|
|
مقالات سياسية - حسن حنفي - مفكر من مصر - كيف تعود الملكيات؟ - دورة التاريخ بين خياري التقدم الي الأمام والتراجع الي الخلف بدأت الملكيات القديمة التي انهارت بفعل الزمن وتطور التاريخ تشرئب بأعناقها من جديد وكأن التاريخ يعود إلي الوراء، ويبدأ من المربع الأول، من نقطة الصفر، وكأن ما تلا الملكيات من نظم جمهورية واشتراكية وقومية لم تكن بفعل قوانين التاريخ وتطور الزمن. وهل كان النضال ضد الملكيات المطلقة وتعاون معظمها مع القوي الاستعمارية عبثا وطنيا وحركة ضد مسار التاريخ؟ لطالما كان النضال الوطني ضد القصر والإنكليز في تاريخ مصر الحديث، قوة الاستبداد في الداخل وقوي الاستعمار في الخارج. لا يعود التاريخ إلي الوراء. ولا هو دائرة تعود كما بدأت في عود أبدي يبدأ من الصفر من دون تراكم تاريخي يدفعه دائما إلي الأمام. وتجارب بعض الدول في عودة الملكية بعد الجمهورية ضئيلة للغاية، فقد عادت الملكية إلي فرنسا بعد هزيمة نابليون، روح الثورة الفرنسية في واترلو، وصعود نابليون الثالث، ملكا علي فرنسا، وعودتها إلي حدودها الطبيعية. وعادت الملكية إلي اسبانيا بعد الحرب الأهلية ونجاح الفاشيين في الشمال في كسب الحرب ضد الجمهوريين في الجنوب. وعادت الملكية إلي انكلترا بعد ثورة كرومويل، فالملكية روحها، علي الرغم من أنها روح ميتة لا تفعل ولا تقرر، مجرد رمز، والسلطة في أيدي رئيس الوزراء المنتخب. بل لقد حول أحد الأمراء العرب الإمارة إلي ملكية دستورية ترد الاعتبار للمعارضة ولمجلس أمة منتخب. فما أساءت إليه الإمارة أحسنت إليه الملكية. فالملكية هي نهاية المطاف وليست الجمهورية علي الرغم من أن هيجل جعلها نهاية الجدل، من الملكية إلي الغوغائية إلي الجمهورية. وهو مسار نظم الحكم في الوطن العربي في مصر وتونس وليبيا وسوريا والعراق واليمن. العودة إلي الملكيات والآن تظهر دعوات العودة إلي الملكيات بالنسبة لدول البلقان التي مزقتها الحروب الأهلية بعد غياب الشخصيات الزعامية التي استطاعت الحفاظ علي وحدة الأوطان بالرغم من تنوعها العرقي والثقافي مثل تيتو، وبعد سقوط الأيديولوجيات مثل الماركسية التي استطاعت توحيد الفلاحين والعمال والطبقات العاملة كمقدمة للحفاظ علي وحدة الدول. وهو أحد الافتراضات السارية في أفغانستان بعد الانقلاب علي الملك داود من الاشتراكيين ثم انقلاب الاشتراكيين علي بعضهم البعض، ثم انقلاب الإسلاميين بمساعدة الولايات المتحدة علي الشيوعيين فظهر حكم الطالبان، ثم انقلاب الولايات المتحدة علي الطالبان بدعوي إيواء تنظيم القاعدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001. وهي نفس الدعوة التي تظهر في أجهزة الإعلام الغربية بالنسبة إلي العراق الآن. فقد حكم العراق طاغية قضت عليه قوات العدوان الأمريكي البريطاني، ثم تحولت إلي طاغية بديل. تعتقل وتدمر وتحاصر. وخسر الشعب العراقي حريته مرتين، مرة بيد الحاكم من الداخل، ومرة أخري بيد الحاكم من الخارج. المرة الأولي قهر يحافظ علي وحدة العراق أرضا وشعبا، والمرة الثانية قهر يقضي علي وحدة العراق شعبا وأرضا ويمهد للتقسيم بيده مباشرة أو باشعال حرب أهلية يتمناها بيد العراقي حتي يثبت للعالم أن وجوده بالعراق كان ضروريا وأن الإسراع بالرحيل أدّي إلي تقسيم العراق. فعودة الملكية إلي العراق خير حافظ له. فهي ملكية مستنيرة في الداخل، ومعتمدة علي الغرب في الخارج، وليبرالية في الاقتصاد والسياسة علي حد سواء. وفي مصر أيضا ينتظر ابن الملك القديم لإنقاذ مصر من وطأة ثورة تموز (يوليو) 1952 بجمهورياتها الثلاث، الأولي التي اختارت الاشتراكية والقومية طريقا لها، والثانية التي انقلبت إلي الرأسمالية والقطرية، والثالثة التي استمرت في سياسات الثانية مع قلة في المناورة وزيادة في رقعة الفساد، ومزيد من التبعية للخارج، وقبولا لتهميش مصر في فلسطين والعراق. وهي الدعوة نفسها التي تظهر لإيران. فإيران أيام الشاه كانت أفضل بكثير من بعد الثورة. كانت تنعم بالأمان أولا ثم تحولت بعد الثورة إلي قهر علني باسم التسلط الديني وولاية الفقيه عند المحافظين لأن إيران الثورة وإيران الجمهورية في عهد الإصلاحيين لم تقدم شيئا، ولم تحول الشعارات إلي أفعال. الفقر والبطالة وسوء توزيع الدخل، كلها باقية قبل الثورة وبعدها. وأبناء الشاه جاهزون للعودة حتي لو كان ذلك علي أسنة الرماح. الثورات والملكيات والسبب في ذلك أن البديل عن الملكيات الصريحة قبل الثورات كان ملكيات مقنعة بعدها. إنما الخلاف في العائلة الحاكمة، الموروثة قبل الثورة جيلا وراء جيل أو المكتسبة بقوة السلاح بعد الثورة رئيسا وراء رئيس. فقد حكم بعد الثورة الضباط الأحرار الذين لا يختلفون عن طبقة الأمراء قبل الثورة في شيء في احتكار السلطة، والمكاسب الشخصية، وتكوين طبقة خاصة. لا فرق بين العائلة المالكة قبل الثورة والجيش بعد الثورة. فالسلطة داخل السلطة المالكة، الأخ أو الابن، والسلطة داخل الجيش من ضابط إلي ضابط، من رئيس إلي نائب رئيس أو من رئيس إلي وزير دفاع. وكلاهما طويل العمر. يحكم منذ البداية حتي النهاية، رئيس إلي الأبد، مدي الحياة، لا يتقيد بفترة أو فترتين رئاسيتين. وهو بالضرورة من الحزب الحاكم الذي يجري الانتخابات وليس من أحزاب المعارضة المشروعة أو غير المشروعة. فمهما تداولت السلطة في الظاهر من هذا إلي ذاك فالحزب الحاكم واحد علي مدي نصف قرن، حزب الثورة. وإن مات الرئيس، رئيس الجمهورية، يعيش الرئيس، ابن الرئيس الأول تماما مثل النظام الملكي السابق، مات الملك عاش الملك. والملك في حاجة إلي ذرية من الذكور لأنه (لعن الله قوما ولّوا أمرهم امرأة). بل ويتغير الدستور الجمهوري حتي يتم تفصيله طبقا لمواصفة الوريث الجديد وبالإجماع من دون معارضة أحد. ويحكم الأموات مع الأحياء بالصور في الميادين العامة وعلي نواصي الطرقات وعلي واجهات المنازل. الأب يحكم من السماء والابن يحكم من الأرض حتي إذا خرج أحد علي نظام الأرض فلن يستطيع أحد الخروج علي نظام السماء. تجارب فاشلة وقد يكون السبب في ذلك فشل تجارب التحديث بعد الثورة وضياع الاستقلال الذي حققته في النضال الوطني قبل الثورة والاستقلال السياسي بعدها. فقد زاد قهر الدولة في الداخل وهي التي أتت باسم حركة التحرر الوطني، ورئيسها هو زعيم جبهة التحرير الوطني. آثر أن يحكم بمفرده وتصفية خصومه السياسيين حتي يتفرد بالزعامة والسلطة إلي الأبد. ينعم بمآثر الاستقلال والوحدة. بدلا من خندق المجاهدين يعيش في قصر الملوك السابقين. وتكثر النياشين علي الصدر، وتتكاثر الألقاب. وإذا تحداه تيار أو زعيم آخر فهي مؤامرة لقلب نظام الحكم بالتعاون مع أعداء الأمة والاستعمار القديم المترصد بالثورة والدولة الوطنية المستقلة. اشتد القهر في الداخل وازدادت التبعية للخارج للحصول علي أحلاف جديدة ويصبح عدو الأمس، الاستعمار، حليف اليوم في التحديث والاستثمار والتنمية والتخطيط والمساعدات الأجنبية. ونظرا لغياب الرقابة الشعبية ينتشر الفساد ويثري الحاكم، وتــُهرب الأموال إلي الخارج أمانا من غدر الزمان. ويحكم باسم الطبقة بديلا عن المؤسسات الشعبية. وتثري الطبقة وتجمع بين السلطة والثروة. ويتحول الحكم من حكم ما بعد الثورة إلي حكم رجال الأعمال. يتقاسمون الثروة بعد التلاعب بالأسعار، الحديد والاسمنت والعملات الأجنبية، باسم الخصخصة، وتشجيع رأس المال الوطني، وجلب رأس المال الأجنبي، وحرية الاستيراد والتصدير، والمنافسة والربح عملا بقوانين السوق. ويتم التهرب من الضرائب، وتحويل رؤوس الأموال الوطنية عبر فروع البنوك الأجنبية إلي الخارج، وتؤخذ الأموال من البنوك بلا ضمانات. وتتضخم ملفات الرشوة والفساد. ويفقد الشعب المجاهد قبل الدولة الوطنية ثقته في الحكام. ويصعب علي الأغلبية الانخراط في الحركات السرية أو المغادرة للهجرة أو ينضم إلي أحزاب المعارضة التي تعارض بعقلية السلطة البديلة فيصاب بالفتور واللامبالاة. ويدير ظهره للدولة حاكما ومحكوما، وينتظر قضاء الله، والله مع الصابرين، حتي يأتي يوم الفرج. وبالإضافة إلي عيوب الدولة الوطنية هناك مآثر الملكية والتي يتحسر الجميع علي ضياعها. ويحن البعض إلي نظم الحكم قبل الثورات الأخيرة. فالملك المستنير خير من المستبد العادل، والملكية الدستورية خير من الجمهورية الرئاسية. ازدهار الحرية في الملكية ازدهرت الحرية، حرية الفرد، وحرية الصحافة، وحرية الانتخابات، وحرية الترشيح والتمثيل في البرلمان. والوزارة المسؤولة أمامه. والتعددية الحزبية وحرية الاختيار مكفولة للجميع بما في ذلك الإخوان الشيوعيين. كانت هناك ديمقراطية الحكم علي الأقل في الشكل، تداول السلطة، والحكومة والمعارضة علي الرغم من تدخل القصر والإنكليز في ذلك كما هو الحال في حادثة 4 شباط (فبراير) الشهيرة في مصر عام 1942. وكانت حقوق الإنسان موضوع تقدير وليس اتهام. بل ساهم في صياغتها الوفد المصري في الأمم المتحدة. والآن جمعياتها مضطهدة ومطاردة وغير شرعية. مازال معظمها تحت التأسيس. وكان هناك نوع من التحضر والتمدن، نظافة الشوارع، وجمال الطرقات، واحترام القانون، والالتزام بواجب المواطن. لم تظهر فيه نعرات طائفية بل تجسدت وحدة الوطن في ثورة 1919. وازدهرت الفنون والآداب. وظهر عمالقة الشعر والغناء في العصر الملكي الأول، أحمد شوقي، حافظ إبراهيم، أم كلثوم، عبد الوهاب، والمثـــّال محمود مختار. وتأسست الجامعة الوطنية، جامعة القاهرة، أهلية أولا في مدرسة الحقوق عام 1907 ثم حكومية ثانيا عام 1925. وقامت الجمعيات العلمية ومؤسسات المجتمع المدني، الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع، دار الحكمة، الجمعية الجغرافية، الجمعية التاريخية، الجمعية الفلسفية، المجمع اللغوي، المجمع العلمي.. الخ. بل إن التخطيط أيضا لم يكن قصرا علي ما بعد الثورة. فأنشئت الجسور، وشقت القنوات، وأقيمت السدود، وخططت المدن في العهد الملكي وكما ظهر في (مناهج الألباب) للطهطاوي وفي (الخطط التوفيقية) لعلي مبارك. وأقيمت الصناعات والشركات الكبري بفضل الاقتصاد الوطني الذي مثله طلعت حرب وبنك مصر. فهل تمت دورة في التاريخ، من الحداثة إلي ما قبل الحداثة، ومن الثورة إلي ما قبل الثورة، ومن الجمهورية إلي الملكية؟ وهل يتقدم التاريخ في خط مستقيم طبقا لنظرية التقدم أم يعود التاريخ إلي الوراء طبقا لنظرية العود الأبدي؟ AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1789 --- Date 21/4/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1789 --- التاريخ 2004 - 4 - 21 AZP07 HSHN |