آراء ومقـــــالات - د. حسن حنفي - مفكر من مصر
- من القمــة إلي القاعــدة
- النظام العربي يعيش تحت ضغوط مطرقة الخارج وسندان الداخل

وبعد طلق كاذب في تونس الشهر الماضي بتأجيل مؤتمر القمة، وبعد ولادة عسيرة هذا الشهر عُقد مؤتمر القمة العربي السادس عشر، والقلوب في الحناجر خشية التفرق والتشتت والتشرذم وانفراط عقد الجامعة العربية بعد ما يناهز الستين عاما من تأسيسها، وشهادة التحولات الكبري في التاريخ العربي منذ النكبة الأولي في 1948 حتي الثورات العربية التي توالت بعدها، وحركات التحرر الوطني التي اشتد أزرها في الخمسينيات والستينيات حتي النكبة الثانية في 1967 والحلم العربي في أزهي لحظاته.
ثم التحول الرئيس بعد حرب تشرين الاول (أكتوبر) 1973 باتفاقيتي كامب ديفيد ومعاهدة السلام في 1978 ــ 1979، ثم الثورة الإسلامية في إيران كرد فعل علي انقلاب الثورة العربية من داخلها وبنفس الرجال إلي ثورة مضادة، ثم الانتفاضة الأولي، انتفاضة الحجارة في 1987 والانتفاضة الثانية، انتفاضة الأقصي في 2000، وتخللها حرب الخليج الأولي ثم الثانية، ثم أتي العدوان الأمريكي علي أفغانستان والعراق ثم احتلال كل فلسطين ليصبح المصير العربي كله في مهب الريح. والعرب يفاوضون علي قضيتهم الرئيسة، فلسطين، في أضعف لحظاتهم، ثم تصفي القضية باسم الصفقة.
بدأت اجتماعات مؤتمرات القمة في أوائل الستينيات باقتراح من الزعيم جمال عبد الناصر لدعوة القادة العرب للوقوف جبهة واحدة ضد تحويل روافد مياه نهر الأردن. وكانت حركة التحرر العربي في أوجها. وكانت قضية فلسطين هي القضية المحورية منذ القمة الأولي حتي الأخيرة هذا الأسبوع. كانت اجتماع قادة. وكان القادة يعيشون حركة التحرر العربي بطريقة أو بأخري. وكانت القومية العربية هي الإطار المرجعي الذي يحتكم إليه الجميع وهي في صراعها ضد الاستعمار والصهيونية وبصرف النظر عن الخلاف الداخلي حول الاشتراكية العربية والنظم الجمهورية. وكان من إنجازاتها الاعتراف بمنظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في قمة الدار البيضاء. ثم انقطعت القمم بعد كامب ديفيد واتفاقيات السلام، ثم عادت من جديد بعد أن شعر العرب أنه آن الأوان لمبادرة عربية، الأرض في مقابل السلام وقبول حل عادل للقضية الفلسطينية.
وفي اجتماع القمة الأخير تغير الحال. تضاربت الأطر المرجعية. فلم تعد القومية العربية إطارا مرجعيا موحدا كما كان الحال في الماضي. وتغلبت القطرية الصريحة: مصر أولا، الأردن أولا، الكويت أولا. وتنوعت الولاءات، وتضاربت الإرادات، وغابت الإرادة العربية الواحدة. فالبعض لا يريد للقمة أن تنعقد أصلا. فلم يعد للعرب ما يجمعهم في عصر العولمة. وكل قطر عربي هو جزء من العولمة الكبري يذوب فيها متصورا أنه يحصل علي منافع منها، وبأن الصغار أصبحوا مثل الكبار، وأن بعض الأقطار العربية مدعوة علي انفراد باللحاق بمجموعة الثمانية. وأين العرب في العراق بعد أن تحالف البعض منهم مع قوات التحالف محاربا في صفها في حرب الخليج الثانية؟ وأين العرب أثناء العدوان الأمريكي الثاني عليه، وبعد انطلاق قوات التحالف من بعض الأقطار العربية، ووجود القيادة المركزية في إحداها؟ وأين العرب والمقاومة الفلسطينية تذبح كل يوم منذ انتفاضة الحجارة الأولي في 1987 حتي انتفاضة السلاح الثانية في 2000؟ الملايين في الشوارع في عواصم الدول الأوروبية ومئات الألوف في عاصمة الكيان الصهيوني تتحرك ضد العدوان الأمريكي علي العراق والاحتلال الصهيوني لفلسطين إلا الشوارع العربية في العواصم العربية باستثناء بضعة ألوف هنا وهناك تحيط بهم عشرات الألوف من الشرطة وقوات الأمن.

المحاور الثنائية أو الثلاثية
وغاب بعض القادة العرب إيثارا للسلامة. فالعرب جرب كما هو الحال في بعض الأمثال العامية. وما استوطن العرب في أرض إلا أسرع إليها الخراب كما وصف ابن خلدون من قبل. وإن حضروا فبالتمثيل الأدني وليس بالرؤساء والقادة. وإن حضر القادة تبدأ المحاور الثنائية أو الثلاثية أو تتكون الجبهات في المشرق أو المغرب من أجل وراثة مصر. فقد آن الأوان أن ينزاح الدور المصري القديم. فلم يعد العرب في حاجة إلي نضال وطني أو قومية عربية أو زعامة شقيقة كبري. فالغرب مركز جديد للأطراف العربية، كل طرف علي حدة. والعولمة مطروحة للجميع، لكل قطر عربي علي حدة، خاصة الأغنياء منهم. فما يجمع بين العرب والغرب والولايات المتحدة الأمريكية أكثر مما يجمع بين العرب والعرب. كان الزمان الماضي زمان الشرق والغرب والذي لعبت فيه مصر والعرب دور التوازن، والحياد الإيجابي، وعدم الانحياز. والآن هذا هو زمان الغرب وحده، وعلي العرب متفرقين أن يكونوا أطرافاً تابعة فيه. فهو نموذج الحداثة الأوحد. يحتاج إلي نفط العرب وأسواقهم وعمالتهم. كما يحتاج إليه العرب فيما يظنون أنه التحديث والتكنولوجيا واستثمار رأس المال والخروج من خيمة العرب إلي الفضاء الفسيح.
واتضح من مؤتمر القمة العربي الأخير أن المخاطَب لم يكن الشعب العربي بل الصديق الأمريكي. فهو الذي أوعز بالتأجيل الشهر الماضي من دون سابق إنذار. وهو الذي فرض جدول أعماله المفروض علينا من الخارج: الإصلاح، المجتمع المدني، حقوق الأقليات، حقوق الإنسان، حقوق المرأة، حقوق الشيخ، حقوق الطفل، حقوق البيئة، كل الحقوق إلا حقوق الشعوب، حق تقرير المصير، وحق المقاومة للشعب المحتل، وحق الفقراء في ثروات الأغنياء، وحق الشعوب المستعمَرة في ثروات الشعوب المستعمِرة، وحق إعادة كتاب التاريخ بما يحقق أكبر قدر ممكن من احترام ثقافات الشعوب وحضاراتها، وحق الدفاع عن الهوية ضد الاغتراب في الآخر، وحق الطرف في أن يكون مركزا في عالم متعدد الأطراف، وحق الشعوب في الوحدة والتجمعات الإقليمية التي تحميها من الذوبان في المركز الأوحد، وحق الشعوب في التعبير الحر عن نفسها بالقول والفعل، بالبيان والمظاهرة، وحقها في المطالبة بالمعيار الوحيد الذي يطبقه الغرب علي الجميع وليس المعيار المزدوج مرة داخل الغرب، ونقيضه خارجه.

خلاف حول الألفاظ،
وعلي السطح ومن دون كشف الأعماق، الولاء لمن؟ كانت المبادرات في الصياغات والعبارات والمصطلحات والألفاظ. وتحولت القضية من الدماء التي تسيل في العراق وفلسطين إلي خلاف حول الألفاظ، قوات التحالف أم قوات العدوان؟ الوجود الأمريكي أم الاحتلال الأمريكي؟ الإصلاح أم التحديث؟ وتكررت البيانات من دون وضع آليات للتنفيذ لأي منها حتي سئم العرب التكرار، والمواقف المعروفة مسبقا والتي لا تحتاج إلي عقد مؤتمرات قمة، ومن دون التحول من النظر إلي العمل، ومن القول إلي الفعل، بالرغم من حث القرآن علي الفعل (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)، والدعوة إلي العمل (وقل اعملوا(، والاقتداء بالأنبياء العاملين (يا قوم اعملوا علي مكانتكم إني عامل).
إن النظام العربي القطري والإقليمي في حاجة إلي إصلاح. فالنظام العربي القطري محاصر بين المطرقة والسندان، بين مطرقة الخارج والتبعية له، وسندان الداخل وضغط الشعوب عليه. وكلما ازداد الضغط في الداخل ازدادت التبعية للخارج. لقد طال في الحكم أكثر مما ينبغي بالرغم من التغيرات الجذرية التي طرأت علي الوطن العربي منذ أوائل الخمسينيات حتي نهاية الستينيات، ومن السبعينيات حتي التسعينيات. وتداول السلطة غير وارد في ذهن الحاكم العربي كما فعل سوار الذهب في السودان في 1986 وكما فعل محمد محاضر في ماليزيا في العام الماضي. فهو لا يترك الحكم إلا بالموت أو الانقلاب. والأفضل للحاكم العربي التحالف مع الشعب حتي يستقر النظام.
والنظام العربي الإقليمي الممثل في الجامعة العربية في حاجة أيضا إلي إصلاح. ليس شكليا، تغيير بلد الأمين العام بل جذريا من حيث آليات التنفيذ من دون المساس بالثوابت العربية: القومية العربية، والوحدة العربية، والأمن القومي العربي، والسوق العربية المشتركة، والمنظمات العربية. فمازالت الجامعة العربية بيت العرب بالرغم من رغبة البعض انفراط العقد، وتوجه كل قطر نحو قبلة أخري يرضاها، ظانا أنها تحقق مصالحه، ومن دون أن يعلم أنه بذلك يخرج عن مسار التاريخ العربي الحديث.
وطالما نادي المثقفون الوطنيون العرب بتحويل جامعة الدول العربية إلي جامعة الشعوب العربية كما تمثلها مؤسسات المجتمع المدني العربي، وقواها السياسية، وحركاتها الشعبية. فالشعب العربي مازال نابضا بالحياة، حريصا علي مصيره، وقابضا علي مساره المستقل في التاريخ، وقادرا علي الدفاع عن مصالحه ووحدته وأهدافه القومية. وهذا يتطلب عقد مؤتمرات القاعدة وليس مؤتمرات القمة. فالقاعدة هي حامل القمة. والقمة محمولة علي القاعدة. وقد توجد قاعدة بلا قمة، ولكن لا توجد قمة بلا قاعدة.
ما يحتاجه العرب من حاكم عربي حالي أو قادم هو هزة رمح من عنترة والانطلاق علي صهوة جواد عربي أو صيحة المهلهل (اليوم خمر وغدا أمر). ما يتوق إليه العرب هو ضربة سيف من خالد أو رفع قامة من ناصر (ارفع رأسك يا أخي فقد مضي عهد الاستعمار)، ضد التبعية للخارج، والقهر للداخل، أو شجاعة أحمس طارد الهكسوس، وعربة رمسيس. يرنو العرب إلي يقظة إخناتون، وهبوط الوحي علي محمد. إذ لا يفلح العرب كما لاحظ ابن خلدون إلا بصبغة عصبية أو ولاية وكما هو الحال في الشعار القومي العربي الحديث: (العرب أمة واحدة ذات رسالة خالدة).
ما يحتاجه العرب هو انتفاضة الشعب العربي مساندة للانتفاضة في فلسطين والعراق ضد حالات الكبت والإحباط واليأس، والإحساس بالمهانة والنيل من الكرامة والغضب المكبوت. فالشعوب في النهاية هي التي تحدد مسار التاريخ حتي إن كان الزعيم هو الذي يجسد روح التاريخ.
قد تندلع انتفاضة وطنية في كل قطر عربي دفاعا عن الأوطان مثل المقاومة في فلسطين والعراق أو المظاهرات داخل كل قطر للمطالبة بالحرية والدستور. فالحنين إلي الأوطان جزء من الحنين إلي الأصل والعودة إلي الأرحام، وكما تعلم جيلنا (حب الوطن من الإيمان)، وكما ذرف الرسول دمعة حزن علي مكة وهو يغادرها ودمعة فرح وهو عائد إليها.

تجسيد القومية
قد تندلع انتفاضة قومية ضد إذلال العرب، واحتلال أوطانهم، والنيل من كرامتهم، والطعن في شرفهم. فمازال العربي يحن إلي ماضيه القريب، الناصرية كتجسيد للقومية. ومازالت صور عبد الناصر ترفع في فلسطين كلما هُدمت المنازل وجُرفت الأراضي والمشردون يصيحون (واناصراه). مازال العرب يحنون إلي (أمجاد يا عرب أمجاد) و(من المحيط الهادر إلي الخليج الثائر) و(الأرض بتتكلم عربي)، وذكري حرب أكتوبر، وحظر النفط علي أعداء العرب مازالت حية، من عبق جيل مضي، يثير الخيال.
قد تندلع انتفاضة إسلامية. فجهاد وحماس يحملان العبء الأكبر في المقاومة في فلسطين. وقد خرجت حركات التحرر الوطني منذ القرن الماضي من عباءة الإصلاح الديني عند الأفغاني وعلال الفاسي وعبد الحميد بن باديس، والبشير الإبراهيمي، ومن السنوسية والمهدية وفدائيي إسلام وجماعة الإخوان.
إن العرب الآن علي مفترق الطرق. ينهون مرحلة ويبدأون أخري. فلا القديم انتهي كلية ولا الجديد اكتمل في الظهور. لقد تم تخصيب الأم العربية الثكلي من جديد. تشعر بآلام المخاض. والوليد قادم، ذكر أم أنثي، عمار أم سمية، صحيح أو مشوه، ولادة طبيعية أم بعملية قيصرية، في تسعة أشهر أم في تسع سنين؟ (ويقولون متي قل عسي أن يكون قريبا).

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1820 --- Date 27/5/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1820 --- التاريخ 2004 - 5 - 27

AZP07
HSHN