|
|
مقالات سياسية - د. حسن حنفي - مفكر من مصر - معارك بين اللفظ والمعني - ما زالت الثقافة العربية صامدة في معركة الألفاظ ليست المعارك فقط هي معارك الأرض بين قوي التحرر وقوي الهيمنة، بين الفقراء والأغنياء، بين العبيد والسادة، بين المعذبين في الأرض والمترفين فيها بل هي أيضا معارك في الثقافة، معارك المفاهيم والتصورات. وقد تحول الصراع الآن من صراع القوي إلي صراع المصالح. وإذا كان صراع القوي يعبر عن نفسه بالسلاح وصراع المصالح بالاستغلال فإن الصراع الثقافي يعبر عن نفسه من خلال اللغة. فالمفاهيم والتصورات والمقولات الذهنية هي ألفاظ وتعبيرات وأسماء في اللسان. وإذا كانت آخر معارك العرب بالسلاح والتي قامت بها الجيوش الوطنية هي حرب تشرين الاول (أكتوبر) 1973 والتي أخذوا فيها زمام المبادرة لتحرير الأراضي المحتلة فإنها مازالت مستمرة في المقاومة الوطنية الشعبية في الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولي بالحجارة والثانية بالسلاح أو في المقاومة الوطنية العراقية، والمقاومة الوطنية الأفغانية، والمقاومة الوطنية الكشميرية، والمقاومة الوطنية الشيشانية. وإذا كان العرب خسروا معاركهم الاقتصادية في التنمية المستقلة، وازدادوا تبعية للقوي الكبري في المال والاقتصاد، وازدادوا فساداً في الداخل بالاعتماد علي القطاع الخاص دون تمثل قيمه الليبرالية في المنافسة الحرة، ووضع قوانين لها تضمن حرية السوق، وإذا كانوا أيضا قد أوشكوا علي خسارة معاركهم السياسية أيضا من الدول أو التكتلات الكبري بل إن المكسب في الرأي العام الدولي بدأ ينحسر بتردد أوروبا في نقدها لجدار الفصل العنصري وإحالة الموضوع إلي محكمة العدل الدولية، وإذا كانت الثقافة العربية، وهي آخر حصن في الصمود، برفضها التطبيع مع الكيان العنصري، قد بدأ أيضا شقها بثقافة السلام والأرض محتلة، فإن المعركة الآن تدور علي مستوي الألفاظ. والألفاظ ليست مجرد كلمات وأصوات وعبارات بل إنها تدل علي الفكر الذي وراءها، وتكشف عن المضمون الذي تعبر عنه، وتهدف إلي الغاية المقصودة منها. لذلك كان الله هو (الكلمة)، وكانت (الكلمة) مع الله. تبدلت الألفاظ في الإعلام العربي في الآونة الأخيرة بالنسبة للمقاومة الوطنية العراقية والمقاومة الوطنية الفلسطينية. فالشيء الواحد له لفظه الذي يعبر عنه من منظور المقاومة الوطنية وله لفظ آخر من منظور دول الاحتلال، ولفظ ثالث من منظور نظم الحكم العربية التي تريد أن تكون محايدة بين المقاومة الوطنية وقوات الاحتلال، ومحاصرتها بين مطرقة الولايات المتحدة وسندان الشعوب. بالنسبة للمقاومة العراقية فإن المقاومة الوطنية هي الإرهاب. وفي رأي نظم الحكم فالقتال للمساواة بين الطرفين المتنازعين، ودون أخذ موقف لصالح فريق دون فريق. وقوات الاحتلال هي قوات التحرير والخلاص من حكم الطغاة. وفي نظر النظم الحاكمة هي قوات التحالف، لفظ محايد لا يبين تحالف من ضد من، دون أخذ موقف يعطي شرعية للمقاومة. وخسائر القوات الأمريكية والبريطانية، هي خسائر عراقية وكأن الذي يقود الطائرات المروحية عراقيون وليسوا أمريكيين. وهي مجرد خسائر في الأرواح في رأي النظم الحاكمة، لا فرق بين عراقي يرضخ تحت الاحتلال وأمريكي يحتل أراضي الغير. والمواطنون العراقيون الذين تجمعهم صفة المواطنة علي حد سواء، في السراء والضراء، هم سنة وشيعة وأكراد وتركمان من أجل تأكيد التجزئة في الواقع وفي الذهن. وفي رأي نظم الحكم طوائف وأعراق وملل وصفاً لواقع متخليا عن المثال. والتعددية السياسية والثقافية هي التقسيم والتوزيع للمناصب بين الطوائف والأعراق لخلق تناحر وصراع وهمي بينها ونسيان التناقض الرئيس بينها وبين الاحتلال. وهي الفيدرالية في رأي نظم الحكم اعترافا بواقع، فيدرالية تقوم علي أساس عرقي وطائفي، شيعة في الجنوب، وسنة في الوسط، وأكراد في الشمال، وليست فيدرالية بمعني اللامركزية في الحكم كما هو الحال في النظم الفيدرالية في ألمانيا وأسبانيا والولايات المتحدة. ومن ثم تتبدل معاني الألفاظ طبقا للمنظور، المقاومة الوطنية أو قوات الاحتلال الأجنبي أو نظم الحكم العربية. القضية الفلسطينية ويحدث الشيء نفسه بالنسبة للقضية الفلسطينية التي تتبدل فيها الألفاظ عن قصد للتخلي عن المواقف الوطنية لأنها غير واقعية تزيد من المخاسر والآلام لشعب فلسطين والاقتراب من ألفاظ نظم الحكم السياسية المحايدة في معظم الحالات دون أن تتجرأ بعد علي تبني ألفاظ الكيان الصهيوني. فجيش الاحتلال الصهيوني هو في نظره قوات الدفاع. وفي رأي النظم السياسية هي القوات الإسرائيلية. والأراضي المحتلة هي أرض الميعاد. وفي رأي النظم العربية هي الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، مجرد وصف جغرافي منذ أن كان ما هو مستبق من فلسطين تابعا للأردن شرقا وغربا. والكيان الصهيوني أو فلسطين المحتلة هو أرض إسرائيل. وفي لغة نظم الحكم هي إسرائيل اعترافا بالأمر الواقع. ولا ضير من وضعها في الخرائط في الصحف وأجهزة الإعلام بل في الكتب المدرسية. والمستوطنون هم شعب إسرائيل يعودون إلي أرض الآباء والأجداد في يهودا والسامرة. وفي رأي نظم الحكم هم الإسرائيليون، وصفا سياسيا محايدا. وجدار العزل العنصري هو السياج أو السور الواقي ذريعة للاستيلاء علي الأرض باسم الأمن. وهو في لغة نظم الحكم السور العازل كما هو الحال في عمليات البناء والتشييد. وربما يكون أسمنته ورمله وحديده من القطاع الخاص العربي. والشهداء هم الانتحاريون والمقاومة الفلسطينية هي الإرهاب. وفي رأي نظم الحكم العمليات بعد أن وقع خلاف وتردد بين الفقهاء والعلماء حول كيفية وصف العمليات الاستشهادية. وحركة التحرر الوطني الفلسطيني هي النزاع أو الخلاف العربي الإسرائيلي وكأن الأمر مجرد خلاف بين وجهتي نظر وليس بين تحرر واحتلال. وفي رأي نظم الحكم العربية وإعلامها الرسمي الصراع العربي الإسرائيلي. وهكذا يبدأ اللعب بالألفاظ في أهم قضية، القضية الفلسطينية، قلب النضال العربي وبؤرته. وليس هذا جديدا بل حدث إبان التحولات الرئيسة في تاريخ الوطن العربي. فهو من وجهة نظر بريطانيا الشرق الأوسط أو الشرق الأدني بالنسبة للشرق الأقصي وهو الصين أي مدي قربه أو بعده عن بريطانيا. وهو بالنسبة للغة الإعلام الرسمية التابعة لأنظمة الحكم العربية العالم العربي أو البلاد العربية أو البلدان العربية أو الدول العربية أو الأقطار العربية. والثورة المصرية في تموز (يوليو) 1952 هي بالنسبة لأعدائها انقلاب الجيش، وبالنسبة لباقي الأنظمة العربية المحافظة، النظام المصري أو الحكم المصري الجديد. والثورة الإسلامية في إيران في شباط (فبراير) 1979 هي الثورة الإيرانية دون وصفها بالإسلامية خوفا من الإسلام الثوري. وهي في لغة نظم الحكم العربية الحكم الإيراني دون وصفها بالثورة الإيرانية أو الإسلامية خوفا من لفظ الثورة بعد أن انقلبت الثورات العربية علي نفسها وتحولت إلي ثورات مضادة من داخلها. إن المعركة الآن ليست فقط المعركة السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية بين قوي الهيمنة وقوي التحرر بل أيضا علي مستوي اللغة والمفاهيم والألفاظ خاصة في المجتمعات التقليدية التي ما زالت تتمسك باللغة في مواجهة قوي الهيمنة وقدرتها علي تزييف المصطلحات. فالهيمنة الجديدة بعد نهاية عصر الاستقطاب وتفرد قطب أوحد بالعالم سميت بالعولمة. وفي لغة أنظمة الحكم نظام العالم الجديد والرأسمالية واستفرادها بالعالم باعتبارها النظام الوحيد الصالح لكل الشعوب بعد نهاية المعسكر الاشتراكي وانهياره في عدة أشهر ابتداء من الغرب زحفا نحو الشرق، هي نهاية التاريخ لإيقاف عقارب الساعة. فلم تعد هناك مرحلة بعد الرأسمالية، ولم يعد الاستعمار أعلي مرحلة من مراحل الرأسمالية. وفي منظور أنظمة الحكم هي الاقتصاد الدولي وبنوك الاستثمار ومنظمات التعاون ومنظمة التجارة العالمية واتفاقية الجات، وصفا موضوعياً محايدا بلا موقف مضاد. وصراع المصالح بين المركز والأطراف، بين مجموعة الثمانية الأكثر تصنيعا وبين دول العالم الثالث هو صراع الحضارات للتعمية والتغطية والتستر. وهي في لغة الإعلام الرسمية حوار الحضارات من أجل بيان فضيلة التسامح والتعاون والاعتراف بالآخر والانفتاح ضد تهمة الانغلاق علي الذات ورفض الغير. وإضعاف الدولة وتخليها عن الإرادة الوطنية وحماية صناعاتها هي المجتمع المدني ومؤسساته المستقلة الذي يقف ضد طغيان الدولة ومؤسساتها المزيفة وأجهزة أمنها القهرية. والمواطنة، وتساوي المواطنين في الحقوق والواجبات دون تمييز بين ذكر وأنثي هي قضية حقوق المرأة (الجندر) كأحد مظاهر القهر السياسي والاجتماعي. وهي في نظر الحكومات قضية الأحوال الشخصية وضرورة إصلاحه. والفساد وتهريب الأموال، ونواب القروض واحتكار تجارة الحديد والغلاء المفتعل للأسعار، وتعويم العملة الوطنية هي القطاع الخاص وضرورة تنشيطه من أجل مواكبة الاقتصاد العالمي وقوانين السوق وحرية المنافسة. وفي رأي نظم الحكم هي الرأسمالية الوطنية القادرة علي تجاوز خسائر القطاع العام وبيروقراطية الدولة. ونقل المعلومات بدلا من إبداعها هي ثورة الاتصالات عن طريق شبكات المعلومات. وفي رأي نظم الحكم تحديث التعليم والإدارة وطرق حفظ الأرشيف. وهكذا يتم تزييف معاني الألفاظ من أجل التشويش علي الثقافة، وتمييع المواقف، واختلاط الأمور، وغموض الرؤي. ويفقد العقل قدرته علي التفكير السليم، والتمييز بين الأشياء. ويضيع من الخيال قدرته علي الحلم. وتضعف الإرادة لإيجاد بدائل عما هو مطروح. معرضكة الألفاظ ما زالت الثقافة العربية قادرة علي الصمود في معركة الألفاظ. والعرب أهل فصاحة وبيان. ما زالوا يحسنون الكلام حتي لو اختفت الأفعال واتهموا بأنهم أصحاب أقوال دون أفعال (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون(. وعلي الرغم من تغيير جوته آية يوحنا (في البدء كانت الكلمة) إلي (في البدء كان الفعل) إلا أن الكلمة نفسها فعل (كن فيكون( والفعل كلمة تتحقق. إن الثقافة العربية، لغة وشعراً، ما زالت هي القادرة علي الصمود أمام الانحناء المتزايد أمام قوي الهيمنة. ومهما استولوا علي أحمس وصلاح الدين ومحمد علي وعبد الناصر وعلال الفاسي وبن بركة وسيد قطب وشهدي عطية وشهداء المقاومة الوطنية فلن يستطيع عجم اليوم وبرابرته الاستيلاء علي سيبويه والخليل بن أحمد والمتنبي وفارس بني حمدان. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1742 --- Date 26/2/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1742 --- التاريخ 2004 - 2 - 26 AZP07 HSHN |