مقالات سياسية - حسن حنفي - مفكر من مصر
- التعددية السياسية في مصر
- الإخوان المسلمون بين قرار الحل والواقع السياسي

بمناسبة قرار الحل الصادر في 1954 لجماعة الإخوان المسلمين تحدثت الصحف وعلي صفحاتها الأولي عن (الإخوان المسلمين)، وحملت أخبارها مثل وفاة مرشدها واحتمالات تعيين مرشد جديد من بين عدة مرشحين، مع صورهم وتاريخ كل منهم، ثم اختيار أحدهم مع ذكر خصاله وقدراته بل واستحسان سلامة انتخابات مكتب الإرشاد، وسرعة الاختيار حتي لا تترك الجماعة بلا مرشد. وتنشر صور جنازة المرشد، وعشرات الآلاف تودعه إلي مثواه الأخير تحت رعاية الدولة وحسن تنظيم أجهزة الأمن لها، ومرورها بسلام مع إعجاب بحسن النظام علي الرغم من الصورة التقليدية للجماعة بممارسة العنف وفرض الرأي بالقوة.
وينشر الإعلام أخبارهم، ويذكر اجتماعاتهم من أجل الاستعداد لانتخابات النقابات والاتحادات والجمعيات الأهلية والأندية الاجتماعية، وتُفصّل لقاءاتهم واحتمال نجاح مرشحيهم، بل ويُستفاض في خلافاتهم وانقساماتهم، فهم محط الأنظار وعناوين رئيسة في الصفحات الأولي. ولهم أعضاء في مجلس الشعب، يذكرون بالاسم بعد أن تم انتخابهم ونجاحهم ورسوب مرشحي الحزب الحاكم بكل إمكانياته في أجهزة الدولة الإعلامية والأمنية. وتنقل مداخلاتهم في المجلس، والردود عليهم، ومحاجاتهم في آرائهم من نواب آخرين في مجلسي الشعب والشوري ثم انتخابهم أو تعيينهم لهذا الغرض كمتحدثين غير رسميين للحزب الحاكم وكمدافعين عن النظام خاصة لو كانوا أيضا من نفس الاتجاه الإسلامي. فالإسلام ليس حكرا علي جماعة سياسية واحدة من المعارضة بل قد يكون أيضا أداة في الحزب الحاكم لتدعيم سياساته والدفاع عن نظامه باسم الدفاع عن الدولة ضد خصومها السياسيين.

الإعلام والواقع
وفي نفس الوقت، وعلي الصفحات الأولي أيضا توصف جماعة الإخوان المسلمين بأنها الجماعة (المنحلة) أو الجماعة (المحظورة نشاطها)! وشتان ما بين الإعلام والواقع. تُذكر أخبار جماعة موجودة مع تفصيل نشاطها وفي نفس الوقت توصف بأنها (منحلة) أو (محظورة) وكأن الإعلام لا يعرف ماذا يعني صدق الخبر أو تناقض الخبر بين الإثبات والنفي أو حتي قواعد المنطق في استحالة الجمع بين حكمين متناقضين في محل واحد. فلو كانت جماعة منحلة أو محظورة لما ذُكر نشاطها والإعلان عن اجتماعاتها. ولو كانت موجودة لما ذكر أنها محظورة أو منحلة. فأيهما نصدق: القانون أم الواقع؟ وهي نفس القضية في حياتنا العامة في التقابل بين نص لا وجود له في الواقع، وواقع لا وجود له في النص. فأصبح القانون في جانب وحياة الناس في جانب آخر. القانون علي الورق، والواقع بلا قانون.
وفي الوقت نفسه وعلي مدي عشرات السنين من دون كلل أو تعب حتي ولو مل القراء تـُهاجم الجماعة بفصائلها المختلفة وأجنحتها المتباينة بين اليمين واليسار، وتوصف بأنها جماعة التأسلم السياسي وأن أعضاءها من المتأسلمين وكأنه لا يوجد عدو لليسار التقليدي إلا الجماعات الإسلامية، منافسة علي السلطة وتسابقا إليها حتي لو كان علي أكتاف الحزب الحاكم وبمساعدة أجهزة الأمن دفاعا عن نظام الحكم الذي يعارض اليسار، وبالرغم من الحوار المنقطع بين أحزاب المعارضة لوضع سياسات بديلة عن سياسات الحزب الحاكم وقبل دخول الحزب الحاكم في حوار صوري مع المعارضة. ما زال الوعي السياسي الوطني بعيد المنال. وما زالت الجبهة الوطنية أو الائتلاف الوطني غير وارد في الأذهان علي الرغم من وجوده في أدبيات اليسار، وممارسته في تجارب التحرر الوطني الكبري في الثورة الكوبية والثورة الفيتنامية وفي كل حركات المقاومة للاحتلال مثل المقاومة الفرنسية. ولم تشذ تجارب مصر الوطنية عن ذلك مثل ثورة 1919 فقد كان سعد زغلول تلميذ الأستاذ الإمام حتي ثورة تموز (يوليو) 1952. فقد كان نصف أعضاء مجلس قيادة الثورة تقريبا من الإخوان أو من المتعاطفين معهم. وكان قائد الثورة ومفجرها، جمال عبد الناصر، علي صلة بقادتها. ينسق معهم، ويأمل فيهم. وبعد نجاح الثورة طلب من سيد قطب، شهيد الثورة فيما بعد أن يكون رئيسا لهيئة التحرير أول تنظيم سياسي للثورة.
ويدخل الإخوان معترك الحياة السياسية منذ الإفراج عنهم في أوائل السبعينيات لاستعمالهم للتخلص من الناصريين أعضاء النظام بعد انقلاب الثورة من داخلها إلي ثورة مضادة. ونظرا لأنها جماعة غير مشروعة، ونشاطها محظور فإنها دخلت الحياة السياسية من الباب الخلفي بالالتفاف أو التنسيق مع الأحزاب، مع حزب الوفد مرة في السبعينيات ثم مع حزب العمل مرة أخري في الثمانينيات. ونظرا للتقليد الليبرالي العلماني للوفد فقد امتنع عن استمرار التجربة والتعاون مع جماعة سياسية تقوم علي أساس ديني. واستمرت التجربة مع حزب العمل حتي تمت السيطرة عليه فانفصل عنه الاشتراكيون والناصريون وأصبح حزبا إسلاميا خالصا يقوم بدور فعال في تنشيط الحياة السياسية المصرية. وتصبح جريدة (الشعب) أوسع جريدة للمعارضة السياسية. وتنقد الحزب الحاكم وفساد رجاله في الصميم حتي تم الإيقاع به بانقسامه مرة وبتأييد النظام للجناح المعارض، ثم بإيقاعه في موضوع نظري صرف بالهجوم علي رواية معروفة منذ عقدين من الزمان لإعادة نشرها في قصور الثقافة التابعة للدولة. وقامت المظاهرات وتعكر صفو الأمن. وظهرت الدولة باعتبارها حامية لحرية الفكر، والإخوان المعارض لها. فضاعت المعارضة السياسية لوزارة الزراعة، والتطبيع مع إسرائيل، وفساد الحكم. وانهارت في موضوع رواية. فصدر قرار إيقاف الجريدة ونشاط الحزب. ومهما صدر الحكم بإعادتهما فإن النظام قد كسب الجولة وتخلص من أقوي أعدائه بعد أن تم إيقاعه في الشباك.
لقد طعن الإخوان في قرار الحل الذي صدر في 1954. ومازال الأمر معروضا علي القضاء! وقد انقضي نصف قرن علي ذلك بالتمام والكمال. وتغير الإخوان إلي أسوأ في السجون تحت آثار التعذيب، وضرب السياط، وحرق أعقاب السجائر في الجلد البشري، ونزع الأظافر. وتغير سيد قطب صاحب (العدالة الاجتماعية في الإسلام) و(معركة الإسلام والرأسمالية) و(السلام العالمي والإسلام) و(المستقبل لهذا الدين) و(خصائص التصور الإسلامي ومقوماته) إلي (معالم في الطريق). وتحول من مفكر اشتراكي وطني تقدمي حصيلة النضال الوطني في الأربعينيات إلي مفكر إسلامي غاضب يريد أن يثأر من نظم الأرض دفاعا عن نظام السماء، ومن حاكمية البشر إلي حاكمية الله، ومن محاور لباقي التيارات السياسية، الماركسيين والليبراليين والقوميين إلي رافض لكل الأيديولوجيات العلمانية وجاهلية القرن العشرين. ووضع تقابلا بل تناقضا بين الله والطاغوت، الإيمان والكفر، الإسلام والجاهلية، الحق والباطل، النور والظلام. ولا بقاء لأحدهم إلا بفناء الآخر. ولما كان الحق هو الظاهر علي الباطل فلن يقوم بذلك إلا جيل قرآني فريد تحت شعار (لا إله إلا الله) كمنهج حياة. فكر يعبر عن نفسية السجين المعذب. ومازال يعبر عن نفسية جميع الإخوان والحركات الإسلامية طالما أنها مازالت غير شرعية تعمل تحت سيف قرار الحل، ومهددة بالقبض علي أعضائها في أي لحظة، واتهامهم بالقيام بنشاط سياسي غير شرعي. يجتمعون ويناقشون ويقررون ماذا يفعلون في الانتخابات القادمة أي يتآمرون علي نظام الحكم مما يهدد أمن البلاد وسلامة الوطن. ويخرج التائبون من السجون ويدخل السياسيون إليها علي التبادل. كانت هناك فرصة قبل قرار الحل للتعددية الفكرية داخل جماعة الإخوان المسلمين وتكوين أجنحة فيها بين يسار ويمين ووسط. فراح اليسار ضحية تعذيب سيد قطب واستشهاد السيد فايز. وتحول الوسط إلي يمين داخل السجون ممثلا في جماعات التكفير والهجرة، واغتيال الشيخ الذهبي. ثم عاد الوسط من جديد للظهور تحت تأثير المشاركة السياسية حتي لو كانت تحت قرار الحل. وقبل الإخوان في مصر النظام الحزبي أسوة بالأردن وبالحركات الإسلامية في المغرب والجزائر والكويت ولبنان. وأثني الجميع علي اعتدالهم وتوسطهم، وأعطيت لهم شهادة حسن سير وسلوك بعد أن كانوا موضع اتهام بالعنف والتفجيرات والاغتيالات ومحاولات الاستيلاء علي الحكم بالقوة. بل وتأسست من داخلهم محاولة لإنشاء (حزب الوسط) تأكيدا علي هذا الاعتدال. ومازال الشوط بعيدا من أجل تأسيس جناح يساري داخل الحركة يمثل اليسار الإسلامي استئنافا لسيد قطب صاحب (العدالة الاجتماعية في الإسلام) و(معركة الإسلام والرأسمالية) قبل (معالم في الطريق).

التنظيمات الاسلامية
ليس من المعقول أن تكون أكبر دولة إسلامية عربية وهي مصر خالية من التنظيمات السياسية الإسلامية. وقد سبقتها في ذلك الأردن والمغرب واليمن والكويت ولبنان. بل إن (حزب الله) في لبنان هو الذي حرر الجنوب، وأطلق سراح المسجونين السياسيين باسم الدولة. وحزب (العدالة والتنمية) الإسلامي هو الحاكم في المغرب، وحزب (العدالة والتنمية) الإسلامي هو الحاكم أيضا في تركيا، شاقا طريقا جديدا بين العلمانيين والأصوليين بوعي سياسي فريد قادر علي الصمود أمام الغزو الأمريكي للعراق اعتمادا علي تصويت البرلمان، ومبتعدا عن إسرائيل ومقتربا من العرب، ومنسقا مع إيران. بل إن الحركة الوطنية في مصر هي منبت الحركة الإسلامية ممثلة في الإصلاح الديني عند الأفغاني الذي فجرت تعاليمه الثورة العرابية. وتلميذه محمد عبده هو محرر برنامج الحزب الوطني، وتلميذه سعد زغلول هو قائد ثورة 1919. وجهادهم في فلسطين مشهود في 1948 وفي قناة السويس ضد قوات الاحتلال البريطاني في 1951 معروف. وهم أحد الروافد الفكرية للضباط الأحرار. ونضالهم من أجل الديمقراطية في مصر منذ أحداث 1954، وخروجهم من السجن مع الشيوعيين للدفاع عن بورسعيد في 1956، وخروجهم في مظاهرات اذار (مارس) 1968 درءا لروح الهزيمة، وتنشيطهم للحياة السياسية وقياداتهم لمظاهرات الطلاب ضد العدوان الأمريكي علي العراق في كانون الثاني (يناير) 1991 ثم في 1998 حتي العدوان الأخير في اذار (مارس) 2003. كل ذلك تقدره مصر لهم. فلولاهم لكان الشارع المصري أثرا بعد عين باستثناء انتفاضة كانون الثاني (يناير) 1977 التي قادها الناصريون واليساريون.
ليس من المعقول أن يكون للناصريين واليساريين والقوميين حزبهم العلني ولليبراليين حزبهم الشرعي، وللشيوعيين حزبهم نصف العلني ولا يكون للإخوان تنظيم شرعي، جماعة أو حزبا بدعوي عدم سماح الدستور قيام أحزاب علي أساس ديني. وجماعة الإخوان ليست حزبا سياسيا بل تنظيم أهلي، وحزب الوسط تحت التأسيس ليس حزبا إسلاميا بل هو حزب سياسي يأخذ الإسلام إطارا سياسيا له في برنامجه ورؤيته. ليس من المعقول أن في مصر اثني عشر حزبا كلها علي الورق، ولا وجود لها في الشارع السياسي ولا تمثل إلا أصحابها الذين يقدمون إلي القضاء بتهمة الفساد بل وأصبحوا موضوعا للتندر والسخرية وليس لأكبر حركة شعبية لها وجود في الشارع السياسي، كتنظيم سياسي شرعي. وتحاول الدولة إنشاء أحزاب ورقية كل يوم لملء الفراغ السياسي، مرة حزب المستقبل قبل أن يتم اغتيال أحد دعاته ومرة حزب مصر آمنا، مجرد فقاعة في الهواء.

حركة الشارع السياسي
إن الذي يتحكم في حركة الشارع السياسي هم الإسلاميون والليبراليون والناصريون والمستقلون والماركسيون طبقا للترتيب والأولوية والحضور الجماهيري. وكل حزب يتطور في بيئة شرعية وبطريقة طبيعية بصرف النظر عن التقييد العام للمعارضة السياسية كلها علي اختلاف طوائفها. فالهامش الصغير لحرية التعبير مفخرة للنظام وسط النظم السياسية المجاورة (والأعور في سوق العمي مفتح).
إن الذي يحمي الحياة السياسية في مصر هو جعل مؤسساتها الدستورية وأحزابها السياسية ونظمها البرلمانية مطابقة لحركة الشارع السياسي والتعددية السياسية فيه، وهي القوي الإسلامية والليبرالية والناصرية والمستقلة والماركسية. ويستطيع الإسلاميون مع الليبراليين تكوين أغلبية نسبية في جبهة عريضة مع باقي القوي السياسية، الناصرية والمستقلة والماركسية، تدعيما للتعددية السياسية مع الاتفاق علي برنامج عمل وطني موحد من أجل تحرير الأرض المحتلة في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير والشيشان، وتحرير المواطن من كل ألوان القهر والخوف والتسلط والطغيان، وتذويب الفوارق بين الطبقات بدلا من هذا التفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء، ووحدة الأمة ضد مخاطر التجزئة وتحويل الأمة إلي فسيفساء عرقي وطائفي، عرب وأكراد وتركمان وبربر، شيعة وسنة ومسلمين وأقباط حتي تأخذ إسرائيل شرعية سياسية جديدة من طبيعة الجغرافيا السياسية المحلية وليس من أساطير المعاد والاختيار والوعد، والتنمية المستقلة بدلا من الاعتماد علي الخارج، والدفاع عن الهوية ضد التغريب، وحشد الجماهير ضد الفتور واللامبالاة.
من دون هذا التحرك السياسي في مصر وإعطاء نموذج للتحول الديمقراطي من الداخل سيبقي النموذج الأمريكي ماثلا أمام الأذهان، العصا أو الجزرة، العراق أو ليبيا، كرها أم طوعا. إن وقوف العرب محلك سر في مواقف الانتظار سيفقدهم إلي الأبد زمام المبادرة التاريخية في حين يتحرك الكل وأولهم إسرائيل لتخطيط مستقبل العالم وتحديد مساره. البداية بالداخل وليس الخارج، وإعادة ترتيب البيت من الداخل يسبق المناداة بتغيير نظام العالم الذي لا يتحكم العرب فيه. والحوار مع الذات يسبق الحوار مع الغير. والصدق مع النفس أولي من الحفاظ علي كراسي الحكم أو السعي إليها. وإصلاح مسار التاريخ من قرار حل جماعة الإخوان في اذار (مارس) 1954 إلي احتلال أمريكا للعراق في اذار (مارس) 2003 لهو البداية لعودة العرب لأخذ مصيرهم بأيديهم وشق مسارهم التاريخي حتي في أحلك اللحظات.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1746 --- Date 2/3/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1746 --- التاريخ 2004 - 3 - 2

AZP07
HSHN