|
|
أغنية (حّّلوا عنا) - نبيل سليمان يروي جاك مايلز في كتابه (سيرة الله ـــ 1996) أن ابنته كاتلين كانت تغني ورفاقها وهي في التاسعة: أمي دكتورة وأبي جاسوس وأنا التافه الصغير بصاص عند الـــ F. B. I وتذكّر أغنية البنت أباها بما كان يسمع أهل شيكاغو ـــ وهو في الرابعة عشرة ـــ يرددونه من شعر جيمس جويس: أمي يهودية وأبي عصفور وأنا أكبر مشبوه في كل الدنيا إلي الكثيرين والقليلات من عتاة المثقفين والساسة العرب، ممن أخذتهم الأمركة أو الأسرلة أو اليأس مما نحن فيه أو التعلق بمعجزة للخروج مما نحن فيه، إلي أولاء الذين يزعقون في الفضائيات والصحف والمؤتمرات، سأغني بصوتي الناشز أغنيتي جاك مايلز وابنته. أما جاك مايلز ـــ لمن لا يعلم ـــ فهو الكاتب والصحفي الذي يعيش في كاليفورنيا ويدرس في جامعتها، والذي درس الديانات الشرقية في هارفارد. وفي كتابه الاستثنائي (سيرة الله) يكتب مايلز سيرة الإله اليهودي المسيحي كما جاءت في التوراة والإنجيل، ومنها أن الرب عندما أوشك أن يصير إلهاً للموت، كما لم يكن منذ الطوفان، أعلن أن كل من ليس معه بصراحة، هو واحد من أعدائه. وهذا ما يذكّرنا بالقول الشائع بيننا: من ليس معنا فهو ضدنا. لكن الأهم أن ما كتبه مايلز يصحّ في حالة الرئيس الأمريكي بوش الابن، وهو يصير إلهاً للموت كما لم يكن منذ مقتلة الهنود الحمر ـــ أو منذ المقتلة الفيتنامية أو منذ المقتلة التشيلية أو منذ... ـــ إذ أعلن أن كل من ليس معه بصراحة، هو واحد من أعدائه. ولست أعني هنا فقط حربه المقدسة ضد الإرهاب ـــ بالطبع هو لا يعني إرهاب إسرائيل وإرهاب الديكتاتوريات ـــ بل أعني أيضاً معجزته للخروج مما نحن فيه، أي مشروعه لإحلال الديمقراطية في ربوعنا المثخنة بجراح الديكتاتورية والأمركة والأسرلة والأصولية أياً كانت. (2) من أمريكا يحمل الشاعرُ المصري عبد المنعم رمضان علي جناح قصيدة الشاعرَ الأمريكي والت وايتمان إلي بغداد هذه الأيام، فنقرأ: أخيراً علي طرف دبابة يجلس والت وايتمان أخيراً يتأمل شوارع بغداد ويري الطيور الورقية ويفكر كيف أقام البناءون قصر الخلافة وكيف هدمته الطائرات. والشاعر المصري ذو الصوت المتفرد ـــ علي ندرة التفرد في الشعر هذه الأيام ـــ يكتب أن وايتمان قبل رحلته البغدادية قابل لوركا في كاتدرائية في نيويورك، وفي نيويورك قابل المتنبي خلف تمثال الحرية. ويكتب عبد المنعم رمضان عن والت وايتمان الذي يبحث عن محبوب يشبهه، وعن هؤلاء الذين يلاقون بحثه: الرئيس الأمريكي قال له: ابحث بين الطيارين. البابا قال له: ابحث بين الملائكة. زوجة الرئيس ابتسمت وأخرجت فمها من الصورة وزير الدفاع أخبره أن الأرض واسعة سوداء إزاء ذلك لا يندهش وايتمان، ويمضي إلي بغداد، يجلس القرفصاء أمام أبي نواس والجواهري والرصافي: لا يسأل عن نازك الملائكة يمرّ تحت تمثال بدر شاكر السياب ولا يتوقف يرتجف ولا يجد الأوراق التي قرأها طوال عمره يرتجف ولا يحد أحداً من أعدائه وتنتهي رحلة والت وايتمان إلي بغداد هذه الأيام بموته، بينما: أصبح طرف الدبابة التي كان يجلس عليها أصبحت شوارع بغداد أصبحت الطيور الورقية أحذية سوداء أضيق من أقدام الجنود. وبينما يهتف الشاعر المصري بالشاعر الأمريكي (قم من الموت يا والت) يسوطه هذا السوط: حلّوا عنّا، فيحتمي الشاعر المصري بالشاعر الأمريكي، ويرتدّ السوط، ظناً من صاحبه أن والت وايتمان واحد من رسل الرئيس الأمريكي المبشرين بالديمقراطية والرخاء. أما أنا، فسأغني عندئذٍ لصاحب السوط، بصوتي الناشز، أغنية كاتلين جاك مايلز، وأغنية جاك مايلز، ثم أسوطه: حلّوا عنا. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1760 --- Date 18/3/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1760 --- التاريخ 2004 - 3 - 18 AZP09 AYMK NBSL |