حسافا يا عبد الرحمن - نبيل سليمان
ها هنا إذن، في هذا الركن من مقبرة الدحداح، قررتَ أن تقيم. لكن الركن ــ القبر يملأ الفضاء: الفضاء البكر، الفضاء الطليق، فضاء التأسيس، الفضاء الصفر، وصوتكَ، نظراتكَ، رواياتكَ وكتبكَ، تنهي عن الندب وتحث علي التأمل والأمل، وفي صدري تترجّع قهقهتك.
إزاء ذلك اسمح لي هذه المرة أن أعود إلي وادي العيون كما ابتدأتْ به (مدن الملح) في جزئها الأول (التيه): بالنخيل والهضاب وتخوم الصحراء والحيوانات، بفلذات المقيمين والمترحّلين، بعيني تعب الهذال، وقد جاء المنقبون ورحلوا، ثم عادوا، وأقاموا المعسكر (بطريقة سريعة تشبه لعبة يؤديها بعض السحرة، والناس يراقبون كل ما يجري بصمت وخوف).
إنه النفط، أي إنها مجزرة وادي العيون، أي إنه التدمير والتهجير، وبهذا الفعل التاريخي ــ أي الفعل الحضاري الاستعماري ــ في الطبيعة والبشر، غاب وادي العيون، ليستكنّ في النفوس، أي ــ أين أنت يا باشلار؟ ــ انتقل وادي العيون من المكان المادي إلي المكان الداخلي، من البراني ــ الجواني إلي الجواني وحسب، من اليقظة إلي حلم اليقظة وإلي الحلم، من الماء والقحط إلي الصورة، من النور إلي العتامة، بينما متعب الهذال يصرخ: حسافا يا وادي العيون، وأنا أكتم صرختي: حسافا يا عبد الرحمن.
‎‎‎
لحرّان سيطرأ ما طرأ لوادي العيون، فتصير مدينة اللعنة والنهاية، ولكن من هو هذا الذي يصرخ: حسافا؟
ها هي حران الأمريكان: فضاء جاذب وطارد وعدائي، وها هي حرّان العرب: فضاء جاذب وطارد وعدائي. وبأغرب وأقسي ستكون موران، ستكون البقرة الحلوب الدونية العدوة بالنسبة للأمريكي الذي لا يخفي عداءه بمسوحه الحضاري. فكما جعل له حرّان الخاصة به، وفرض ما يناسبه علي حرّان العرب، كان الأمر مع موران. ولئن كان الأمريكي لا يتوسل العنف أحياناً، فالعنف وسيلته الحاسمة، قبل وبعد أن يقبع في دخيلة السلطة والسلطان. ولئن كان الأمريكي يختفي من الواجهة، منذ أن تنتقل (مدن الملح) في جزئها الثاني (الأخدود) إلي موران، فإن أصابع الأمريكي تظل تلعب من الخلف، وبخاصة فيما يتعلق بالأمن، علي أن هلا يلبث أن يعود إلي الواجهة مع نهاية الرواية، ولكن عبر لبوس الاقتصاد أساساً.
‎‎‎
لتكنْ لهاملتون فلسفته، أي لينْ له الاستعمار ــ الإعمار المجلبب بالفلسفة. ولكتنْ للصحفي ديفيد برادلي حياديته أو موضوعيته، ولو بمقدار طفيف؛ فالمهم هو هذا الرأسمالي المدجج، الفج أو المهذب، والأهم أن هذا العالم الهائل، الأهم أن مدن الملح ــ سأضيف: دول الملح ــ بشموليتها ونفطها وتحالفاتها الأمريكية وغير الأمريكية، آيلة إلي زوال، ما دامت تدمر الطبيعة والإنسان، وبالأمس، كما هو اليوم، وكما هو في أي غد، تقوم تلك المدن ــ الدول (ترتفع وتكبر، فإذا جاها الماء: فشّ، ولا كأنها).
يا حسافا.
‎‎‎
في ذلك الأمس البعيد كان وادي العيون، كانت حران، كانت موران، وفي هذا اليوم تكون مدينة ــ دولة من مدن ــ دول الملح، وفي أي غد تكون.
وفي ذلك الأمس القريب، وفي هذا اليوم، وفي أي غد، يقيم عبد الرحمن منيف حيث قرر، في ذلك الركن ــ القبر من مقبرة الدحداح، والركن يملأ الفضاء بصوت شمران العتيبي وهو يختتم جزء (تقاسيم الليل والنهار) من خماسية (مدن الملح): (وهذي موران، بالها طويل، تحمل وتحبل، لكنها أبدْ ما تنسي، وما هو بس كذا، ما تستعجل، فإذا كانت اليوم بهذا الشكل، ما أحد يدري شنهو اللي يصير باكر واللي يصير عقبه). وبمثل صوت شمران العتيبي، يمتلئ الفضاء أيضاً، ولكن بصوت نجمة المثقال: (وبآخر ذلك الزمان لابدّ وأن الناس تقوم والظلم ما يدوم وتحصل سوالف يحكيها الناس لولد الولد).
لماذا إذن يملأ هذا الصوت الفضاء أيضاً وأيضاً، ولمن هو هذا الصوت: حسافا يا عبد الرحمن؟

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1736 --- Date 19/2/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1736 --- التاريخ 2004 - 2 - 19

AZP09
AYMK
NBSL