المجاز القاتل - نبيل سليمان
يملأ صديق عراقي قديم شاشة (الحرة)، وأري وسامته قد ازدادت وسامةً وأعجز عن وصل ما انقطع من أخباره منذ كانت تجمعنا دمشق قبل عشرين سنة، وربما أكثر.
بالطبع، كان الرجل يسارياً ومناضلاً وضحية من ضحايا صدام حسين. وقد يكون صار عولمياً أو ليبرالياً، وقد يكون لا يزال يسارياً وعراقياً وإن حمل الجنسية الأمريكية وقبلها البريطانية. وتحت وطأة صور الوحشية الأمريكية في تعذيب (نزلاء) سجن أبو غريب، أصغيت للرجل يدين الجريمة، فوددت لو أمكنني أن أساله عن اسمها الكامل: جريمة أمريكية أم جريمة وكفي؟ ثم وددت أن أساله عن الاسم الصحيح للضحايا: سجناء أم أسري أم معتقلون أم نزلاء؟ ثم وددت أن أسأله عن تركيزه علي أن المجرمين والمجرمات حفنة من الجنود ـ لم يذكر الجنرالة ــ لكأنه الرئيس بوش أو الناطق باسم الرئيس بوش أو إعلامي أمريكي عتيد، ما همّه من الجريمة إلا أنها تتعارض مع (مناقبية العسكرية الأمريكية).
كان صديقي إياه أكبر حرصاً من الميديا والإدارة الأمريكيتين علي أن يذكّر بين جملة وجملة بجرائم صدام حسين. فلكي نكون موضوعيّين علينا ألا ننسي الجرائم السالفة الهائلة التي تبدو إزاءها الجريمة الجديدة هينة أو عابرة. وهذه اللغة السياسية القديمة الجديدة التي تزداد غلوّاً باتت تفلقني . فلكي يجوز لك أن تتحدث عن الوحشية الأمريكية في الفلوجة عليك أن تدحش بين الكلمة والكلمة وحشية الديكتاتور. وإذا ضبطك عتلٌّ زنيم من أصحاب تلك اللغة، وقد اكتفيت بكلمة الديكتاتور، انتفض مشككاً لأنك لم تسمّ صدام حسين، تماماً مثلك عندما تدين اغتيال عبد العزيز الرنتيسي أو أحمد ياسين، فيكون عليك أن تدين قتل المدنيين الاسرائيليين المساكين، وإلاّ كنت أصولياً أو ديماغوجياً أو قومجياً أو (دقة قديمة) من اليسار والعروبة، يا سيدي: ومن الإنسانية!
وهكذا أيضاً وأيضاً: إذا ناديت بالإصلاح في هذه الأيام، فعليك أن تلعن مشروع الشرق الأوسط الكبير، إذ لا يكفي أنك لعنته أمس وأول أمس. وإذا انتقدت صوتاً انفصالياً كردياً في العراق أو سورية أو في المريخ، فعليك أن تبدأ أو تختم بلعن الشوفينية والاستئصال والاضطهاد، إذ لا يكفي أنك لعنت كل تلك العنوانات ومرادفاتها واشتقاقاتها أمس وأول أمس.
وإن لم تفعل فالويل لك من المسكوت عنه مهما يكن بديهياً ومكروراً. أما إذا تحدثت عن إرهاب الدولة الديكتاتورية، فالويل لك إن لم تبدأ وتختم بإرهاب دولة اسرائيل. وإذا تحدثت عن إرهاب الدولة الذي تمارسه الولايات المتحدة سواء بالقفازات الطبية أم بسادية السجّان أم بالقنابل والرصاص، فالويل لك إن لم تبدأ وتختم بإدانة الأصولية الإسلامية أو القومية أو الوطنية أو العربية، وإياك أن تذكر الأصولية اليهودية أو المسيحية، بل الماركسية.
من أصحاب هذه اللغة السياسية الإعلامية القديمة الجديدة التي تزداد غلوّاً، من هو من الكتاب والمفكرين والمثقفين والساسة المستخدمين المرعوبين من ماضيهم أياً كان، والمرعوبين من المستقبل، والمراهنين علي الراهن الأمريكي، والمتدرعين بالحداثة وما بعد الحداثة أو بالسلف الصالح وغير الصالح. ولهؤلاء جميعاً، وللجنرالة الأمريكية التي تَحَيْونَ جنودها في سجن أبو غريب وتوحشنوا، ولوريثها الجنرال القادم من غوانتانامو، ولمسؤولية تحسين صورة أمريكا التي استقالت للتو، أستعيد من قصيدة الشاعر المصري أسامة الغزولي (الإرهابي): (أردّ الكولا/ وأغنّي لشراب الخروب/ فتطلق عليّ الرصاص/ نار مدافعك/ مقابل نار أغنيتي/ تطلق عليّ الرصاص/ فأطلق عليك الرصاص/ هذه حدود أخوتنا/ أن تطبع راحتك في دمي/ أن أغمس في دمك إصبعي/ لا خوف ولا خجل/ صغيراتي لا يخفن منك/ ولا يخجلن مني/ صغيراتي يهدهدن صغارهنَّ/ علي إيقاع إعلان متقن/ كأنه عذارة مملوكية/ تحفظها قطيفة/ وزيوت سرية/ في رعاية خصيّ مخلّد/ أصوب عذارتي المجازية/ إلي إعلاناتك المسلحة/ المجاز القاتل يخترق دمك/ إعلاناتك الجرارة توغل في دمي/ وتتسع أخوتنا).
لقد حفظت من هذه القصيدة ما حفظت منذ قرأتها عام 1994 . وها انذا أرمي بها الإرهابي الذي يقتل بلا مجاز في البصرة أو الشام أو الرياض أو نيويورك، وأركّز الرمي علي الإرهابي الذي يقتل بالمجاز اللغوي أو التلفزيوني أو الليزري، وبخاصة هذا المجاز الذي يكمن خلف الديمقراطية وحقوق الإنسان والإصلاح والحداثة.
أما أنت أيها الصديق العراقي القديم، فهل يمكن أن تحدثني في اللقاء التلفزيوني القادم عن المجاز القاتل؟

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1801 --- Date 5/5/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1801 --- التاريخ 2004 - 5 - 5

AZP09
NBSL