العراق كي يموت وليس لكي يحرر. توابيته له ولزملائه تهبط كل يوم في المطارات الأمريكية ثم منعت صورها لعدم إثارة الرأي العام. وأحذيته الفارغة من أصحابها تعرض في صفوف مرصوصة في واشنطن أمام البيت الأبيض، تنادي علي أصحابها الراقدين تحت التراب. وهو يعلم كذب الإدارة عليه، وسيادة اليمين المحافظ عليها، وخدمتها لمشروع إسرائيل الكبري، وتحقيق حلم الإمبراطورية الأمريكية بعد نهاية عصر الاستقطاب، واستواء القطب الواحد علي عرش العالم. وهو يمين يشارك معها في الاختيار والعهد. فقد عقد الله مع بني إسرائيل عهدا وميثاقا، يعطيهم بمقتضاه الأرض والمدينة والهيكل، ويعدهم بالنصر علي الأعداء. كما أعطي التاريخ أمريكا، أرض الميعاد الجديد، ووهب الأمريكيين، شعب الله المختار الجديد، أرض أمريكا واستئصال سكانها الأصليين، وأرض العالم كله لإنشاء الإمبراطورية الجديدة، إمبراطورية السوق. إنما المهم هو ما تكشف عنه غرائب التعذيب في سجن أبي غريب، نفسية الجندي الأمريكي وشخصيته التاريخية. فبالرغم من أنه لم يفعل شيئا من دون تعليمات واضحة من رؤسائه المباشرين، وبالرغم من أن رؤساءه المباشرين لم يأمروا بتعذيب السجناء من دون أوامر مباشرة من وزارة الدفاع بل والبيت الأبيض إلا أن متعة تنفيذ الأوامر فاقت كل حد. ولم يتم تنفيذها علي استحياء وفي خجل مع تأنيب ضمير أو اعتراض كما حدث لبعض الجنود الذين رفضوا الذهاب إلي العراق أو إلي فيتنام أو العودة إليه. بل تم التفنن في آليات التنفيذ، والاستمتاع بآلام السجناء، والفرح بامتهان كرامتهم، والسرور بالقضاء علي إنسانيتهم، وبالتشفي في النيل من شرفهم، إحساسا بالغرور والتفوق، وطلبا للمجد الرخيص، تعويضا عن الهزائم بالسلاح علي أيدي المقاومة الوطنية العراقية. إذ يمكن القضاء علي فرد، صدام، ولكن لا يمكن القضاء علي شعب، شعب العراق. ويكشف تعذيب السجين العراقي عن شخصية الجندي الأمريكي ومكوناته النفسية. فالأمريكي عدمي النزعة. يرغب في التدمير من أجل التدمير. هكذا تربي منذ القضاء علي السكان الأصليين، الهنود الحمر، لاحتلال أراضيهم، ونهب ثرواتهم، بعد القضاء علي تاريخهم، وبداية تاريخ جديد للإنسانية جمعاء تبدأ بالثورة الأمريكية ولا شيء قبلها، وتنتهي بالإمبراطورية الأمريكية ولا شيء بعدها. بني حضارته علي الهدم. وأقام صرحه علي التدمير. كان شعاره في حرب فيتنام القضاء علي كل شيء يتحرك. دوره في العالم التخريب، والنخر، والحفر حتي تنهار الأبنية المغايرة من أجل التبشير بالإمبراطورية الجديدة التي تعودت علي البناء بعد التدمير، وعلي الإحلال السكاني بعد استئصال الشعوب الأصلية. لا فرق بين الإمبراطورية الأمريكية والكيان الصهيوني. هي عقلية راعي البقر مع الهنود الحمر ومع الأعداء، قيادة القطيع بعد موت الغريم والاستيلاء علي الثروات بعد موت أصحابها. وهي نفس عقلية الكيان الصهيوني مع الفلسطينيين، التخريب والدمار وتجريف الأرض والاغتيالات. فالفلسطيني الطيب هو الفلسطيني الميت. ولسان حال الأمريكي يقول: أنا وحدي هو الموجود والآخرون عدم. أنا وحدي مركز العالم والآخرون أطرافه في خدمته. هذه هي العقلية الأمريكية الصهيونية (وقالوا ليس علينا في الأميين سبيل). لا يتصور الأمريكي أن هناك عالما آخر غير أمريكي ولا حتي أوروبي، والأولي لا الأفريقي ولا الآسيوي. فأول قنبلة ذرية ألقيت في آسيا. بل إن المركزية الأوروبية التقليدية قد تحولت عبر الأطلنطي إلي مركزية أمريكية. الأولي تنتشر عبر البحار، والثانية عبر المحيطات. الأولي أنتجت الاستعمار التقليدي، والثانية تنتج الآن الاستعمار الجديد وبنفس الطريقة، العدوان المسلح لغزو الشعب في العراق وأفغانستان وكما يفعل الكيان الصهيوني في فلسطين. وبالرغم من الحركة النسائية في أمريكا ورفض اعتبار المرأة موضوعا جنسيا إلا أن المجندة الأمريكية نظرت إلي السجين العراقي كموضوع جنسي تضحك وهي تعبث بأعضائه التناسلية. وتستمتع والسجين ينتهك جنسيا بالقوة من زميل عراقي أو من مجند أمريكي. وتبلغ (الصادية) مداها عندما يتم الاستمتاع بعذاب الآخرين وآلامهم البدنية والنفسية. ضحك الأفواه ولمعات العيون عند الجلاد وأصوات الألم وذرف الدموع عند الضحية. ثم تأتي العنصرية الدينية بتعذيب العراقي المسلم من مجند مسيحي أو مجندة مسيحية. وتطفو الكراهية الدينية، ويظهر التعصب الديني من حضارة طالما اتهمت غيرها من الحضارات بالعنف والتعصب والتخلف والإرهاب. وعلي السجين أن يتبرأ من هذا الإسلام الذي سبب له الكوارث، وأدي به إلي السجن والتعذيب والإهانة وغزو الأوطان. ولا خلاص له إلا بالإيمان بالسيد المسيح القادر علي ما هو فيه من ضياع وموت. فلا يكفي إبادة الشعوب واستئصالها بل يضاف إلي ذلك إبادة العقائد والقضاء علي الثقافات حتي يتحول العالم كله إلي عالم بلا ثقافة فيستطيع أن يتعامل معه الأمريكي علي مستوي القوة المادية. لقد كشفت غرائب التعذيب في سجن أبوغريب عن المعيار المزدوج الذي تطبقه أمريكا بين الذات والآخرين. فمع الذات تطبق حقوق الإنسان ومع الآخرين تخرقها. تؤيد الكيان الاسرائيلي في العدوان باسم حق الدفاع عن النفس، وتتهم الفلسطينيين بالعدوان والإرهاب وهم الذين يدافعون عن النفس والوطن. ومتي يصحو الضمير الغربي بوجه عام والأمريكي بوجه خاص علي نسق من القيم لا يعرف الحدود الجغرافية للأوطان أو الفوارق البحرية للقارات أو المحددات الثقافية للحضارات؟ لقد تعود رواد النهضة العربية الأوائل مثل الطهطاوي في (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) علي أن يروا العرب في مرآة الغرب. وقد كشفت (غرائب التعذيب في سجن أبي غريب) عن صورة الغرب في مرآة العرب. فمن يعكس صورة من عند رواد النهضة العربية الثانية؟ AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1831 --- Date 9/6/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1831 --- التاريخ 2004 - 6 - 9 AZP07 HSHN |