مقالات سياسية - د. حسن حنفي - مفكر من مصر
- اجهاض الثورتين الليبرالية والاشتراكية
- هل انتهي النظام العربي؟

كان أمل العرب من قبل هو اجتماع مؤتمر القمة العربي في موعده أسوة بالمؤتمرات الأفريقية والآسيوية والأمريكية اللاتينية، وكلها لدي شعوب العالم الثالث الذين شاركوا في السراء والضراء في نصف القرن الأخير. فحديث القادة مع أنفسهم في التحديات التي تواجهها الأمة هو في ذاته مكسب. والتشاور أفضل من القرارات الفردية، والاجتماع خير من التفرق. وعلي الرغم من أن بيانات القمة كانت مكررة ومعادة ولا جديد فيها، أقوال دون أفعال، ولكنها كانت تريح القلب، وتطمئن العرب أن مازال لديهم أضعف الإيمان وهو تغيير المنكر باللسان بعد العجز عن تغييره باليد. والآن حتي اللسان توقف عن الحركة. فلم يعد لدي العرب إلا القلب وهو أضعف الإيمان. ومن يدري فربما تغير القلب أيضا وإن تحدث اللسان، (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم).
ومنذ رفض الكيان الصهيوني المبادرة العربية، انسحاب كامل من كافة الأراضي العربية المحتلة في مقابل اعتراف كامل وتطبيع شامل، سياسي واقتصادي وثقافي قضت الصواريخ الثلاثة التي أطلقت علي الشيخ ياسين ورفاقه علي هذه القمة قبل ساعات من انعقادها ليبلغ رسالة أن القادة العرب في مرمي صواريخه. وسيغتال جميع قادة المنظمات الفلسطينية وقادة حزب الله. ومن ثم لا يحتاج إلي التصفية الجسدية للقادة العرب بعد أن انتهوا معنويا وانتهي معهم النظام العربي. فإسرائيل في الوطن العربي هي التي تسيطر علي الأحداث، تحل وتعقد وليس أهل الحل والعقد فيه. هي القوة العظمي في المنطقة التي تقوم بدور مصر التقليدي في المنطقة والتي تصل حدودها في باكستان وأعالي النيل. حدودها ليست في الأرض بل في ذراع إسرائيل الطويلة، المدي الذي يصل إليه الطيران والصواريخ الإسرائيلية.

قبول الوثيقة
والحقيقة أن القادة العرب جميعا قبلوا وثيقة (الشرق الأوسط الكبير)، منهم من قبلها بحذافيرها في المشرق العربي، ومنهم من قبلها علي استحياء بعد إعادة صياغتها وإجراء التعديلات عليها، أن تكون نابعة من الداخل وليست مفروضة من الخارج، وأن تكون متفقة مع الخصوصية الثقافية للوطن العربي بل وخصوصية كل قطر عربي علي حدة. فالبدو غير الحضر. الخلاف ليس في الجوهر بل في الشكل كما هو الحال في الوسط العربي وفي المغرب العربي. من قبلها بلا مواربة أراد فرضها علي مؤتمر القمة حتي بلا نقاش. فأمريكا تأمر والأمة العربية تطيع وطمعا في سياسة الجزرة دون العصا. أراد فرضها في آخر لحظة قبل انعقاد القمة بساعات وبلا مناقشة. هكذا كان الأمر، ولابد من التنفيذ. وإسرائيل بالمرصاد لمن يشق عصا الطاعة. امتهان وراء امتهان، من قمة إلي قمة، من محاصرة رئيس السلطة الفلسطينية وعدم السماح له بمغادرة رام الله إلي بيروت أو حتي الحديث إليها مباشرة عن طريق الآليات الحديثة للبث المباشر إلي اغتيال الشيخ ياسين والدور قادم علي رمز السلطة وعلي باقي قيادات المقاومة.
وكان الخلاف أيضا حول إلي متي يظل القادة العرب يكررون البيانات حول فلسطين وضرورة امتثال الكيان الصهيوني للقرارات الدولية والالتزام باتفاقيات السلام وتنفيذ بنودها في خارطة الطريق، وحول العراق في ضرورة انسحاب قوات التحالف وتسليم السلطة للعراقيين، والحفاظ علي وحدته الوطنية، وضرورة الإعمار، والدم يسيل كل يوم، والقادة لا حول لهم ولا قوة إلا الزيارات والنداءات والاستجداءات لأوروبا وأمريكا ولشعوب العالم المحبة للسلام وسط صراخ النساء وعويل الأطفال ونحيب الشيوخ. والسلطة الوطنية الفلسطينية ليس لها صوت. همها الحفاظ علي الرئيس من الاغتيال والخوف علي حياته بعد الإهابة بالضمير الإنساني. ومجلس الحكم العراقي المعين محاصر بين المطرقة والسندان، مطرقة قوات الاحتلال وسندان الشعب العراقي المطالب بالحرية والاستقلال.
لقد قبل العرب امتهان الكرامة بعد أن انتهت حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973 واكتشفوا أنها ليست آخر الحروب بل بداية العدوان الصهيوني علي كل العرب وبداية التنازل عن الحق العربي في الأراضي المحتلة بما في ذلك سيناء المنزوعة السلاح. وتم الاعتداء علي المفاعل النووي العراقي، واغتيال أبي جهاد في تونس، وخطف الطائرة المصرية فوق مالطة، وهجرات اليهود السوفييت إلي إسرائيل، والعدوان علي العراق وحصاره حتي العدوان الثالث عليه العام الماضي. وترك الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولي بالحجارة والثانية بالسلاح مضرجتين بالدماء، وها هي تبدأ عامها الرابع وحيدة تلقي الشهادة كل يوم. ولا ترضي إسرائيل بأقل من تركيع العرب والاستسلام التام وقبول خطة الفصل العنصري من جانب واحد والقضاء علي المقاومة في غزة، والإبقاء علي الحد مع مصر ومطار غزة ومينائها تحت السيطرة الإسرائيلية، ونقل مستوطنات غزة في الضفة. وعلي العرب أن يقبلوا ذلك من دون قيد أو شرط وإلا فالصاروخ الإسرائيلي والفيتو الأمريكي في الانتظار.
والسبب ليس الخارج وحده بل الداخل أيضا. وإذا كان الخارج من صنع الآخرين، فالداخل من صنع العرب. لقد طال النظام العربي أكثر مما يجب. وحكم القادة عشرات السنين. ومنهم من قارب خمسة وثلاثين عاما في الحكم. ومنهم من يبقي مدي الحياة بعد تغيير الدستور. فهو الزعيم والمخلص والأب وكبير العائلة والمهدي المنتظر في حين طال انتظار الخلاص، وظهر المخلص ولم يتم الخلاص. بل ازدادت الأزمة، وعم الضنك، وازدادت مساحة الأراضي المحتلة، وازداد عدد المهجرين، وتكاثر سيل دماء الأبرياء. آن الأوان لتداول السلطة، وتناوب المرشحين وتعددهم، وصياغة برامج حزبية، وتشكيل حكومات مسؤولة أمام البرلمانات العربية. فإن تأخر الإصلاح فإما العصا أو الجزرة، عصا العراق، وجزرة ليبيا. أما (محلك سر) فلم يعد مقبولا لأنه ينتهي إلي التفكك والضياع، وزيادة الإحباط واليأس مما يؤدي إلي الاستسلام التام. والنظام العربي يترنح بعد إلغاء تونس للقمة بقرار فردي وحدوث ارتياح في إسرائيل لتفرق العرب وإسقاط ورقة التوت الأخيرة، وصمت أمريكي لأن هذا شأن العرب وأمريكا لا تدخل في شؤونهم بل تفرض عليهم فقط أنماط حياتهم في مشروع (الشرق الأوسط الكبير). والدعوة إلي مؤتمر قمة عربي جديد تهدف إلي إنقاذ ماء الوجه، والإبقاء علي ما تبقي من شرعية للنظام العربي الذي ما عاد قادرا علي حماية الأوطان من العدوان الخارجي في فلسطين والعراق ولا علي حماية مصالح الشعوب ضد الفساد والتلاعب بالثروات والمال العام.
ووسط حالة الإحباط واليأس وعدم احترام النفس قبل عدم احترام الغير لنا وشماتته فينا لم يبق للعرب إلا خيار المقاومة في الداخل والخارج بعد فشل كل اتفاقيات السلام والمبادرات العربية والأمريكية بل والإسرائيلية من جانب واحد بعد مخطط تدمير غزة قبل مغادرتها. بل وتوسيع نطاقها في فلسطين ولبنان والعراق في الوطن العربي، وامتدادها في العالم الإسلامي في أفغانستان والشيشان وكشمير. فالمعركة واحدة ضد الإمبراطورية الأمريكية الجديدة وحليفتها إسرائيل الكبري، وتدعيمها بالمال والسلاح والدواء من الجماهير العربية.
لم يبق للعرب إلا أن يلتف الشارع العربي كجبهة عريضة مساندة حتي لا تبدو الانتفاضة معزولة مرتين، مرة من الأنظمة العربية ومرة من الشارع العربي. فتشتد المقاومة لأنها تعمل في محيط أوسع. فالمقاومة في عامها الرابع مازالت صامدة بمفردها وهي قادرة علي الصمود سنوات. أما الخزي العربي فلا يبقي أسابيع أخري.
كما تستطيع الجماهير العربية الضغط علي الأنظمة العربية في مصر والأردن وموريتانيا من أجل قطع جميع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إسرائيل، وإيقاف جميع أشكال التطبيع السياحي، وإيقاف الزيارات المتبادلة كما تم إيقاف زيارة الوفد البرلماني المصري للكنيست الإسرائيلي بمناسبة مرور ربع قرن علي معاهدة كامب ديفيد. هذا بالإضافة إلي مقاطعة البضائع الأمريكية والشركات والمؤسسات الأمريكية لتأييد أمريكا المطلق لإسرائيل واستعمالها حق الفيتو ضد مشروع إدانة الأمم المتحدة لاغتيال إسرائيل للشيخ ياسين.

تحريك الشارع العربي
فإذا تحرك العرب الآن فإنهم يحتاجون إلي أمد طويل لتحريك الشارع العربي. فقد ولدت أجيال بعد الثورات العربية الأخيرة. لم تمارس السياسة. ولم تنضم إلي الأحزاب السياسية لغيابها، نظرا لسيطرة الحزب الواحد، هو الحزب الحاكم. لقد خرج الضباط الأحرار في منتصف الخمسينيات من أتون الحركة الوطنية في الأربعينات. وجيل الأربعينيات هو الآن في الثمانينيات. وما زال يواصل النضال، حماية للأوطان وجمعا بين التجربتين الليبرالية والاشتراكية. أما جيل السبعينيات الذي كان دافعا علي حرب أكتوبر من أجل تجاوز حالة اللاسلم واللاحرب فقد أصيب بالصدمة هو أيضا. ولم يبق إلا جيل جديد غاضب يتظاهر داخل أسوار الجامعة في الحركة الإسلامية التي أصبحت تجسد النضال الوطني.
مسؤولية النظام العربي أن يتحرك بدلا من أن يعلن انهياره وإفلاسه فتسقط ورقة التوت الأخيرة. تستطيع مصر أن تسترد دورها النشط الفعال بعد أن تعلمت الدرس الأخير من محاولات تهميشها وإخراجها من بؤرة الصراع بعد زيارة القدس في تشرين الثاني (نوفمبر) 1977، وتوقيع معاهدة كامب ديفيد في 1978، ثم معاهدة السلام في 1979، واستردادها سيناء منزوعة السلاح، وأخذها خطا معتدلا في الصراع العربي الاسرائيلي. فمازالت مصر هي القلب. إذا توقف عن النبض توقفت الأطراف عن الحركة، (اليوم خمر وغدا أمر). وإذا أرادت مصر وسوريا والسعودية كما حدث في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، بالسلاح والنفط. والخيال السياسي لم يحدث بعد طالما أن المتنبي وعنترة وامرؤ القيس مازالوا في الوعي العربي. لم يخش الضباط الأحرار في تموز (يوليو) 1952 من تفجير الثورة ضد الاستعمار والقصر. ولم يتخوف عبد الناصر من تأميم القناة في تموز (يوليو) 1956 علي الرغم من احتمال العدوان. فالمبادرة التاريخية دليل علي الحرية.
تستطيع مصر مع العرب فك الحصار المفروض علي النظام العربي، حصاره بين المطرقة والسندان، مطرقة القوي الخارجية، أمريكا وإسرائيل، والقوي الداخلية، حركات الشعوب وقرب انتفاضها. فمازال الأمل معقودا علي مصر. ولا تستطيع دولة أخري مهما صغر حجمها، وعظم قدرها، وعلا صوتها أن تحل محلها.
قد يتفجر بركان الغضب في قلوب الناس وتحدث ثورات شعبية تتحرك نحو القصور كما حدث في الفلبين وأندونيسيا وجورجيا وجمهورية الدومنيكان. لقد جربت مصر المفكرين الأحرار في ثورة 1919، والضباط الأحرار في 1952. ولم يبق إلا أن يُجرب العرب الشعوب الحرة في أخذ مصائرها بأيديها دون انتظار إصلاح يدعو إليه المصلحون منذ قرنين من الزمان وقبل أن تقدم أمريكا مشاريع إصلاحها مثل الشرق الأوسط الكبير. لقد أجهض العرب الثورة مرتين، الثورة الليبرالية، والثورة الاشتراكية لعلهم يستطيعون هذه المرة أن يحسموا أمرهم بثورات الشعوب.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1775 --- Date 5/4/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1775 --- التاريخ 2004 - 4 - 5

AZP07
HSHN