|
|
شكسبير أمريكا اللاتينية - نبيل سليمان (كمن يفتش عن أسلوبه/ أكتب شعراً/ مغضناً كالرمل، وصافياً كنور الشمس/ بارداً كالموجة المعقوصة، عادياً/ كبهلوان علي ماء الجزيرة/ بعدها، مثل كاتب يوميات أتذوق/ جوانبها ــ الجزيرة/ بالملح الملازم). تلك واحدة من رؤي الشاعر ديريك والكوت (1930 ــ ...) لشعره، وهو الذي ردد النقاد أنه (شكسبير أمريكا اللاتينية)، وعرّف به وقدم مختارات من شعره المترجم المصري المعروف محمد عيد إبراهيم. عام 1992 ــ بعد مرور خمسماية عام علي فتح أمريكا ــ منحت الأكاديمية السويدية جائزة نوبل لديريك والكوت (لكونه ــ شاعراً من الهند الغربية، تمتزج في عروقه الدماء الإفريقية بالأوربية، فطبع ذلك شعره بنمط حساس وحزين، كما يصنف في قصائده تأريخاً لبيئته الثقافية، لكن يبدو مع ذلك كأنه يتحدث إلينا جميعاً ومع كل واحد منا). وإلي هذا الذي كتبه محمد عيد إبراهيم في مقدمته لما اختار من أشعار والكوت، يعرفنا بنشأة وسيرورة الشاعر من جزيرة سانت لوشيا إلي جامايكا إلي ترينداد، من الجدتين العبدتين والجدين الإنجليزيين إلي الأب الرسام البوهيمي وأمه المعلمة، إلي الناقد الأدبي والفني والأستاذ الجامعي، إلي الشاعر الذي أصدر ديوانه الأول ( 25 قصيدة) وهو في الثامنة عشرة، وكان عليه أن يكابد حتي بلغ الثانية والثلاثين، ليصدر ديوانه الرابع (في ليلة خضراء) عام 1962، فتضيئ نجمته ويؤسس لشاعريته. من هذا الديوان يندفق الوله الحار بالطبيعة، عبر الصور الفريدة، كأن نري في قصيدة (جون في الطريق إلي بتموس) الفضة المنتثرة في الموج، وشعر الغابة الأشعث، والأثداء المستديرة للخلجان اللبنية، والسماء مبذورة قليلاً وهي تشعل الليل، والشمس عملة نحاس علي الخد.. ومن ذلك أيضاً في قصيدة (مدينة تموت بالحريق) ذلك الظل المتسع كفقدان ذاكرة في مساء يُعتِمُ العقل، وتلك الشجرة:شجرةُ نفايةِ بصمةٍ كاملة.. في هذه القصيدة نفسها تأتي الحكاية كعلامة فارقة لشعرية شكسبير أمريكا اللاتينية، حيث يقول هذا الذي يدرك سر السردية في الشعر (.. أردت/ أن أحكي، أفضل من شمعة، عن إيمان/ مختطف كبرق/ سرت طول اليوم بكل اتجاه بين حكايات مبعثرة). فبالحكاية، بالسردية الشعرية، يؤرخ الشاعر لأسرته وأصدقائه وغرامياته وغربته كهندي ملوّن، وتتعزز رؤيته التي ابتدأنا بها لشعره، ومن ذلك، من ديوان (منتصف الصيف ــ 1984) قصيدة (جوجان) التي يرسم فيها المهاجرين غير الشرعيين، حيث الأشياء أمريكية، و(هذا الرذاذ الهابط الآن مطر أمريكي، نجوم مخيطة في الرمل)، وحيث (علي أرصفة (بابيت) مستعمرون بيض بطيئون/ يشربون مع بغايا جِلدُهنّ من نحاس عملاتٍ/ موهومٍ، ويرقبون جلود النور والظل البرية).. هنا تأتي حكاية (عبدول) السوري المهاجر:(كان سوري هناك، بدراجة، في مدينتنا/ لا أعرف إن كان سورياً أو آشورياً). والشاعر يكتب أنه كان لابد له من أن يسأل ذلك السوري عن نماذج الطير التي تهاجر بالآرامية، ثم (ثم بان سوريان آخران، كانوا ثلاثتهم يتشاركون بمحل/ وينامون خلفه، بعد ذلك يافطة ، باسمٍ بدا لنا هزلياً، له جناحان خرافيان/ ولحيةٌ مُجَرَّفَةٌ مدهونة معقوصة:عبدول/ عندي أنه هناك 70000 آشوري، كلهم يعيشون/ في غرفة حارة معتمة، يبغبغون بلكنة صوتُها/ منه أسودٌ مجنحة/ وطيور تقاطع الحائط). من الحكاية والسيرة واليومي، تنتسج شعرية ديريك والكوت، كما تنتسج من صرخته: (كيف أختار/ بين إفريقيا هذه واللسان الإنجليزي الذي أعشقه؟) ومن هجسه بوحدة المصير البشري ــ كما يكتب محمد عيد إبراهيم ــ في عالم جديد افتتحه آدم، وهو الذي يوقف لآدم في ديوان (أعناب البحر ــ 1976) قصيدة (عالم جديد) وقصيدة (نشيد آدم). وهنا يأتي التاريخ إلي ما تنسجه شعرية والكوت، ابتداءً بزيث ثقيل كالهيولي ونور في نهاية الأفق، ابتداءً بفلك نوح، ابتداءً بضحكة خافتة لصخرة، حيث كان صوت هناك (مثل الشائعة، دون أدني صدي/ لتاريخ بدأ بحق( كما كتبت قصيدة (البحر هو التاريخ) من ديوان (ملكوت التفاحة، النجمة ــ 1979). وقد يضيء هذه الجبلّة من الشعر والتاريخ، من الذاتي ومن الكوني، هذا الذي كتبته قصيدة (أسماء):(تبدأ سلالتي حيث يبدأ البحر/ بلا أسماء، من غير أفق/ بمجاذيف تحت لساني/ بموقع مختلف علي النجوم/ لكنها سلالتي هنا والآن/ في زيت حزين من عيون شرقية/ بأعلام الهنود في الحقل/ بدأتُ بلا ذكري/ بدأت بلا غد/ لكني أفتش عن مثل هذه اللحظة/ والعقل يشطره الأفق/ لم أجدها أبداً هذه اللحظة/ والعقل يشطره الأفق). إنه ذلك الشاعر ــ يكتب محمد عيد إبراهيم ــ الذي يري الشر متمركزاً في العالم علي شكل طاغوت سياسي أو بغضٍ متطرف، ذلك الشاعر المهجوس بالكتابة عن السود، عن اللغة المحلية، عن ثقافة الكهانة.. ولقد عزز محمد عيد إبراهيم بما كتب عن هذا الشاعر، وبما ترجم له، ما يرفد به المكتبة العربية ــ وهو الشاعر الذي أصدر ست مجموعات أيضاًَ بين عامي 1980 و2000 ــ ومنه (قصائد حب) لآن سكستون ومجموعتان لسودرجران، فضلاً عما ترجم من القصة والنقد والرواية، ومنه ما هو قيد الطبع: رواية كننغهام (الساعات) ورواية توني موريسون (غرام). وبمثل ذلك يكون التلاقح الحضاري كما جسده شكسبير أمريكا اللاتينية من نسيج الحضارات الهندية والإفريقية والأوروبية، يحدوه الحلم بغدٍ تنتفي فيه الهيمنة، فنغني معه مما كتب في (حب بعد حب):(يأتي زمان/ تحيّي فيه نفسك/ عند بابك، ففي مرآتك/ وكل منكما يبتسم لتحية الآخر/ سوف تعشق الغريب الذي هو ذاتك ، الغريب الذي أحبك طول عمرك/... قشّرْ صوتك عن المرآة واجلس:/ عيد علي حياتك). AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1766 --- Date 25/3/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1766 --- التاريخ 2004 - 3 - 25 AZP09 AYMK NBSL |