مقالات سياسية - حسن حنفي - مفكر من مصر
- تطبيق الشريعة ووحدة الأوطان
- تجانس الهوية والثقافة يفتح الطريق أمام وحدة الشعوب

نظرا لاتساع رقعة العالم الإسلامي وتمدده من البؤرة في شبه الجزيرة العربية إلي الأطراف في أفريقيا وآسيا، ونظرا لتوقف المد الأول بعد أن انتشر الإسلام في الفتوحات الأولي، وبرد الدافع الحيوي، واستمر في الانتشار علي وتيرة أبطأ وبحركته الذاتية بدأت التعددية الثقافية في الانتشار أيضا بين الشمال والجنوب أو بين الشرق والغرب فنشأت دول في أفريقيا أتاها الإسلام من الشمال فأصبح شمالها مسلمين وجنوبها أفارقة أو مسيحيين مثل السودان وتشاد ومالي ونيجيريا وبلاد أخري في أفريقيا الوسطي أو أفريقيا جنوب الصحراء.
ونشأت دول أخري أتاها المسلمون من الجنوب فأصبح جنوبها مسلمين وشمالها أسيويين ذوي ثقافات آسيوية، هندوكية أو بوذية أو كونفوشوسية مثل ماليزيا واندونيسيا والمسلمون فيها أغلبية، والفلبين وبلدان الهند الصينية، بورما وتايلاند، والمسلمون فيها أقلية. وبعض البلدان أتاها الإسلام من الغرب مثل إقليم سنكيانج غرب الصين أغلبيته مسلمون والأقلية بوذية أو كونفوشوسية. وبلدان أخري أتاها الإسلام من الشرق مثل جنوب أفريقيا حول دوربان وكيب تاون، والمسلمون فيها أقلية، والأغلبية أفريقية مسيحية. وفي بعض البلدان الأخري أتاها الإسلام من الشرق مثل دول البلقان وأوروبا الشرقية. تحول فيها الإسلام إلي قومية مثل باقي القوميات الصربية والكرواتية. ثم انتشر الإسلام في القارات الثلاث إما بفعل الهجرات في أوروبا وأمريكا واستراليا أو بفعل تحول سكانها إلي الإسلام علي اختلاف أجناسهم وألوانهم. فنشأت أقليات إسلامية تتمسك بشعائر دينها مثل الحجاب. فيقع توتر بين الهوية الإسلامية المحافظة للأقليات والهوية العلمانية الحديثة للأغلبية فتقع بعض الفتن مثل فتنة الحجاب الأخيرة في فرنسا بعد تصارع الهويتين والشرعيتين، وكلاهما صحيح. ويصبح الأمر أكثر خطورة عندما تتحول الهوية الدينية والثقافية إلي كيانات سياسية تهدد بتمزيق الدول إلي شمال وجنوب أو إلي شرق وغرب.

تطبيق الشريعة الإسلامية
ويصبح الأمر أكثر خطورة في الدول الأفريقية التي فيها المسلمون أكثرية في الشمال، أقلية في الجنوب عندما تظهر دعوات تطبيق الشريعة الإسلامية حتي لو كانت النتيجة تهديد وحدة الأوطان. ووحدة الأوطان طبقا لفقه الأولويات مقدم علي تطبيق الشريعة. فالدعوة إلي تطبيق الشريعة في مثل هذه الحالة إنما يعطي الأولوية لتطبيق الشريعة علي وحدة الأوطان مما يسبب الأضرار أكثر مما يحقق المنافع، أضرار الانفصال وتمزيق الوطن. وتطبيق الشريعة لا يكون إلا في وطن متجانس في الهوية والثقافة حتي لا يحدث تصادم بين الشريعة للمسلمين والقوانين المدنية لمجموع المواطنين خاصة فيما يتعلق بقانون الأحوال المدنية والحريات الشخصية. وغالبا ما تظهر هذه الدعوات لتطبيق الشريعة في مثل هذه الأحوال صراعا علي السلطة السياسية أو حفاظا عليها من الانقلاب عليها، استئثارا بها من دون مشاركة غير المسلمين، وهو أحد مظاهر التسلط باسم الشريعة، والقهر باسم الدين، وكما يحدث في باقي البلدان الإسلامية التي كلها مسلمون. ويُدعّم أعداء المسلمين والراغبين في تجزئة الأمة وفصل المسلمين عن محيطهم الطبيعي ووضعهم في جيتو إسلامي هذه الدعوة حتي يسهل التبشير بدين آخر باسم الدفاع عن حرية المواطنين وحقوق الإنسان ومقاومة القهر والتسلط. فيُساء إلي الإسلام كما تسيء إليه دعوات تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد الإسلامية حين يكون القصد منها التخويف والردع وإيقاف الحراك الاجتماعي، وتكفير الخصوم السياسيين. بل إن الدعوات إلي تطبيق الشريعة الإسلامية تظل قائمة حتي لو أدت إلي حروب أهلية بين الشمال والجنوب، وسقوط المئات من الضحايا والشهداء فتخرق الشريعة الإسلامية لعدم الحفاظ علي الحياة. وإن خطأ المسلمين في عزلتهم وانفصالهم تحت دعاوي الفقه القديمة، والتمييز بين دار الإيمان ودار الكفر، ودار الإسلام ودار الحرب، تضحية بالمواطنة، وعزلا للإسلام في حدود المسلمين، مع أنه قيمة عامة للمسلمين وغير المسلمين. وقد قسمت إنجلترا الهند إلي دولتين هندية وإسلامية من أجل حصار الإسلام داخل الحدود، وعدم إكمال انتشاره في شبه القارة الهندية. وأقام الحكم العنصري في جنوب أفريقيا سياسته علي الانفصال والعزلة بين الطوائف لحصار كل منها داخل حدوده الثقافية والعرقية والدينية. وهو ما تفعله إسرائيل اليوم ببناء الجدار العنصري العازل. فالإسلام كالسمك في الماء لا يمكن إخراجه أو عزله عن محيط أوسع يتحرك فيه.

لواء التعريب
ولما كان الإسلام حاملا للتعريب فإن خطأ المسلمين أيضا هو عدم حملهم لواء التعريب في جنوب البلدان الأفريقية. فاللغة وعاء للثقافة. إن العروبة ليست شرط وجود بل هي شرط كمال. والمسلمون في آسيا في تركيا وإيران وماليزيا واندونيسيا والهند وأواسط آسيا يتبركون بالعروبة قدر إيمانهم بالإسلام. والعربية لغة الأشراف، لغة العلم، ولغة النسب والقرابة.
بل إن المسلمين هم المسؤولون عن عدم تنمية الجنوب واعتبار غير المسلمين فيه من الأغيار. ومصالح الناس يكفلها الشرع لكل من يعيش في كنف الإسلام في جواره أو في حماه. وليس النموذج هو اقتسام السلطة واقتسام الثورة. فهذه نظرة تجزيئية تقوم علي قسمة طائفية وعرقية بل بيت المال للكل بصرف النظر عن الانتماء الطائفي والعرقي. وكل من يعيش في كنف المسلمين له حق في بيت مال المسلمين.

الشريعة مقاصد
وتطبيق الشريعة الإسلامية ولا شك أحد مظاهر الهوية الإسلامية. وفي البلدان التي غالبيتها مسلمون مثل ماليزيا واندونيسيا فلا إشكال هناك في تطبيق الشريعة الإسلامية علي المسلمين من دون غير المسلمين الذين يحفظ الإسلام لهم هوياتهم وشرائعهم ولغاتهم وعاداتهم وتقاليدهم. بل إن المسلم إذا أراق خمر الكتابي فعليه الدية والتعويض طبقا لحديث (من آذي ذميا فقد آذاني). أما في البلدان التي يكون فيها المسلمون أقلية فإن عليهم طاعة قوانين البلاد. فهم مواطنون قبل أن يكونوا مسلمين. والشريعة أيضا مقاصد وليست فقط شعائر، وهو حال المسلمين في أوروبا. فلا خلاف بين القانون المدني الحديث في معظم الأحوال وبين مقاصد الشريعة، ووضع الشريعة ابتداء للحفاظ علي الضروريات الخمس، النفس أي الحياة، والعقل أي العلم والدين أي القيمة المطلقة التي يتساوي أمامها الجميع، والعرض أي الكرامة وحقوق الإنسان، والمال أي الثروة الوطنية وليس فقط المال الشخصي. وحسن معاملة المسلم للآخرين عن طريق الاندماج معه من دون الذوبان فيه قد يساعد علي نشر الإسلام بالعمل وليس بالقول، وبحسن المعاشرة وليس بالعنف أو المفاصلة.
لا يعني تطبيق الشريعة الإسلامية فقط تطبيق الحدود. فالحدود لا تأتي إلا في النهاية وليست في البداية. وإعطاء الناس حقوقهم يسبق مطالبتهم بواجباتهم. ولكل مسلم أو غير مسلم يعيش في كنف الإسلام حقه من بيت المال، في الغذاء ضد الجوع، والكساء ضد العري، والإيواء ضد العراء، والعلاج ضد المرض، والعمل ضد البطالة، والتعليم ضد الجهل، والأمن ضد العدوان. فإذا ما تم تحقيق الحاجات الأساسية للناس ثم اعتدي بعضهم علي بعض هنا تأتي الحدود للتذكير بالواجبات بعد إعطاء الحقوق، وللتنبيه علي النقص في الحقوق الذي دفع الناس إلي الإخلال بالواجبات. ومع ذلك فالإسلام جاء هداية لا جباية، ووعدا لا وعيدا وكما أوصي الرسول (ادرءوا الحدود بالشبهات). ولا يطبق الحد إلا إذا توفر الشرط وغاب المانع. والحكم يدور مع العلة وجودا وعدما. إذا حضرت العلة حضر الحكم، وإذا غابت العلة غاب الحكم.

أهل الكتاب
إن أهل الكتاب جزء من الأمة، وفي ذمة المسلمين. حمايتهم والدفاع عنهم أمانة في عنق المسلمين. لهم الحق في المحافظة علي لغاتهم وثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم ودياناتهم وشرائعهم كما نصت علي ذلك صحيفة المدينة، والصحيفة العمرية وعهدته إلي أهل ايلياء. وليس أهل الكتاب فقط هم النصاري واليهود بل هم كل الطوائف والديانات. فعندما سُئل الرسول عن المجوس أجاب بمعاملتهم مثل أهل الكتاب. وأضاف الفقهاء الصابئة والبراهمة. بل وألحق بهم القاضي عبد البر عبدة الأوثان مادامت الطوائف كلها تعيش فيما بينها في سلام ووئام من دون عدوان إحداها علي الأخري. والله هو المطلع علي القلوب، وهو الذي يحاسب الناس يوم القيامة. أما في الدنيا فليس لنا إلا العمل الصالح وحسن المعاملة والتراحم والإخوة بين الناس.
والشريعة واحدة، في التوراة والإنجيل والقرآن. وتعدد الشرائع صياغات متعددة لنفس المقاصد. ولا فرق بين صحف إبراهيم وموسي، والوصايا العشر لموسي، والموعظة علي الجبل لعيسي، ووصايا لقمان لابنه كما رواها القرآن الكريم.
إن تطبيق الشريعة علي غير المسلمين تكليف ما لا يطاق. والدعوة إليه في بلدان متعددة الثقافات والديانات والأعراق مزايدة في الإيمان، وتكبر علي رقاب الناس بدعوي كمال الشريعة وختم النبوة. شريعة من قبلنا جزء من الشريعة الإسلامية. والاستصلاح والاستحسان والاستصحاب والبراءة الأصلية والتحسين والتقبيح العقليان طرق حرة للاستدلال يمكن الاهتداء بها في التشريع. واعتراضات بعض الناس علي بعض أوجه التشريع لسوء فهمها تؤخذ بعين الاعتبار من أجل التمييز بين الشريعة والفقه، والثوابت والمتغيرات، ومقاصد الشريعة وصياغاتها ووسائل تنفيذها في الزمان والمكان.
إن مسؤولية الإسلام السياسي الحديث إعادة الإسلام إلي العالم من أوسع الأبواب بعيدا عن منطق التخويف والردع والتسلط والقهر باسم تطبيق الشريعة الإسلامية من المسلمين علي المسلمين أو من المسلمين علي غير المسلمين. لقد أفتي القدماء أنه لا يجوز تطبيق الشريعة الإسلامية إلا بوجود الإمام أي بوجود السلطة السياسية القادرة علي تطبيق الحدود. وهو رأي تسلطي، يرهن تطبيق الشريعة بالسلطة وليس بتحقيق مصالح الناس. وقد كان بعض أهل الذمة في الأندلس يذهبون إلي القضاء الإسلامي للحكم بينهم لأنه قائم علي العدل والإنصاف والنزاهة، والعدل هو أساس الحكم في السياسة وفي القضاء. وقد كان للخلفاء وزراء من غير المسلمين ليس فقط في وزارات التنفيذ بل أيضا في وزارات التفويض. فالشريعة الإسلامية شريعة وضعية كما وصفها الشاطبي في (الموافقات)، تقوم علي رعاية المصالح العامة، وراسخة فيها. ونحن نصف القانون المدني بأنه قانون وضعي أي من وضع البشر مع أن البشر أهواء وطبقات وإرادات متصارعة. يفرض فيها القوي إرادته وقانونه علي الضعيف، وتفرض فيها الأغلبية قوانينها علي الأقلية باسم الديمقراطية الكمية.

الثوابت والمتغيرات
إن فتح باب الاجتهاد علي مصراعيه رد فعل علي التشبث بالتقليد، والخلط بين الثوابت والمتغيرات، وإصلاح للبيت من الداخل قبل أن يُفرض علينا من الخارج. وهو تفكير بصوت مسموع بدلا من الهمسات والوشايات والحرج حتي لا تضيق الصدور. وقد يساعد ذلك علي درء تهمة غياب الفكر النقدي عند المسلمين وعدم قدرتهم علي دخول عصر الحداثة. وإلا انبهرت النخبة بالقانون المدني الغربي مما يسبب رد فعل الأغلبية للتمسك بالتقليد دفاعا عن الهوية ورفضا للتغريب. فتشق الثقافة الوطنية شقين. وقد يتقاتل الإخوة الأعداء ويتبادلان الاتهام بالتكفير والتخوين. والوطن هو الخاسر. وماذا تفيد دعوات تطبيق الشريعة الإسلامية في مثل هذه الحالات إذا ما هددت وحدة الأوطان؟

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1752 --- Date 9/3/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1752 --- التاريخ 2004 - 3 - 9

AZP07
HSHN