|
|
شــــهد - نبيل سليمان هذه امرأة سمتها أختها (شهد المطر)، وسمتها (السوسن البري)، وسمتها ليانة بدر (شهد الصمدي) في روايتها (بوصلة من أجل عباد الشمس). استشهد والد شهد وهي طفلة، ودرست في مدرسة الأيتام الداخلية، ثم في معهد المعلمات في عمان، وكبرت علي توزيع المنشورات ولصقها علي الجدران، تقرأ كتب الفلسفة الثورية وتشارك في المعسكرات الطلابية وفي المهمات القتالية، وتغدو مدرسة للغة الإنكليزية في واحدة من مدارس الغوث، تحرض تلميذاتها علي الثورة، وتُعاقَب بالفصل من المدرسة ومن الأعمال التالية التي تقلبت فيها، وبالسجن جراء نشاطها السياسي. هذه المرأة الشفافة ذات الحساسية المفرطة، والتي حسبت نفسها سوبرمان ثوري، واستشهد حبيبها أمامها، هذه المرأة هي شهد الرواية. وشهد الرواية هي أيضاً تلك المرأة التي بدت لغزاً في الصفحات الأولي من رواية جبرا إبراهيم جبرا (البحث عن وليد مسعود). إنها الشابة البغدادية والبورجوازية المثقفة، ابنة الوزير السابق والموظفة في المصرف العربي وذات الميول الأدبية. إنها وصال رؤوف التي سماها وليد مسعود (شهد) لأنها كالشهد عذبة وشهية، ووجهها المشرق أبداً كالجوهرة، كتفاح المجانين. وبذلك الكهل الفلسطيني المنفي المثقف الشهير (وليد مسعود) رأت شهد الرجل المثالي منذ بلغت العشرين، ولذّ لها صيد صديق والدها هذا، فتغيرت نظرتها لذاتها وللعالم: "كنت أعي نفسي كشيء منفصل، كشيء ينفعل بقوي خارجة عنه، ولا يندمج فيها. أما مع وليد فقد جاءني ذلك الكشف الغريب بأني أندمج، أصير، أتداخل وأعود وأنا غير ما كنته قبل ذلك". يصدم المرأة اختفاءُ وليد مسعود، فتبدأ رحلة البحث عنه من فضاء أعماقها إلي فضاء بيروت وعمان. ومن أجله تلتحق بالمقاومة في المخيم الذي صار قاعدة فدائية، فتري نفسها قد آبت إلي جوهر الأشياء المنسي. لكن للرواية شهداً أخري. إنها تلك المرأة العُمانية التي ملأت رواية صنع الله إبراهيم (وردة). ووردة هو الاسم الحركي لشهد، حين التحقت بظفار، وسعي الراوي خلف أوراقها من بيروت إلي ظفار، حتي قدمها له واحد من رفاقها الثوار القدامي الذي لم يبدل جلده. ثلاث نساء إذن هنّ, يحملن اسم شهد في ثلاث روايات. أما شهد الرابعة فهي شهد خيري التي فتنتني في رواية (سمر الليالي), فاختارت اسمها في الوقت الذي انكتبت فيه شهد ـ وردة عام 2000، وبعد سنوات من ظهور شهد الصمدي أو شهد ـ وصال. وربما كان الافتتان بشهد خيري لأنها الناشطة السورية من أجل حقوق الإنسان، أو لأنها عاشت في السجن السياسي ـ الجنائي تجربتها الكاوية، أو لأنها أحبت مصطفي، أو لأنها كل ذلك، أو لأنها أولاً وأخيراً تلك المرأة الشهد. أربع نساء يحملن الاسم نفسه في أربع روايات. والاسم في الرواية إما أن يعين علي تحقق فردانية الشخصية، أو إنه ينمّطها، والكتابة ترجّحه بين الوظيفة الاستعمالية والوظيفة الدلالية، وهو: أمير الدوال الذي شغل النقاد والمفكرين منذ سعي الفلاسفة والروائيين إلي قدر أكبر من الاهتمام بالفرداني. وكما كتب إيان واط في كتابه (نشوء الرواية) ارتبطت مشكلة الذاتية الفردانية بالمنزلة المعرفية للأسماء، لأن الأسماء ـ بحسب هوبز ـ تستحضر في الذهن شيئاً واحداً ليس إلا، في حين أن الكليات تستحضر شيئاً واحداً من عدة أشياء. قبل الرواية ـ يضيف واط ـ كانت أسماء الشخصيات ترشح بأن الكاتب غير مهموم بالكينونة المتفردة لها. وكانت الأسماء التاريخية أو الرمزية هي المفضلة، مما يلف الشخصية بتوقعات منبثقة من الماضي، لا من الحاضر. كانت الأسماء لا شخصية، لكنها، مع الرواية، بدأت توحي بما يكونها فرداً في الحاضر، فما الذي تحقق لشهد الصمدي أو لشهد ـ وصال أو لشهد ـ وردة من ذلك؟ سأدع السؤال لسواي، لأن السؤال عما تحقق لشهد خيري من ذلك، ما فتئ يشغلني، علي الرغم من مرور ثلاث سنوات وأربعة وأشهر علي صدور (سمر الليالي)، وعلي مرور ثلاث سنوات علي ما أصابني، بسببها، إلي أن يثبت خلاف ذلك. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1754 --- Date 11/3/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1754 --- التاريخ 2004 - 3 - 11 AZP09 AYMK NBSL |