|
|
كل إصلاح وأنتم بخير - نبيل سليمان خلف الوثائق الكبري مثل التنمية الإنسانية العربية للعام 2002،2003، أو مثل وثيقة الإسكندرية الصادرة عن مؤتمر قضايا الإصلاح العربي ( 12 ــ 14/3 /2004 )، خلف هذه الوثائق جهود وخبرات عديدة تكاد تغيب فيها الفردية، مهما كان تميزها ودورها. لكن الأهم هو غياب المسؤولية الفردية عن الوثيقة التي تحمل شهرة جهة الإعداد والتنظيم. وقد جلا ذلك جلال أمين في تعليقه علي تقريري التنمية الإنسانية العربية اللذين استند عليهما المشروع الأمريكي العتيد للشرق الأوسط الكبير، فأشار أمين إلي أن الفريق الاستشاري للتقريرين ضم 35 عضواً، وبلغ معدّو الأوراق الخلفية العدد نفسه، فضلاً عن فريق التحرير وفريق القراء للنسخة العربية وفريق القراء للنسخة الإنكليزية، وعلي رأس أولاء: الفريق المركزي. في هذه الغمرة، تكون للفريق المركزي أو لرئيسه بخاصة سلطة التصرف بأية ورقة دون الإشارة إلي صاحبها أو أصحابها. وفيما يخصّ مؤتمر الإسكندرية ووثيقته، فقد انعقد مؤتمر تحضيري مصري، ثم مؤتمر تحضيري انضاف فيه عرب إلي المصريين، وأسفر ذلك عن الورقة الأساسية ــ المدخل، وعن الأوراق ــ المداخل الأربعة (السياسي ــ الاجتماعي ــ الاقتصادي ــ الثقافي) فضلاً عن ورقة العمالة والشباب، وورقة المرأة. وبينما عرضت الورقة الأساسية ــ المدخل مسبقاً علي المشاركين، عُرضت هذه الأوراق للمشاركين بعد الافتتاح، ومعها وثائق شتي للجامعة العربية وللمنظمة العربية لحقوق الإنسان وسواهما. كما عُرضت عدة أوراق لعدد محدود جداً من المشاركين، ومن عجب أن ورقتي لم تكن بينها، ولا أعلم إن كانت وحدها قد حجبت، أو إن كان الإيميل قد حجبها، ولكنني أعلم أن النسخة التي طلبتُ تصويرها وتوزيعها في اليوم الثالث والأخير، كان عليها أن تنتظر أن يقرأها أحدهم، فانتهي المؤتمر قبل أن ينتهي القارئ، وكل مؤتمر وأنتم بخير. لقد آلت جميع الأوراق الجماعية أو المغفلة التوقيع ــ هل هذا هو التعبير الصحيح؟ ــ إلي مابات يعرف بوثيقة الإسكندرية. وبالمقارنة بين هذه الوثيقة والأوراق الفردية الصريحة التوقيع، بدا أن الأولي تجاهلت الأخيرة، ولذلك أعرض هنا لما أحسبه أهمها، وأوله ورقة هتون أجواد الفاسي (السعودية)، والتي بدأت بما يشكله الطرح الإصلاحي لوضع المرأة في السعودية من هاجس لكثيرين وكثيرات، يتبدي فيما يشغل مجالس النساء الجادة (وصوالينهن الثقافية، وفي كتاباتهن المنتشرة في الصحافة المحلية). في هذه الغمرة، وكما تري هتون أجواد الفاسي، غدت لفظة الإصلاح علي كل شفة، ما بين المؤمن بها والمشكك في جدتها، وهو ما حدا بالأكاديمية الشابة إلي أن تطرح رؤية المرأة في السعودية لمشروعها الإصلاحي، حيث تنقسم القضايا إلي اليومي والاستراتيجي، وتطلع من الأول قضايا التعليم والعمل ونظام الأحوال الشخصية (التي تحتاج إلي توسيع ورفع للتمييز ضد المرأة فيها)، كما يطلع علي المستوي الاستراتيجي الاعتراف بأهلية المرأة قانونياً وشرعياً، ومشاركتها في صنع القرار الذي يخصها ويخص مجتمعها، ويمثلها في قطاعات الدولة. وفيما تثمّن هتون الخطي المتواضعة التي تحققت، تتطلع إلي أن يتبني صاحب القرار السياسي مشروع الإصلاح بفتح المغلق أمام المرأة وتشكيل مجلس أعلي للمرأة، فضلاً عن فتح المجال أمام التعددية المذهبية والفكرية بعيداً عن العادات والتقاليد التي حاربها الإسلام السمح وحرر الإنسان منها منذ ألف وأربعمائة عام. مقابل هذا النظر الدقيق والجزئي في العياني، تأتي ورقة علي حرب بالنظر نفسه ولكن علي المستوي النظري والفكري، تحت عنوان( الإصلاح وتحدياته: نحو عقلانية تداولية مركبة)، ابتداءً بالإلحاح الذي كان أيضاً في مداخلات محمد الرميحي الشفوية، علي اشتباك الخارج بالداخل بصدد الإصلاح، منذ قرن ونصف حتي اليوم. وفيما يتابع علي حرب قول أولريش بك بمجتمع المخاطرة، وفيما يؤسس النظر إلي الإصلاح علي اللغة الرقمية والاقتصاد المعرفي والمشهد الميديائي والتهجين والوصاية الفاشلة للنخبة (المثقف) والحداثة الفائقة (أو ما فوق الحداثة)، ينتهي علي حرب إلي أطروحة كتابه (العقل التداولي ــ 2002) بما هي سعي للتدرب علي عقل جديد، من عنواناته الخروج من عقلية القاصر والتخلي عن لغة الندب، والشركة والهوية المفتوحة والفكر التركيبي والأفق الكوكبي وفن التغيير والعقل التواصلي وفعل الخلق. وعبر ذلك كله يتبدي الإصلاح مهمة الجميع مما يعني الانتقال من مجتمع النخبة والجمهور إلي مجتمع الاختصاص، وتوزّع مسئولية الإصلاح علي الجميع، واستحالة الإصلاح الداخلي المحض بحكم استحالة الفصل بين الداخل والخارج، دون أن ينفي ذلك إمكانية مقاومة مشاريع الهيمنة و التسلط الآتية من الخارج، كما هي إمكانية مقاومة مشاريع التسلط والاستبداد الداخلي. وهكذا ليست المسألة أن نختار بين أن نتغير بأنفسنا أو علي يد غيرنا، فكل إصلاح أو تغيير حقيقي هو عمل مركب يجري علي مستويات ثلاثة: وطني وإقليمي وعالمي. ولغة الإصلاح والتغيير هي لغة التوسط والتواصل والتسوية وسواها من قواعد المداولة.قد يتفق المرء أو يختلف بهذا القدر أو ذاك مع علي حرب، ومن قبل مع هتون أجواد الفاسي، لكن الأهم هو ذلك التكامل الذي يفترضه المرء للورقتين المختلفتين، حين تلتقيان في فضاء المؤتمر المكرس للإصلاح، بما تعنيانه من اشتغال في العياني وفي النظري. ولئن كان مثل هذا الاشتغال قد وسم أيضاً الأوراق ــ الوثائق الجماعية والمغفلة التوقيع، فالسؤال يعجّل عما كان يمكن للبيان الختامي ــ وثيقة الإسكندرية ــ أن تغتني به لو امتصّت من الأوراق الفردية الصريحة التوقيع قدراً أو آخر، مهما يكن ضغط الوقت. ومثل ذلك يقال أيضاً عن المداخلات الشفوية والاقتراحات المكتوبة التي قدمها عشرات من المشاركين، وإن يكن الأمل سيظل معقوداً علي الوعد بالإفادة من كل ذلك بعد المؤتمر، وكل مؤتمر وأنتم بخير. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1784 --- Date 15/4/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1784 --- التاريخ 2004 - 4 - 15 AZP09 AYMK NBSL |