|
|
مقالات سياسية - د. حسن حنفي - مفكر من مصر - لمناسبة الذكري الأولي للحرب... هل تغير النظام في العراق؟ وهاجت ذكريات إطلاق الصواريخ علي بغداد ليلة 20 آذار (مارس) 2003 من قوات الإمبراطورية الأمريكية الجديدة بطريقة القرن التاسع عشر والغزو الاستعماري القديم منذ قضاء بريطانيا علي إمبراطورية المغول في الهند، وربما أيضا قبلها منذ انهيار الأندلس وسقوط غرناطة ونهاية المرحلة الإسلامية في تاريخ العالم وبداية المرحلة الغربية، بما يسمي بالاستكشافات الجغرافية وحصار أوروبا لنصف الكرة الغربي، اعتمادا علي خرائط العرب ثم التفافها عبر أفريقيا إلي جنوب آسيا بفضل الملاحين العرب في بحر عمان. فالإمبراطورية الأمريكية الجديدة هي وريثة أوروبا الاستعمارية القديمة، وريثة الإمبراطورية الرومانية القديمة. والعولمة هي أحد مظاهر هذا الانتشار الأوروبي الأمريكي خارج الحدود الجغرافية للقارتين إلي القارات الثلاث، أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وبعد عام انكشف المستور، وبان الكذب، امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل. وحتي لو كان ذلك صحيحا فإسرائيل تملكها ولم يغزها أحد. كان الدافع هو تحقيق أطماع الإمبراطورية الأمريكية الجديدة بالهيمنة علي الوطن العربي والعالم الإسلامي حتي آبار النفط في بحر قزوين بعد أن اطمأنت علي نفط الخليج، وحصار روسيا والصين، وإكمال مشروع إسرائيل الكبري، وإجهاض احتمال نشأة قطب ثان يواجه القطب الأول ويتحداه من أجل عالم متعدد الأقطاب. وبعد النصر الزائف، والوصول إلي بغداد بفعل الخيانة والغدر، والخلط بين الدفاع عن النظام والدفاع عن الوطن، لم يخضع شعب العراق. . والعمليات لم يفت في عضدها القبض علي الرئيس العراقي السابق بل ازدادت قوة وعنفوانا. وتعاطف العرب والمسلمون معها، وازدادت خسائر قوات العدوان حتي فاقت بعد نهاية المعارك خسائر الحرب ذاتها. وازداد العنف. وتجلي ذلك في أسبانيا. واستطاع تحويل نظام الحكم من اليمين إلي اليسار، وإجبار أسبانيا علي سحب قواتها من العراق، بداية بتفكك قوي الاحتلال كما انسحبت القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان بفضل المقاومة اللبنانية وبؤرتها (حزب الله). صحيح أن الرئيس العراقي السابق كان نموذجا للحاكم المطلق، بتصفية الخصوم في الداخل، وإقصاء المعارضة، والتصفيات الجسدية، والإعدامات العلنية، والمقابر الجماعية، واغتيالات زعماء الشيعة رموز المقاومة. وهاجر أبناء العراق وكونوا بؤرا للمعارضة خارج الأوطان مستقلة أو بالتعاون مع القوي الأجنبية، وبالتحالف مع الإمبراطورية الأمريكية الجديدة. كان هو الرئيس العربي الذي وصل نظامه إلي الحد الأقصي من نظم التسلط والقهر حتي خشاه الجميع. فازدوج الخطاب بين التأييد العلني والرفض السري الذي تسمعه أجهزة المخابرات، فينكل بأصحابه حتي لو كان الهمس بين الأصدقاء في الاجتماعات المغلقة أو بين الأحباء في غرف النوم. فعين الله ساهرة لا تغفل، تري وتسمع وتبصر كل شيء، وتعلم وتقدر وتريد ما تشاء. ولا فرق بين عين الله وعين السلطان. وأغري المؤيدين له في مهرجانات المربد، والصحافة العربية المشتراة داخل الوطن العربي وخارجه، وبعض الأحزاب القومية والناصرية. ورسمت له صورة البطل المنقذ، خليفة عبد الناصر. فبغداد تملأ الفراغ الذي تركته القاهرة. وتزعمت جبهة الصمود والتصدي. وأصبح البديل الجهوري للنظام العربي المستسلم. يثير الخيال والرعب في آن واحد. الجبهة الشرقية ومع العدوان في الداخل علي شعب العراق أضيف العدوان في الخارج علي الثورة الإيرانية بإيعاز من الإمبراطورية الأمريكية الجديدة للتخلص من الثورة الإسلامية في إيران المناهضة للشيطان الأكبر، ولتصفية ثاني أكبر قوة عربية، وثاني أكبر جيش عربي، وحتي تطمئن إسرائيل. فقد انهارت الجبهة الشرقية بالقضاء علي الثورة الإسلامية في إيران، وتدمير جيش العراق. ثم وقع العدوان الثاني علي الكويت للاستيلاء علي الثروة البترولية ومنابع النفط دون مراعاة للجوار أو للقومية العربية، وهي نظريا الأيديولوجية الحاكمة في العراق، وخرقا للأمن القومي العربي، واتفاقية الدفاع العربي المشترك، وتجاوز القانون الدولي الذي أصبح العراق فيما بعد ضحيته عندما اعتدت عليه قوات التحالف متجاوزة الأمم المتحدة والشرعية الدولية. وأحاط النظام نفسه بهالة من القداسة والقوة. وأعلن عن بناء مدينة العلم في ضواحي بغداد، واستقدام أي عالم عربي لبناء عصر علمي عربي جديد. ونشرت أجهزة الإعلام الكثير من الروايات عن مصانع العراق، والنهضة العلمية في العراق، والمدفع العملاق، وأسلحة الدمار الشامل بعد أن استخدم بعضها في حلبجة. فصواريخ العراق قادرة علي ضرب إسرائيل وحرق نصفها ثم يزايد المستمعون لا بل حرقها كلها. ثم تحول الكلام إلي ذريعة للعدوان عليه. ولم تحرق إسرائيل بل احتُل العراق. لتخلص من نظام القهر وأتي نظام جديد بعد االتخلص من نظام القهر والتسلط والطغيان. وألقي القبض علي رأس النظام بطريقة مهينة أمام أجهزة الإعلام، والضابط الأمريكي يعبث بشعر رأسه، ويفحص فمه المفتوح. فهل اختلف النظامان، القديم والجديد، العراقي والأمريكي في بغداد؟ بدأ في بغداد بحل الجيش وهو عصب الدولة المركزية. وحول ما يزيد علي المليون عراقي إلي عاطلين. ثم حل الحزب الذي كان يحكم العراق منذ ثورة تموز (يوليو) 1958 أي ما يقارب نصف قرن. فازداد عدد العاطلين مئات ألوف أخري. ثم استبدل كبار المسؤولين في الدولة بآخرين فازداد عدد العاطلين من النخبة الحاكمة. وفضلوا الخوف من النظام السابق علي الجوع في النظام الحالي. وأقصي العاملين بالإعلام وأتي بآخرين. ولا فرق بين الاثنين في دفاع كل فريق عن النظام وغياب النقد. اختلف السيد والعبد واحد. وفي كل يوم يتم إهانة الشعب العراقي، اقتحام المنازل، وتفتيش النساء، وتقييد الرجال من الخلف، وعصب الأعين، والدوس بالأقدام. وزاد معدل الجرائم بفعل جنود الاحتلال أو جماعات السطو المسلح من العاطلين والناقمين. وانتشرت حوادث الاغتصاب. وحن العراق إلي أمن الطريق، وتوفر الحاجات الأساسية، وضمان الرزق. القهر واحد، قهر وأمان، وقهر وخوف. تغير النظام ولكن القهر واحد. وتعددت الأسباب والموت واحد. حاكم قاهر وطني من داخل البلاد ، وحاكم قاهر أجنبي من خارج البلاد. كل منهما يأمر وينهي، يعيّن ويعترض. فالقهر لم يتغير في النظامين، القديم والجديد. وقهر الوطني أولي من قهر الأجنبي إذا كان من القهر بُد. بل لقد بدأ الحنين إلي النظام السابق، والترحم علي أيامه. كان الغذاء موفورا للجميع، والعلاج في مقدور الجميع، والتعليم قائم، والجامعات مفتوحة، والمكتبات عامرة، والمتاحف مصانة بالرغم من الحصار. والآن الجوع قاسم مشترك بين الناس، ينقصها الدواء، والتعليم يترنح، والجامعات تعاني، والمكتبات مازالت خاوية، والمتاحف تحت الإعمار. وعراق التاريخ أفضل من عراق بلا تاريخ. كان العمل موفورا للجميع. الرزق متاح، والرواتب مكفولة، بالرغم من الحصار وغلاء الأسعار، والتضخم، وانهيار الدينار. والآن تعم البطالة. ويتحول العاطلون إلي جماعات للجريمة المنظمة في مجتمع أصبح فيه العنف الخارجي والداخلي عادة متبعة ووسيلة لتحقيق الأغراض بما في ذلك توفير الخبز. انتهي الوطن وجاع المواطن. وضاعت الدولة فعري الناس. كانت كرامة المواطن محفوظة باستثناء الخوف. وكان الأمن في الطرقات العامة مستتبا، والشرطة في كل مكان لأمن المواطن وأمن الدولة علي حد سواء. ثم تم انتهاكها من جنود الاحتلال كما كانت تنتهك من شرطة النظام. تفتح المنازل عنوة، ويقبض علي الرجال بل وتغتصب النساء طبقا للتقارير الأمريكية عن حالة الأمن. ويُضرب الشباب، ويُداسون بالأقدام تحت ذريعة الانضمام إلي المقاومة. انتهكت كرامة الوطن، وضاعت كرامة المواطن. نموذج للتنمية كان العراق مصنّعا، معمّرا، نموذجا للتنمية عند كثير من المراقبين. نفطه لأهله من أجل التنمية بالرغم من الحصار. ثم أصبح العراق خرابا في حاجة إلي إعمار. وتتقدم الشركات الأمريكية والأجنبية لعقود الإعمار، كل دولة حسب مساهمتها في التخريب. من ضرب أكثر يعمّر أكثر. ومن آثر الشرعية الدولية فلا تثريب عليه ولكن فليتحمل وزره، فلا نصيب له في عقود الإعمار. كان العراق وطنا موحدا باستثناء قضية الأكراد التي كانت في طريق الحل عن طريق الحكم الذاتي أو الإدارة الذاتية داخل العراق الموحد مع قدر كبير من اللامركزية. وهو متفق مع الرؤية الوطنية والموقف الإسلامي. ثم أصبح العراق مهددا بالتجزئة والتفتيت بين سنة وشيعة وأكراد وتركمان. ثم يأتي الدور علي سوريا حتي تصبح إسرائيل أقوي دولة طائفية عرقية في المنطقة. تأخذ شرعية جديدة من الجغرافيا السياسية للمنطقة، بدلا من الشرعية القديمة القائمة علي أساطير العودة والشعب المختار وأرض المعاد التي أعطاها لها هرتزل في أواخر القرن التاسع عشر والتي لم يعد يصدقها أحد. كانت إسرائيل تخاف من أسلحة الدمار الشامل، صدقا أو كذبا، والتي تروج حول العراق. وقد أطلقت عدة صواريخ سكود عليها لأول مرة في تاريخها في حرب الخليج الثانية عام 1991. وتتحيّن الفرصة للرد والانتقام. ثم لم يعد العراق يخيف أحدا. بل عاد بعض اليهود العراقيين للبحث عن ممتلكاتهم وهو ما لم يُسمح به للفلسطينيين الذين أجبروا علي ترك الديار. بل وتشتري إسرائيل أراضي في شمال العراق من أجل توطين اليهود الأكراد. ونقل عن أن شارون هو أول من رأي الرئيس العراقي في الأسر كي يشفي الغليل. إن تغيير النظام الفعلي في العراق لا يتم بإحلال نظام محل نظام، نظام عراقي بنظام أمريكي وكلاهما قاهر، يعاني منهما شعب العراق. بل يتم خلق نظام جديد ديمقراطي تعددي حر يحفظ للوطن وحدته، وللعراقيين كرامتهم، ويضمن لهم ثرواتهم من أجل إعمار البلاد. فعيش فيه المواطنون في أمن وسلام. ويكون البوابة الشرقية للأمن العربي. ويُكوّن جبهة شمالية مع سوريا وإيران، عمقا استراتيجيا للوطن العربي من أجل حشد القوي لصالح معركة العرب الأولي في فلسطين. إن تغيير النظام في العراق لا يكون في الشكل بل في المضمون، ولا في العرَض بل في الجوهر، ولا في اسم الحاكم أو ألقابه بل في بنية العراق السياسية، من حكم الفرد إلي حكم الشعب، ومن حكم القبيلة والعشيرة إلي حكم الدولة والوطن. وهو ما لا يأتي بتغيير رأس النظام بل بتغيير مسار التاريخ. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1766 --- Date 25/3/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1766 --- التاريخ 2004 - 3 - 25 AZP07 HSHN |