التضرع بدماء يوم بارد - نبيل سليمان
مثل صباح العيد تضرجتُ بدماء من أودي بهم ذلك الانفجار المروّع في اربيل. ولأني لا أعرف منهم إلا مهدي، حملته بين ضلوعي، وناديت حسن سليفاني، ثم ناديت جمعة الحلفي ومنذر حلوم ومنذر خدام وغازي أبو عقل، ومثلي حملوا مهدي بين ضلوعهم، فإذا بمهدي يطوف بنا من بيت إلي بيت، هناك في اربيل وهنا في اللاذقية، وإذا بذلك الأمس الصائف يتضرج بدماء هذا اليوم البارد، والانفجار المروّع يلاحق مهدي حتي لجّة هذا البحر الهائج هنا في اللاذقية أو هناك في اربيل، فيا مهدي، أيها الصديق الذي لا يموت: هل تنبأت قصيدتك بغير موتك في عيد الأضحي؟
ها هو سربست نبي يهتف لي من دمشق من أجل تواقيع وبيان يعزي بصباح عيدك المضرّج، ويرمي الانفجار المروع بالرمية القاصرة الوحيدة التي بقيت لنا: الاستنكار، فمنذ زمن بعيد ـ آه ما أبعده! ـ ما عاد لنا إلا جمع التواقيع وإصدار البيانات ضد هذه العربدات التي ضاق بها الفضاء، لا فرق بين عربدة إسرائيلية وعربدة أمريكية، ولا بين عربدة ديكتاتور وعربدة العبث الأعمي الذي ضرّج صباح العيد بدمك.
يا مهدي: عشية عيدك المضرّج قرأت للمرة الثانية، تحقيق كريس كوتشيرا، وهيأت لك الشكوي التي لم يبق لي إلا أن ألوح بها لبحرك هنا في اللاذقية أو هناك في اربيل. فهذا هو الدكتور الشاب ديار ـ ديار من بالله عليك؟ ـ يجلجل (أنا لا يمكنني أن أعيش في الدولة نفسها مع شعب آخر ذي عقل مريض). فهل بات العرب أو التركمان أوالآشوريون... مرضي عقلياً؟ وهل الأكراد ـ كما يجلجل ديار ـ يساندون كل الخطط الغربية في المنطقة؟ وكيف لي أن أصدق أن هذا الدكتور الشاب غير قادر علي العيش مع العرب، ليس بسبب جرائم النظام في الأنفال وحلبجة، بل بسبب الناس العاديين؟ هل لأولاء الناس ـ ديار يعني العرب وحسب ـ جميعاً ذهنية أخري، فلا يمكنه العيش معهم، وهم يخلطون بشكل مريع بين القومية والدين؟ أليس بين أولاء علمانيون مثلاً؟ أليس بينهم من أذاقه النظام الصدامي الأمرّين؟
لا بد أنك قرأت في صفحات كريس كوتشيرا ما نقل عن أستاذ الفرنسية في جامعة اربيل فرهاد بيربال من معرفته النيات الأميركية التي يسميها فرهاد الكولونيالية الجديدة، ثم يجلجل: (لكنني أفضل استعمارهم علي الاستعمار العربي).
يا مهدي: عندما تهاوي تمثال صدام نبق بين ضحايا الدكتاتورية ومعارضيها في أرجاء شتي من يقارن بين شرّ صدام المستطير، وبين من هو أهون شراً. وفي هذه المقارنة تطوي السذاجة ـ وربما المكر ـ تبرير الديكتاتور الأهون شراً، ويغدو التبرير لعباً بالمصائر ومزلقاً واستقواء بالمقيم علي البائد، وبالمنتصر علي المهزوم، وبالقوي علي الضعيف، وتجلجل سعاد العبد الله بالكارثة العربية، لأن الأنظمة العربية لا تزال تناصر صدام حسين، فأي منها يجرؤ علي أن يفعل سواء في السر أم في العلن، حتي لو أن إقامة نظام ديمقراطي في العراق تهدد مصالح تلك الأنظمة، كما قالت الوزيرة بحق؟
تري الوزيرة يا مهدي أن نهاية العروبة هي اعتقاد الشعوب العربية أن كل السياسات يجب أن تتمحور حول إسرائيل والعداء لأمريكا، فهل تقوم قيامة العروبة لو أن الشعوب العربية عشقت أمريكا وإسرائيل؟ هل نسيت الوزيرة ما فعلت الأنظمة بشعوبها ـ وفي العراق أولاً ـ تحت يافطة العداء لإسرائيل، وما تفعله أمريكا، علي الأقل الآن، وفيما تبقي من فلسطين؟ هل نسيت الوزيرة غدر أمريكا بالأكراد من عام 1975 إلي عام 1991 إلي عام 1996؟
أنت أيها الصديق أدري بإعجابي بروايات وشعر سليم بركات ـ هل عليّ أن أضيف: الكردي فقط، أم الكردي السوري؟ ـ وأنت أدري بإعجابي بشعر شيركوبي كه س، فلمن أشكو فرهاد أو سعاد أو ديار أو أي جلجلة ثأرية، سواء في اربيل أو السليمانية أو كركوك أو الموصل، أم في بغداد والبصرة، أم في أية أرض أخري، تضافرت علي تدميرها أمس ــ كما يتضافر اليوم ــ أمريكا واسرائيل مع الديكتاتور المتجلبب بالقومية أو بالإسلام أو بالعداء لأمريكا وإسرائيل أو بالتحالف معهما؟
عن فخري كريم يا مهدي، نقلتْ صفحات كريس كوتشيرا تعليله معارضة الشعوب العربية للسياسة الأمريكية بعجزها عن التظاهر ضد حكوماتها، لكأن هذه الشعوب لم تتظاهر ضد حكوماتها قط، أو لكأن تظاهرها ضد السياسة الأمريكية ليس أيضاً وأساساً ضد حكوماتها، أو لكأن هذه الحكومات لم تقمع المظاهرات ضد السياسة الأمريكية! وهذه الشعوب يا مهدي ــ كما يري فخري كريم ــ تسعي للعثور علي قائد يقودها ضد الولايات المتحدة، ولذلك اعتبرت صدام حسين بطلاً. وما دام الأمر كذلك فلفخري كريم أن يقول: (هذه الشعوب لا تعرف حتي معني الدكتاتور). فماذا كتب إذن واسيني الأعرج في (المخطوطة الشرقية) وغازي القصيبي في (العصفورية) وسالم بنحميش في (فتنة الرؤوس والنسوان) وهاني الراهب في (رسمت خطاً في الرمال) فضلاً عما كتبه فاضل العزاوي وعبد الستار ناصر ونجم والي وسواهم من التشكيل الروائي العربي للدكتاتور؟ يا أخي بلا روايات الدكتاتور في المغرب ومصر وسورية والسعودية و... ألم يعرف العرب في العراق الديكتاتور كما عرفه فخري كريم؟
سأطوي شكواي يا مهدي، وسأنتظر إيابك من لجة البحر التي رماك فيها صباح العيد هناك في أربيل أو هنا في اللاذقية، لتواصل قصيدتك ــ مثلك ــ نداء الحرية والديمقراطية، نداء التعددية والمساواة، نداء العراق الذي لا يروّعه العبث الأعمي، لا باسم الإسلام ولا باسم العروبة، لا باسم الأكراد ولا باسم القومية، لا باسم الدين ولا باسم إسرائيل: هل تذكر الاسم الذي نحته إميل حبيبي من اسم أمريكا واسم إسرائيل؟
مهدي: أيها الصديق العراقي الكردي الذي لا يموت: هل تنبأت قصيدتك بغير موتك في عيد الأضحي، ونحن لم يبق لنا إلا الرمية الوحيدة القاصرة: الاستنكار؟

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1729 --- Date 12/2/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1729 --- التاريخ 2004 - 2 - 12

AZP09
AYMK
NBSL