|
|
قمة..ولكن ثقافية - نبيل سليمان في الثاني والعشرين من آيار (مايو) 2014 م. التأمت القمة الثقافية العربية الأولي في بيت المرحوم فيصل الحسيني في القدس، ذلك أن القدس نفسها، وليس غزة ولا رام الله ولا الجولان ولا مزارع شبعا فقط، كانت قد تحررت قبل يوم أو سنة أو أكثر. وترأس القمة العتيدة عمرو موسي نفسه، ذلك أنه كان قد أطيح به من أمانة الجامعة العربية كما أطيح بالجامعة نفسها في أعقاب الثاني والعشرين من أيار (مايو) 2004، ولم يسمح له بأن يخوض من بعد غمار السياسة المصرية أو الدولية. وبصفته مثقفاً لم يبق له إلا الثقافة وأهلوها الميامين. إلا أن النبيل المسكين تجرع من أجل القمة الثقافية الأولي والأخيرة مثل السمّ الذي تجرعه من أجل القمة السياسية الأخيرة عام 2004. فقد نافسه علي رئاسة القمة شعبولا وكاتب روايات صدام حسين الذي بات نجم المؤتمرات والجوائز والترجمات، ومع هذين المثقفين الألمعييّن كثيرون وكثيرات تسببوا في تأجيل مؤتمر القمة الثقافية العربية الأولي من الثاني وعشرين من آذار (مارس) 2024 إلي ما قبل ذلك ــ وليس ما بعده ــ عشر سنوات، ليكون أخيراً وليس آخراً بوسع القارئ العربي والأرمني والكردي والآشوري والعبري والتركماني و... أن يشنّف أذنيه ويمتّع باصريه بما تبثّ الفضائيات من بيت فيصل الحسيني الذي تبيّن حقاً أنه مات فقعاً في الكويت مرة وفي القدس مرة. والبث الحيّ إياه جلا في رئاسة كل وفد عربي ثلاثة أو أربعة أو أكثر من مثقفي كل أمة عربية، إذ ما من أحد بات يتحدث إلا عن الأمة العراقية أو الأمة السورية أو الأمة الفرعونية أو الأمة القطرية أو الأمة الفسيفسائية. ولأن الديمقراطية النابعة من الداخل والديمقراطية الأمريكية النابعة من داخل الداخل كانت قد أتت أكلها، علي العكس من أية ديمقراطية نابعة من الخارج، لهذا السبب ـ تعدد رؤساء كل وفد ثقافي، فتمثلت الأجيال والاتجاهات والانتماءات كافة، فكان من الطبيعي جداً ــ وليس من العجيب أو الغريب أو الخارق ــ أن كراسي أعضاء الوفود بدت أقل ازدحاماً من كراسي رؤسائها. لقد زاحمتُ ما استطعت طوال سنيّ الإعداد لقمة الأمل، وناورتُ وصادقت وعاديت ورشوت وارتشيت وسافرت وكتبت وتآمرت وتوسّطت وبنيت علاقات غرامية و.. وذلك لكي يكون لي موقع في رئاسة أي وفد، حيث لا فرق بين وفد وأمته ووفد وأمته إلا بالتقوي الإصلاحية والتحديثية والتطويرية والتجديدية والحضارية، أي بالتقوي الديكتاتورية والعولمية والأميركية، لكني خبتُ وندمتُ ندامة الكسعيّ لما/ غدت مني مطلقة نوارُ، إذ لم أستطع حتي أن أندسّ في صفوف أي وفد، ولذلك انحشرت مع أمثالي علي رصيف القاعة البيضوية المدججة بالحراس من الميليشيات الثقافية وبمندوبي الميديا الكونية، ورحنا نتمايل مثل شاكيرا ونترنّح علي أنغام المقام العراقي والجاز الأمريكي والشاعر النبطي الذي كان يفقّع المؤتمر بمداخلته، كما أسكرتنا مداخلة حازم صاغية في الرداءة الثقافية العربية ومداخلة عماد فوزي شعيبي السوري الوحيد الذي كانت تتلقفه الفضائيات العربية حتي مؤتمر القمة العربية الأخير عام 2004 كلما طنّت في الشام ذبابة. وهكذا يا سادة يا كرام ظل حالنا كحال المتلقّي ـ حيث اختفت فجأة كلمة القارئ وامّحت الأمية ـ إلي أن اندفع من فم القاعة البيضوية الأخ الرئيس معمر القذافي أو ابنه سيف افريقيا ـ وهو غير سيف الإسلام وغير سيف الناصرية من أبناء القذافي الميامين ـ ليعلن مقاطعته المؤتمر بصفته قاصّاً وروائياً كتب علي الأقل (الأرض الأرض القرية القرية..) ومفكراً تنادي لدرس إبداعاته كبار المثقفين المؤتمرين وغير المؤتمرين ممن لا أزال أجبن عن أن أسميهم خوف ألاّ يدعوني أحدهم إلي مؤتمر أو أن يفصلني أحدهم من اتحاد للكتاب ــ طبعاً ــ أو أن لا ينشر أحدهم لي مقالة وإذا نشرها أن يخفّض مكافأتي من مئة دولار إلي خمسة وعشرين ــ مثلاً ـ أو أن يؤخر دفعها أو أن يلطشها. وهذه القضايا المصيرية كلها كنت عازماً أشد العزم مع أمثالي علي أن أطرحها علي أرض المؤتمر، كما كنت وأمثالي عازمين علي أن نطرح علي أرض المؤتمر وثائق مؤتمرات وزراء الثقافة العرب والخطة الشاملة للثقافة العربية التي وضع لها البشير بن سلامة تصوراً تنفيذياً من أربعين صفحة، وما فتئ يذكّر بها، كما يذكّر بدعوته إلي برلمان للمثقفين العرب، ساهياً عن أنّ كلمة المثقف باتت شبهة مثل كلمة العربي طوال هذا الزمن المترجرج بين القمة العربية الأخيرة والقمة الثقافية الأولي. ومن عجبٍ ــ علي الرغم من أنه لم يبق للعجب موضع ــ إن القمة الثقافية الأولي قد جرفتها جرافة إسرائيلية وجرافة أمريكية وجرّافة أصولية ــ إسلامية أو مسيحية أو يهودية أو.. ــ وجرّافة الحداثة وجرافة ما بعد الحداثة وجرافة الإصلاح الاقتصادي وجرافة الإصلاح السياسي وجرافة الأمية وجرّافة حقوق المرأة والطفل وجرافة حقوق الإنسان و.. ورمت الجرافات بما جرفت في مزبلة التاريخ التي بلا قرار، كما سبق بها أن رمت القمة العربية الأخيرة في المزبلة نفسها. هل انعقدت القمة حقاً؟ متي إذن؟ وأين؟ أعني قمة 2004 أو قمة 2014، فوالله والله، وراس الحسين، وسيدنا المسيح، وحياة سيدنا موسي، وحياة بوش والقذافي والزرقاوي ومن والاهم ومن عاداهم: لقد هزلتْ. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1820 --- Date 27/5/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1820 --- التاريخ 2004 - 5 - 27 AZP09 NBSL |