أتهجي الفضائح وأقهقه - نبيل سليمان

من الشرفة يناديك البحر الإسكندراني فتتقدم خطوة وتتأخر خطوتين، كما يليق بك مشاركاً في مؤتمر مكتبة الإسكندرية: قضايا الإصلاح العربي: رؤية وتنفيذ.
يقرأ عليك البحر قصيدة لأحمد فؤاد نجم ويغنيها بصوت الشيخ إمام، فتتطوح ثلاثين سنة خلفاً بين بيت في حلب وبيت دمشق وبيت في اللاذقية، وترتمي علي شفا البحر، فيلوح لك بإسكندرية إدوار الخراط، فتتطوح ثلاثين سنة أماماً في البحر نفسه ما بين اللاذقية والإسكندرية، وترتمي علي شفا المؤتمر، فيلوح لك بزنار الرمل والصنوبر وبزرقته المرشوشة بياضاً وهسيساً، وتسري فيك غبطة هذه الفتاة المحجبة وهذا الشاب الذي أسلم لعينيها روحه.
تتقدم خطوتين وتتأخر خطوة بين الصباريات الصغيرة والأقاحي البيض والصفر التائقة للربيع، ويجتاحك العشق الذي يعبث بين زوجين واقفين فوق الجسر الخشبي، وزوجين يتكئان علي جذع النخلة، وزوجين يحملان حذاءيهما ويجريان فوق الرمل، وزوجين تعانقت أصابعهما، وتتقدم خطوة وتتأخر خطوتين، وتنسي المؤتمر ــ أي بالضبط: تستغرق فيه ــ وتقف محفوفاً بأزواج العشاق، وتدع المشاركين في المؤتمر لذهولهم: الفتاة من كل زوج محجبة، وتتساءل شامتاً عما جنت الديمقراطية الفرنسية من تحريم الحجاب، الذين جعلوا من الحجاب عماءً علي القلوب وفضيحة للجسد و... وترفع الجلسة.بوسعك إذن أن تعانق قصي الصالح درويش ومحيي الدين اللاذقاني، لكأنك لم تصادفهما للتو في إستراحة علي الطريق الصحراوي. ولأن باريس قد تلقفت الأول، ولندن قد تلقفت الثاني قبل ثلاثين سنة ــ يتوقف العد فوق الثلاثين ــ بعدما لفظهما قلب العروبة النابض، فستدوي قهقهتكم ملء المؤتمر ومثل الفضيحة، ما دام قلب العروبة النابض يروم إصلاحاً، ويدع الشائبين اللذين كانا شابين عندما لفظهما ذلك القلب الرؤوم، معلقين مثل عشرات ومئات وآلاف من أمثالهما الذين تطوحت بهم أصقاع الأرض، تماماً كما يتطوح بك المؤتمر جلسة فجلسة، أي تماماً كما يتطوح بك البحر الإسكندراني فضيحة ففضيحة، وأنت تخبط فغالباً ــ عجزك كما يليق بك كاتباً ومواطناً ــ ولا يجدر بك أن تندب علي سنة إنقضت علي الإحتلال الأمريكي للعراق، كما لن يجديك ما ستجلجل به من الإصلاح المدمر والإصلاح المحرر، لذلك ترتمي علي الشرفة وتتهجي أبجدية الفضائح: لا فرق بين من هذا الذي قبض من صدام حسين ذات مؤتمر ملء حفنة اليد من النفط الزلال، وبين هذه التي قبضت 99.1 حفنة، لكنها تتوعد من فضحها بفضيحة وشيكة وأكبر جلجلة وتوثيقاً عما قريب، حين ينكشف الغطاء عما قبضته من فضحها من صدام آخر ألجأه من صدام الأصلي، فيحق الحق ويصير الفاضح مثل المفضوحة، وأنت تقهقه شامتاً وتتهجي: لا فرق بين الإصلاح الجديد الذي يجلجل به رجل الحرب في مشروع الشرق الأوسط الكبير، والإصلاح القديم الذي جلجل به رجل السلام في مشروع الشرق الأوسط الجديد. لكن صدام حسين في أسره ــ أنت لا تجرؤ علي أن تسمي له نظيراً ــ يزعزعه الإصلاح الجديد، فيتلجلج وهو يرفض أن يأتيه الإصلاح من فوق ــ أي من الخارج ــ ويتلجلج وهو ينادي وهو ينادي بالإصلاح من تحت ــ أي من الداخل ــ وأنت تقهقه شامتاً وتتهجي فضيحة ففضيحة: رجل الحرب والإصلاح الجديد يستنجد بالمصلحين العرب منذ الطهطاوي وقاسم أمين حتي آخر لجنة من لجان إحياء المجتمع المدني، لكن أحداً لا ينجده سوي حفنة آدمية تشبه حفنة من النفط الزلال، تراهن علي دك قلاع الإستبداد بالدبابة الأمريكية التي صار إسمها بعد سنة من إحتلال العراق: الديمقراطية الأمريكية، كما صار إسم الدكتاتور الذي كان حليف تلك الدبابة: الحاكم الصالح. فلماذا لا تقهقه، ولماذا لا تتهجي شامتاً فضيحةً ففضيحة: صدام حسين في أسره ــ لازلت لا تجرؤ علي أن تسمي له نظيراً ــ يستنجد من أجل الإصلاح التحتاني الطوعي بتسوية الصراع العربي الإسرائيلي وبالهوية وبالثقافة، مشدداً علي الإصلاح الإداري والإقتصادي، وقد أصابه الصمم عن الإصلاح السياسي. أما الفضيحة الصغري ــ أي بالضبط الكبري ــ فهي أن نداء النجدة الصدامي يستنهض بخاصة حمية ووطنية وقومية وإسلامية وإستقلالية من أورث أجسادهم وأرواحهم علة فعلة فعلة، ولا يزال يفعل وهو في الأسر، لا فرق بين المريخ الذي أودعه فيه رجل الحرب والإصلاح الجديد، وبين قصوره التي شيدها له أسلاف ذلك الرجل، ويتوعدها الآن بالدك عاصمة فعاصمة. وعلي الرغم من ذلك ف الصدامية التي رضعت الحليب الأمريكي صغيرة وكبيرة، تخرس بالإعتقال الديمقراطي صوت من تستنجد به، لأنه تجر أعلي القول بالإصلاح المحرر، لا بالإصلاح المدمر الذي تتلجلج به الصدامية كما تجلجل به أمريكا إحتفالاً بالذكري المجيدة الأولي لإحتلالها العراق.لك الآن إذن أن تقهقه شامتاً وتتهجي أبجدية الفضائح. بيد أن البحر الإسكندراني يناديك لأمر آخر، فدع الشرفة لأصحاب الفضائح، وتقدم إلي البحر خطوة فخطوة، ولكن: إلي الأمام دوماً، فما عاد الأمر يحتمل خطوة واجدة إلي الوراء.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1778 --- Date 8/4/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1778 --- التاريخ 2004 - 4 - 8

AZP09
AYMK
NBSL