مقالات سياسية - حسن حنفي - مفكر من مصر
- مفكر من مصر
- هل يتمكن العرب من اتخاذ قرار عملي واحد علي طريق الاصلاح؟

يعقد في اذار (مارس) من كل عام العرس العربي علي مستوي القمة. والعرب ينتظرون تحقيق أمانيهم. وقد كان أقصي مطالب الشقيقة الكبري عقد مؤتمر القمة في موعده أسوة بمؤتمرات القمة في الغرب والشرق بصرف النظر عن الموضوع واحتمالات الاتفاق والاختلاف. فالتأجيل يسقط من العرب ورقة التوت الأخيرة، والأمل الوحيد في لم الشمل وتوحيد الكلمة. والنظام العربي في حاجة إلي شرعية إعلامية في الخارج للتذكير بدور العرب في نظام العالم، وفي الداخل في الرأي العام العربي. فتحرك العرب مازال مشاهدا درءا لتهمة التحرك في المكان وخروج العرب عن مسار الأحداث وقلب الزمن.
وهو عرس سنوي حتي ولو لم يتم الزفاف الفعلي من أجل إنتاج جيل جديد من الأطفال العرب يكونون أقدر من الآباء والأجداد علي حمل الأمانة وتحقيق أماني العرب في الحرية والاشتراكية والوحدة بعد أن بدأت هجمة جديدة من الاستعمار التقليدي بالاحتلال المباشر والحصار والتهديد والتهميش ودون أن تقابلها حركة تحرر عربية ثانية شبيهة بالأولي في الخمسينات والستينات التي قامت بها حركات التحرر الوطني وجبهات التحرير الوطني. ولا يقف أمام الهجمة الاستعمارية الثانية إلا المقاومة الوطنية في فلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان وكشمير وبعض حركات العنف التي تمارسها بعض التنظيمات السرية التي تتهم بالإرهاب من النظم العربية والنظام العالمي بالرغم من استطاعتها إسقاط النظام اليميني في أسبانيا المتحالف مع قوات الاحتلال الأمريكي البريطاني، وإجبار النظام الاشتراكي التالي له علي سحب القوات الأسبانية من العراق في آخر حزيران (يونيو) هذا العام وتسليم السلطة في العراق للعراقيين.
هو عرس مجدب لا يولد شيئا. قد يكرر ما هو معروف سلفا. إذ تعد البيانات قبل عقد مؤتمر القمة، وما علي الرؤساء إلا التوقيع. تتضمن نقاط الاتفاق المعروفة: الدعوة إلي السلام في فلسطين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وتطبيق قرارات الأمم المتحدة واتفاقيات أوسلو ومدريد، ورؤية الرئيس بوش المعظم بإنشاء دولتين في فلسطين وتطبيق خارطة الطريق.

وحدة الأرض
وبند ثان عن العراق واستقلال شعب العراق ووحدة أراضيه وضرورة انسحاب القوات الأجنبية كحل وسط بين قوات الاحتلال وقوات التحالف، مع تسليم السلطة للعراقيين وإقامة حكومة منتخبة تمثل الشعب العراقي.
وقد تأتي فقرة ثالثة عن ضرورة الإصلاح من الداخل بإرادة شعوب المنطقة وليس مفروضا من الخارج ردا علي (مبادرة الشرق الأوسط الكبير) التي انقسم العرب حولها، الجناح الشرقي للوطن العربي لا يرفضها موضوعا ولا شكلا، والجناح الغربي له يرفضها شكلا ويقبلها موضوعا. ويرد عليها بمبادرة عربية أخري مشابهة في المضمون وإن اختلفت في الشكل، بإرادة خارجية أم بإرادة داخلية، مفروضة من الخارج تحت أسنة الرماح وجنازير الدبابات والتهديد أم تلبية لمطالب الشعوب بضرورة التحرك نحو الإصلاح، ونظم الحكم الديموقراطية وحريات الأفراد، واستقلال المؤسسات، وتداول السلطة، وتقوية المجتمع المدني.
ويعقد مؤتمر القمة كنوع من الإحراج أمام الشعوب، فقد قرر الرؤساء عقد القمة في موعدها كل عام. وهم مجبرون علي تنفيذ الوعود. وتردد إحدي الدول مرة في الجناح الشرقي بأن ظروفها غير مناسبة فتعقد في القاهرة. وتتردد دولة أخري في الجناح الغربي عليها الدور لولا الضغوط الأدبية عليها فتقبل علي مضض. والشقيقة الكبري مستعدة دائما لعقدها في القلب إذا ما تردد الجناحان الشرقي والغربي حرصا علي دورها المركزي في مواجهة محاولات التهميش من إحدي الشقيقات الصغري أو من القوي الكبري حتي تنتهي قصة العرب بتوقف القلب عن النبض بعد شلل الأطراف.
وهو إحراج أمام الخارج أيضا. إذ ينظر الكل إلي العرب ماذا هم فاعلون ودولتان عربيتان محتلتان، فلسطين والعراق. وثالثة مهددة بفرض العقوبات، ورابعة رضيت بالجزرة خوفا من العصا. تحدي أمريكا للإرادة الدولية واستمرارها في احتلال العراق مازال مستمرا. وتحدي إسرائيل لقرارات المنظمات الدولية بل وللإرادة الأمريكية وخارطة الطريق مازال قائما. فماذا يفعل العرب؟
ولو كان الأمر بيد مؤتمر القمة لما عقد منعا للإحراج الداخلي أمام الشعوب، والإحراج الخارجي أمام الدول. فهو مؤتمر يزيد عدد المؤتمرات السابقة واحدا. ويُعلّق الشعوب بأمل ضعيف حتي ولو كان علي مستوي الكلمات والخطاب في ثقافة الخطاب السياسي أو الديني فيها بديلا عن الواقع وتشابكه.
يعقد المؤتمر حتي لا يقال أن العرب لا يتحركون حتي ولو كان التحرك في المكان لا يمينا ولا يسارا، ولا أماما ولا خلفا. فالعرب يتكلمون ويصدرون البيانات بروح الوفاق، والاجتماع علي الحد الأدني منه، شهادة علي العصر، وإبراء للذمة، وتسجيلا لمواقف علي صفحات التاريخ الخالدة.

اصلاح الجامعة
والشعوب العربية تعرف الحقيقة. يطالبون بإصلاح الجامعة التي تستجيب لمطلب الإصلاح الداخلي، طريقة أخذ القرارات بالإجماع أم الأغلبية، ضرورة إنشاء برلمان عربي أكثر صراحة في التعبير، وأقوي علي نقد الأوضاع دون التقيد بسياسة الحكومات، وإنشاء محكمة عدل عربية حتي لا يعتدي أخ علي أخيه. فالمعتدي يُحاكَم داخل بيت العرب، وفي محكمة العرب بدلا من أن تغزو القوات الأجنبية الأوطان وتقبض علي الزعماء فتُصين الرياسة بعد إهانة الشعوب، وتظل صورة رئيس عربي سابق أشعث الشعر، زائغ النظرات، ذليل القسمات، يلعب في شعره جندي أمريكي، ويكشف عن حلقه وأسنانه بمصباح ضوئي.
وإذا أراد العرب النجاح في مؤتمرات القمة وفي اتخاذ القرارات الفعلية الناجحة فإنهم قادرون علي ذلك. والدليل الاجتماع السنوي لوزراء الداخلية العرب، واتفاقهم علي الأمن الوطني للنظم العربية ضد قوي المعارضة وعناصر الشغب. ويتبادلون المعلومات الأمنية بلا حواجز أو تردد، وتربط شبكات المعلومات عن الخارجين علي النظام حتي يتم تعقبهم في كل قطر عربي باسم الأمن القومي العربي، واحترام النظم العربية بعضها البعض، وتأكيد الوفاق العربي دون ضجة أو ضجيج أو شغب.
وبفضل هذا النجاح الأمني والتحقق الفعلي لتنفيذ بعض مؤتمرات القمة فلماذا لا يقرر العرب رفع الحدود والحواجز الجمركية، وتبادل الصحف والمجلات والكتب بلا رقابة خشية من الكلام؟ لماذا لا توضع بنود (شنجن Schengen) عربي، تلغي تأشيرات الدخول للبلاد العربية والمفروضة علي العرب والوقوف بالأيام أمام سفاراتها في العواصم العربية؟ فالموافقة لابد أن تأتي من المركز في الوطن الأم وليس من السفارة أو القنصلية. ومن شروطها الكفيل أو الوصي أو الدعوة أو الزيارة، ومعرفة هل طالب التأشيرة من المعارضين للنظام العربي الآتي إليه أم من الموافقين أو الصامتين، وهو أضعف الإيمان. لماذا لا يتحرك العرب في أوطانهم بلا شرطة توقفهم أو جوازات وهجرة تطالبهم بالتصريح؟ إن الأجنبي الآتي، الأوروبي والأمريكي أو حتي الإسرائيلي، في بعض البلدان يدخل المطارات العربية بتأشيرة يأخذها من المطار بعد دفع رسوم طابع يلصق علي جواز سفره دون بحث في ملفات الأمن لعله يكون جاسوسا. والعربي الآن بتأشيرة (شنجن) أوروبية واحدة يستطيع أن يجول في أكثر من عشرين دولية أوروبية. والعرب يتوقون للحاق بالاتحاد الأوروبي ولا يأخذون بأفعاله في حرية التنقل بين الدول. كما يتوق العرب إلي حرية انتقال الجرائد والمطبوعات والمجلات والكتب دون رقابة. فوحدة العرب في وحدة الثقافة. بل وترفع الحواجز الجمركية أيضا علي البضائع العربية تنفيذا لأحد بنود السوق العربية المشتركة منذ أكثر من نصف قرن كسوق إقليمي في مواجهة الأسواق الإقليمية المجاورة في أوروبا وآسيا.
إن خطوة عملية واحدة يشعر بها العرب بعد اجتماعات مؤتمرات القمة أنها حققت عروبتهم في الحرية والتنقل، وفي الرزق والعمل، وفي الإحساس بالوطن الواحد بلا حدود لأفضل من عشرات البيانات المكررة والمعادة والتي عرفها العرب قبل سماعها. إن تغييرا فعليا واحدا علي الأرض خير من عشرات البيانات المعادة المكررة التي أصبحت موضوعا للتندر بين المواطنين، عامة ونخبة.

بداية مؤتمزات القمة
لقد كانت البداية لعقد مؤتمرات القمة في الستينات عندما دعا لها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ضد محاولات إسرائيل تغيير مجري نهر الأردن. كانت الغاية عملية وليست نظرية، من أجل توحيد الجهود علي الفعل وليس علي القول. ثم أصبح الهدف منها حقن الدماء بين العرب وإيقاف الصراع بين النظم التقدمية والنظم الرجعية حتي لا يتدخل الأجنبي بينهم لمساعدة هذا الفريق أو ذاك، وتحقيقا للوفاق العربي. ثم كان الهدف الدفاع عن القضية الفلسطينية واعتبار منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتشكيل لجنة القدس حماية لها من التهويد واستردادا لها كجزء من الأراضي المحتلة وعاصمة دولة فلسطين المستقلة. ثم انفرط العقد بعد كامب ديفيد التي فرقت العرب وجعلت مصر وحيدة في السلام كما كانت شبه وحيدة في الحرب. وكان عبد الناصر يقول لو كانت المشكلة سيناء لاستردها في أربع وعشرين ساعة ولكن عينه علي الضفة والقدس والقطاع. وهي مازالت ترزخ تحت الاحتلال حتي الآن. ولم تكن حرب تشرين الاول (أكتوبر) 1973 آخر الحروب بل إشارة الانطلاق للعدوان الصهيوني المستمر علي العرب بضرب المفاعل النووي العراقي، واغتيال أبي جهاد، وغزو جنوب لبنان، والعدوان المستمر علي شعب فلسطين للعام الرابع منذ 28 ايلول (سبتمبر) 2000، وهو تاريخ لم يعد أحد يذكره وهو أحد معالم تاريخ العربي الحديث. في حين يُذكر باستمرار 11 ايلول (سبتمبر) 2001 بعد أن أصبح التاريخ الأمريكي هو تاريخ كل الشعوب.
فهل يمكن لمؤتمر القمة اليوم أن يعود إلي قراراته العملية واتخاذ قرار عملي واحد علي طريق الوحدة والإصلاح بإلغاء تأشيرات الدخول علي المواطنين العرب وهم يعبرون الحدود حتي يشعرون أنهم في وطن واحد؟ وبعد المواطنين تأتي المطبوعات بعد توحيد القنوات الفضائية مثل الجزيرة والعربية الأوطان وعبور الأفكار السياسية من أقصي المشرق إلي أقصي المغرب. وبعد المواطنين والمطبوعات تأتي المصنوعات تحقيقا للسوق العربية المشتركة بجهود المواطنين دون انتظار للجان التنسيق. وإذا كان الغرب قد أقام مشروع حداثته علي الفكر والمعرفة (أنا أفكر فأنا إذن موجود) فإن العرب يستطيعون إقامة مشروع حداثتهم علي العمل والفعل (وقل اعملوا فسيري الله عملكم ورسوله والمؤمنون) وكما نادي النبي (يا قوم اعملوا علي مكانتكم اني عامل).

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1763 --- Date 22/3/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1763 --- التاريخ 2004 - 3 - 22

AZP07
HSHN