مقالات سياسية - حسن حنفي - مفكر من مصر
- الفلسطينيون في مواجهة اليوم الصعب
- اغتيال الشيخ أحمد ياسين عامل توحيد مفاجيء

واستيقظت فلسطين، ونهض العرب، وقام المسلمون فجر الاثنين 22 آذار (مارس) 2004 علي نبأ اغتيال الشهيد الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس، بعد عام من العدوان الأمريكي علي العراق. وقد سقط أول صاروخ علي بغداد قبل ذلك بيومين. الصاروخ الأول أمريكي، والصواريخ الثلاثة الثانية التي انطلقت علي الشهيد ورفاقه التسعة إسرائيلية التوجيه أمريكية الصنع. فأمريكا تمثل الأوطان، وإسرائيل تغتال الرجال. وأضيفت أحزان إلي أحزان. ولم يكد العرب يفيقون من هواجس الذكريات الأولي للعدوان علي العراق حتي انتابتهم أهوال ما يشاهدون من اغتيال الشهيد. وأضيفت إلي أشجان الماضي القريب أحزان الحاضر الأليم.
والرمز أهم من السلطة. واغتيال الرمز هو اغتيال المعني. واغتيال المعني هو نهاية كل شيء. فالشهيد شيخ قعيد. ضعف جسده في قوة روحه. أَسَرَتـْه إسرائيل كرمز ثم أفرجت عنه تكفيرا عن ذنبها في محاولة اغتيال خالد مشعل بدس السم في أذنه وإنقاذه بالمصل بعد تدخل ملك الأردن السابق. ورئيس المكتب السياسي أصبح رئيسا لحماس. والشهيد، قائد حماس في قطاع غزة أصبح هو قائد المقاومة الفلسطينية كلها، يطل عليها من وراء السحب، ويدفعها إلي مزيد من المقاومة. فالروح لم تضعف بضعف الجسد، ولم تنته بنهايته. صوته الضعيف المبحوح يتضمن أمرا، وجسده المشلول علي الكرسي المتحرك يحمل هذا الأمر إلي كل المناضلين في العالم، داخل فلسطين وخارجها. نال احترام الجميع، خصومه قبل أنصاره، أعداؤه قبل أصدقائه، داخل الحركة الإسلامية وخارجها. طلب الشهادة ونالها. وكانت أقصي أمانيه أن يرضي الله عنه. وقد رضي الله عنه ورضي الناس (رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه).
هي رسالة موجهة لكل القادة والزعماء والرؤساء العرب، قبل اجتماعهم في تونس بعد أسبوع من الاستشهاد. الكل سيلقي نفس المصير. لو تجرأ أحدهم علي النيل من الكيان الصهيوني حتي ولو بالقول الذي لا يصحبه فعل، وبالبيان الذي هو أضعف الإيمان. وكما قذف الكيان الصهيوني بالمبادرة العربية بعد قمة بيروت في وجه الرؤساء العرب، ورفضت الاعتراف الكامل والتطبيع الكامل وهو ما كانت تتمناه وتطلبه في مقابل الانسحاب الكامل وهو ما رفضته دائما. فما أخذته إسرائيل من يهوذا والسامره لا يرجع إلي شعب فلسطين. والسرطان الصهيوني لا يتراجع عن أرض استولي عليها ولا ينحسر عن مكان انتشر فيه.
لقد كان الاغتيال انتهاكا لكل القيم الأخلاقية والمواثيق الدولية والأعراف الإنسانية. لم يكن الشهيد مسلحا بل كان أعزل. وقتل المدني غير المسلح في أعراف الحرب بأعتي الأسلحة مثل الصواريخ المنطلقة من الطائرات جريمة ضد الإنسانية. وتحول كرسي القعيد إلي رمز للمقاومة كما تحول محمد الدرة قبل ذلك، استشهاد طفل في حضن أبيه رمزا للشهادة، الشيخ تبع الطفل، والطفل سبق الشيخ، وكلاهما شهيد، وكل الناس من كل الأعمار شهداء. وقد تم ذلك وهو خارج من المسجد بعد صلاة الفجر، وهو عائد إلي المنزل. فالشهيد يخرج من المنزل إلي المسجد، ويعود من المسجد إلي المنزل. ويتصدق علي الفقراء في الطريق. هو الأب العائل لكل المحرومين، والأم الحنون لكل اليتامي والثكلي والمحرومين.
ومن قرر عملية الاغتيال وأشرف عليها؟ هو رئيس وزراء دولة، مجرم حرب سابق في مذابح صبرا وشاتيلا. دولة عصابة، ورئيس وزرائها رئيس عصابة. تعودت يده منذ أن كان في العصابات الأولي في 1948 حتي اغتيال الشيخ علي سفك الدماء (وقالوا ليس علينا في الأميين سبيل(. واستقبل بالتصفيق من أعضاء حكومته استحسانا لما صنع. قاتل يمدحه القتلة. وليس ببعيد علي قتلة الأنبياء اغتيال الشهداء. وفرق بين حجة الدفاع عن إسرائيل والدفاع عن احتلال إسرائيل لأراضي الغير. وقد أوصي الشهيد بعدم القيام بالعمليات الاستشهادية وراء الخط الأخضر (فلسطين 1948)، إنما فقط في الأراضي المحتلة منذ 1967. كما أوصي بعدم التضحية بالمدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ مع أن أطفال إسرائيل هم جنود المستقبل، يربون علي أن الفلسطينيين هم الأعداء الذين اغتصبوا أرض يهوذا والسامره. والنساء في إسرائيل جنود في الخدمة العسكرية مع الرجال. والشيوخ يعملون في الخطوط الخلفية ويقومون بالأعمال المدنية العسكرية بعد تجنيد الشباب الاحتياطي وقت الحرب. ففي الكيان الصهيوني لا فرق بين جيش وشعب. الكل في خدمة جيش الدفاع.

الانسحاب من غزة
وفي الوقت نفسه الذي يُعلن فيه عن خطة الانسحاب من غزة من طرف واحد يخطط لتدمير غزة قبل الانسحاب، قادة وفصائل، ومدنا وقري، منازل ومخيمات كما فعلت فرنسا حين دكت دمشق قبل الرحيل، بمنطق شمشمون (عليّ وعلي أعدائي يارب). وفي الوقت نفسه، يتم توحيد اليمين الذي ما زال بعض أجنحته يعارض الانسحاب من أي شبر من فلسطين، أرض الآباء والأجداد، أرض الميعاد. هو مجرد توزيع أدوار بين يمين معتدل ويمين متطرف، بين رفض للانسحاب من غزة وتفكيك مستوطناتها باستثناء الحدود مع مصر، والحدود مع الضفة وبين إعلان للانسحاب النظري لخداع الرأي العام والهدف هو تدمير القطاع وتصفية قادته.
والحقيقة أن بعملية الاغتيال انتهت عملية المفاوضات، وتبدد وهم السلام. وبان للعالم كله أن الكيان الاشرائيلي لا يقدم إلا علي الحرب والعدوان، ولا يدافع عن نفسه إلا بالاغتيال والقتل. منطق العصا الذي استعملته أمريكا مع العراق هو نفسه الذي يستعمله الكيان الاسرائيلي في فلسطين. والعدو واحد "الإرهاب"! والمقاومة الوطنية ليست إرهابا بل مقاومة مشروعة دفاعا عن النفس طبقا للشرائع الإنسانية والمواثيق الدولية. الإرهاب اعتداء علي الغير الآمن، والمقاومة نضال ضد المحتل الغاصب.
قد تكون شهادة الشيخ بداية عمل وطني فلسطيني عربي إسلامي جديد، يغير مسار التاريخ، ويقضي علي حالة البلبلة والتردد بين وهم السلام وضرورة المقاومة. ولا يوجد من أعطي الاحتلال فرصة للسلام قدر ما أعطته السلطة الوطنية الفلسطينية حتي ولو خسرت شعبيتها لصالح المقاومة، والمبادرات العربية حتي ولو تم رفضها علي الرغم من إعطائها للكيان الصهيوني ما طالب به دائما من اعتراف وصلح ومفاوضة ضد لاءات العرب الثلاثة بعد حزيران (يونيو) 1967، والجهود المصرية بالرغم من ضعف نتائجها، وعدم حماس الكيان الصهيوني لها، وتردد فصائل المقاومة في السير فيها للمعرفة المسبقة بنتائجها. فالكيان الصهيوني لا يريد إلا الاستسلام الكامل للمقاومة الفلسطينية، وابتلاع كل فلسطين في فرصة تاريخية قد لا تتكرر كما تكررت في 1967 كما بدأ في 1948، ضعف العرب، وتفتتهم، وتبعية قادتهم، وعجز شعوبهم. فقد دخل العرب بقيادة مصر الحرب أربع مرات في 1948 ثم في 1956 ثم في 1967 ثم في 1973 ومازال جرح الهزائم غائر لم يندمل. ولم تشفه حرب تشرين الاول (أكتوبر) 1973 التي أعادت الثقة للعرب في إمكانية النصر وإن لم تعد لهم كل الأراضي المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان.
لقد وحّدت شهادة الشيخ أولا فصائل المقاومة الفلسطينية، ومنعت من أي احتمالات للصدام بينها في غزة أو في باقي الأراضي الفلسطينية. وأدركت أنه لا فرق بين حماس والجهاد وفتح في ضرورة النضال حتي الاستقلال. وتبدد الخوف من حدوث صدام بين فصائل المقاومة تكون فلسطين فيه هي الخاسر، والكيان الصهيوني هو الكاسب. ودم المسلم علي المسلم حرام. كما وحّدت الشهادة ثانيا بين فصائل المقاومة والسلطة الوطنية الفلسطينية. فكلاهما هدف للعدو الصهيوني، من رفض الاستسلام ومن قبل السلام، من يعرف منطق العدو ولا يستسلم له، ومن يأخذ بعين الحسبان الموقف العربي والموقف الدولي. وإذا تم اغتيال الشهيد اليوم رمزا للمقاومة فإن الدور قادم علي رمز السلام أو رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية حتي ينتهي الخياران، خيار المقاومة وخيار السلام، الرمح والدرع، الهجوم والدفاع.

توصيد النضال الفلسطيني
ووحّدت الشهادة ثالثا النضال الفلسطيني والنضال العربي علي مستوي الجماهير العربية بعد أن تساءل الجميع: أين الشارع العربي؟ واندلعت المظاهرات في مصر والأردن تطلب بقطع العلاقات وإلغاء المعاهدات مع الكيان الصهيوني، وفي المغرب واليمن والعراق والبحرين تأييدا للمقاومة الفلسطينية. وسبقت إدانة الجماهير إدانة الأنظمة العربية المعاصرة بين قوي الداخل والتبعية للخارج. وقد تنهض الجماهير في ليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا وشبه الجزيرة العربية، الوسط والأطراف، وفي سوريا فيتوحد النضال العربي معيدا ذكريات الخمسينيات والستينيات، من المحيط الهادر إلي الخليج الثائر حتي علي مستوي الكلمات في عصر عز فيه القول وانحسر فيه الفعل، وضعف فيه الخيال. ووحدت الشهادة رابعا القوي الفلسطينية والعربية مع القوي الإسلامية. فقد قامت المظاهرات في باكستان تعلن استنكارها لاغتيال الشهيد. وتبين أن الشارع الإسلامي هو ظهير الشارع العربي، وأن المقاومة الإسلامية في كل مكان سند للمقاومة الفلسطينية والعربية. ومازالت الجماهير في الهند وماليزيا وأندونيسيا وأواسط آسيا وإيران وتركيا لم تتحرك. موعدها في القدس لو ناله مكروه. والمخطط الصهيوني له قائم، هدم الأقصي وبناء الهيكل. ويكفي المسلمين الكعبة قبلتهم دون أولي القبلتين وثالث الحرمين.
لقد تحرك الشارع العربي من أجل فلسطين بعد أن تحرك من أجل العراق، إجابة عملية علي سؤال: أين العرب؟ ومازالت الجماهير العربية في الشوارع تطالب باستمرار المقاومة كخيار رئيسي في مواجهة العدوان والاحتلال والاغتيال والتصفية الجسدية. إنه تحول تاريخي بعد نصف قرن من اندلاع الثورات العربية بقيادة الضباط الأحرار في منتصف الخمسينات إلي الجماهير العربية بعد أن تم إخراجها من معاركها التاريخية لصالح النخبة الثورية أولا ثم تحولها إلي نخبة مضادة للثورة كما حدث في كل الثورات قبل أن تندلع الثورة من جديد وتهتف (يعيش زاباتا) رمز الثورة الدائم مثل الشيخ ياسين.
وانغرست القضية في الأعماق، بعد طعن الكرامة الوطنية. وثأر الكرامة يضاف إلي ثأر الوطن. فاغتيال الشهيد طعنة في قلب كل عربي. لقد أولت الجماهير من قبل عبد الناصر القضية لأنها كانت في يد أمينة. والآن استردت القضية بعد أن تخلت الأيادي عن الأمانة. فالعدو الصهيوني شعب ونظام. والعرب شعوب بلا نظم.

خيار وحيد
وعادت المقاومة كخيار وحيد بعد أن تبددت أوهام السلام. فلا يفل الحديد إلا الحديد. (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله(. وقتلانا في الجنة، وقتلاهم في النار. قرحنا استجابة لله والرسول (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح(. وقرحهم جزاء للعدوان والاغتيال.
وتخلص الجميع من الحيرة المزدوجة بين السلام والمقاومة. فقد ظهرت استحالة السلام مع عدو لا يبغي إلا الحرب. ويريد الاستيلاء علي كل فلسطين، فلسطين 1948 وفلسطين 1967. ابتلع النصف الأول في تسعة عشر عاما، والنصف الثاني بعد سبع وثلاثين عاما. فلم يعد هناك شيء للتفاوض عليه. والترحيل إلي شرق الأردن وارد لمن أراد الرحيل. فالأردن هي فلسطين، وفلسطين هو الأردن. ومن تشبث بالأرض فعليه أن يعيش كما يعيش عرب فلسطين في 1948، ينعمون بالمواطنة الإسرائيلية، ولهم حق التمثيل في الكنيست، وحق تكوين الأحزاب السياسية. يعملون ضد البطالة، ويأمنون ضد الاغتيال أو الطرد.
وبعد فلسطين، يأتي الدور علي لبنان وسوريا والعراق والأردن ومصر. ويتحقق شعار من النيل إلي الفرات، مشروع إسرائيل الكبري، الراكض وراء أمريكا الكبري. والثمن دم الشهيد. والعزاء نضال الأبطال.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1772 --- Date 1/4/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1772 --- التاريخ 2004 - 4 - 1

AZP07
HSHN