|
|
مقالات سياسية - د. حسن حنفي - مفكر من مصر - النساء بين الغياب والحضور - ثنائية الحياة تتطلب عودة المرأة إلي موقعها في الحرية في المجتمعات التقليدية المحافظة تعيش المرأة بين الغياب والحضور، الغياب التام بالنهار، والحضور الكاسح بالليل. ففي الحياة العامة تغيب المرأة من الصباح إلي المساء. لا تسير بالطرقات، ولا تحضر الندوات، ولا تناقش في الحوارات. صوتها وحضورها بل وجودها عورة. تمني الموت لهن أفضل من تمني الحياة. فهن عورة المجتمع، ونقطة ضعفه، ومصدر فتنة لرجاله (إن كيدهن عظيم( منذ حواء التي فتنت آدم وأخرجته من الجنة حتي فتاة الليل وبائعة الهوي التي تقضي علي عفة الرجل، وبراءة الذكورة، وعصمة الأنبياء. وهي الثنائيات القديمة الموروثة بين الظاهر والباطن. فالرجل هو الظاهر المتجلي، والمرأة هي الباطن الخفي. وتتوالي باقي الثنائيات اللغوية المعرفية مثل: الحقيقة والمجاز، المحكم والمتشابه، المبين والمجمل، المطلق والمقيد، العام والخاص، الأمر والنهي ...الخ. فالرجل هو المحكم صاحب القول الفصل، والمرأة هي المتشابه الغامض المشترك اللعوب. والمحكم أقوي من المتشابه. الرجل هو المبين الواضح كالسيف، والمرأة هي المجمل الذي في حاجة إلي بيان، الغامض الذي في حاجة إلي وضوح. الرجل هو الحقيقة الذي لا يعني خطابه إلا معني واحد، والمرأة مجاز تقول ما لا تعني، وتعني ما لا تقول. تتغطي وتريد السفور. وتتحجب لمزيد من إظهار جمال العينين المكحلتين. وكم من حجاب مرصع باللآلئ يظهر الفتنة ويكشف عن جمال الوجه، والرأس مغطي. الرجل هو العام الذي يتصدي لعظائم الأمور، والمرأة هي الخاص التي تعكف علي بيتها، أولادها وزوجها كما هو الحال في المجتمعات التقليدية مثل اليابان وفي الغرب في المثالية الألمانية، فشته نموذجا. الرجل هو الآمر الذي يقود ويسود وكل شيء مباح له. والمرأة هي النهي في دائرة الحرمان والمنع وكما هو الحال في جرائم الشرف في السلوك الشعبي. يطلق الرجل، مطلق الصراح، والمرأة هي التي تدفع الثمن، وكما هو الحال في الأمثال العامية (شرف البنت زي عود الكبريت). أما شرف الرجل فعلبة ثقاب لا تنتهي. التسري بالنساء وشدة الحرمان بالنهار تؤدي إلي كثرة الإشباع بالليل. المرأة في حد ذاتها كجسد وليست كإنسان مشارك في الحياة العامة كزميل للرجل. بل تتعدد المرأة فلا تكفي واحدة. فالمطلوب أي امرأة، بعد طول انتظار. فتتعدد الزوجات والإماء للتسري. حتي إن الطهطاوي رائد التنوير في (المرشد الأمين) عقد فصلا عن التسري بالنساء. المرأة مجرد عضو جنسي، حاجة بيولوجية لقضاء الوطر. محجبة أو منقبة بالنهار، وسافرة عارية بالليل. بالنهار يُتـّبع النهي والحظر والحرام، وبالليل يُتمتع بالحلال والمباح. والمرأة في كلتا الحالتين بين الحظر والإباحة، بين الحرام والحلال، بين النهي والأمر. والشريعة جاهزة للتبرير (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن(، (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلي نسائكم(. (فأتوا حرثكم أني شئتم(، (مثني وثلاث ورباع(. وإن لم تكف الزوجات الشرعية فهناك إماء العصر، الشغالات الاسيويات خاصة غير المسلمات والفلبينيات. فهن (وما ملكت أيمانكم( وكما صور أحد الروائيين المعاصرين في رواية (بيع نفس بشرية). وماذا تفعل (شغالة) أمام سطوة الرجل؟ فهو الكفيل القادر علي إرجاعها إلي وطنها فتعجز عن إطعام الأهل والأولاد. ومن يشتكيه للقضاء وهو في نفس الوقت القاضي والجلاد؟ وإن لم يستكف بالزوجات الشرعيات والتسري بالإماء فإنه يهبط مصرا فإن له فيها ما سأل. ويتزوج المسنون الشابات في قري مصر. والتبرير الشرعي قائم من تاريخ الأنبياء. والأب في حاجة إلي بيع الابنة كي يقيم أود إخوتها. فزواج البنت سترها. والرجل لا عيب فيه إلا جيبه. وستعيش البنت واهمة في بحبوحة من العيش وهي تضرب كل يوم ثم ترجع حاملة طفلها، مطلقة حتي يسترها قريبها الفلاح بالزواج من بنت الأهل والقرية. وقد لا يصبر الرجل خلال النهار حتي يأتي المساء فيعاشر الصبيان، (تصبيرة) في الظهيرة حتي يأتي عشاء المساء، (سندويتش) منتصف النهار حتي يأتي دسم المساء. فتزدهر في المجتمعات التقليدية ليس فقط الإباحة الجنسية عند الأمراء بل أيضا الشذوذ الجنسي عند الفقراء. وكما يفعل الرجل بالمرأة بسبب غيابها بالنهار وحضورها بالمساء كذلك تفعل المرأة بالرجل بسبب غيابه بالنهار وربما غيابه بالمساء. فتشبع حاجاتها هي الأخري مع الرجل أي رجل، سائق أو خادم أو في زيارة سياحية أو طبية خارج البلاد. لا يختلف وضع الأسرة في المجتمعات التقليدية عن المجتمعات المتقدمة في السلوك الانفرادي للرجل والمرأة. اختلاف في الظاهر، واتفاق في الباطن، والطرفان يلتقيان. وهذا هو التاريخ، من هارون الرشيد إلي السلطان عبد الحميد وكما تنبأ الرسول: الخلافة ثلاثون سنة. تتحول بعدها إلي ملك عضود. المرأة هنا جزء من الثالوث المحرم: الدين والسياسة والجنس. هي مجرد رمز أو علامة لما يحدث في المحرّمين الآخرين: الدين والسياسة. وما أسهل أن يتحول الخاص إلي العام، والجنس أي المرأة إلي الدين. والسياسة فالنموذج واحد. والبنية الذهنية والاجتماعية واحدة. المنع والقمع والإزاحة والقهر والتسلط من طرف، والكبت والحرمان الذي يؤتي إلي الإفلات من طرف آخر. وما يحدث في الفضاء الخاص يحدث في الفضاء العام. وما يقع في الحياة الخاصة يقع أيضا في الحياة العامة. المرأة حجاب، وكذلك السياسة والدين: حجب وتستر وتخف. المؤسسة السياسية أيضا نخبة عرقية أو طائفية لا يخرج الملك منها، بالوراثة أو الانقلاب، من قريش أو الجيش. والحوار الوطني فيها قاصر علي نخبة محدودة من أهل الجاه. وكثير من النقاش حول الإصلاح يدور في الخفاء. الاعتراف بالرأي الاخر والمؤسسة الدينية أيضا تعمل في الخفاء. تمتلك الحقيقة المطلقة مثل الذكر. ولا تعترف بالرأي الآخر ولا بالموقف المعارض مثل الأنثي تحكم في الخفاء مباشرة بالتعاون مع السلطة السياسية أو علي نحو غير مباشر عن طريق الموروث الذي يغلب عليه طابع المحافظة وليس التجديد، وأحد التيارات النصية المحافظة في الإصلاح الديني الأخير ومن أوائل تياراته. وكما يفعل الرجل في العلن والمرأة في السر، تفعل السلطة السياسية في العلن وحركات المعارضة في السر، تحت الأرض. وكما تمارس السلطة السياسية العنف معها في العلن، تمارس المعارضة ضدها العنف في السر بعمليات التفجير في الداخل والخارج. فكثرة الكبت تولّد العنف. والقدر يغلي. ومن كثرة ضغط البخار يتفجر، ولا تنفع معه صمامات الأمان في الدعوات ولو بالقول للإصلاح التدريجي كمنة من الأمراء أمام الضغوط الداخلية والخارجية وليس كحق مكتسب للشعوب. والسلطة الدينية تعلن التشدد الاجتماعي في الظاهر، وتستعمل الدين كأداة للثبات الاجتماعي وترسيخ قواعد النظام كي تنال الحظوة لدي السلطة السياسية وتحصل علي شيء من المكاسب والمغانم. فالخمس لله وللرسول. والحاكم يقوم بدور الإله والفقهاء رسله. هذه البنية الثنائية موروثة من الثقافة القديمة. وهي الأساس الشرعي الذي يمد نظام التسلط السياسي والديني والجنسي بشرعيته. وهو نظام لا شأن له بالإسلام بل بالتقاليد الموروثة ونظم التسلط الحديثة. فالتسلط السياسي والاجتماعي يجد نسقه الفكري في التسلط الديني. وهو نظام أيضا ضد طبائع الأشياء وطبيعة المجتمعات قديما وحديثا، سرعان ما يزول، قصر العهد أم طال. كانت المرأة البدوية قبل الإسلام تشارك في الحياة العامة. تحب وتكره، تصادق وتعادي. وقصص الحب العذري المتساوي بين الرجل والمرأة ما أكثرها مثل قيس وليلي، وعنتر وعبلة. وظلت تشارك بعد الإسلام في السلم والحرب، في العلم والجهاد. تعارض الخلفاء وتتوجه لهم بالرأي والنصح، وتشجع المعارضة السياسية ضد الظلم والطغيان، وتدفعهم إلي الشهادة عن رضي وطيب خاطر. المرأة نصف المجتمع والمرأة نصف المجتمع علي الأرض ولها نصف السماء. (النساء شقائق الرجال). خلقت والرجل من نفس واحدة ثم جُعلت زوجين. الرجل والمرأة رئتان، وليست المرأة رئة معطلة فيتنفس المجتمع برئة واحدة. وهما ساقان وليسا ساقا واحدة وإلا كان المجتمع أعرج. وهما عينان وليسا عينا واحدة وإلا كانت الحياة عوراء. وهما أذنان للاستماع إلي الرأي والرأي الآخر وإلي صوتين متناغمين وليس إلي صوت واحد وإلا أصيبت الحياة بالرتابة والتكرار. وهما يدان تعملان، واليد الواحدة لا تصفق. وقد انعكست هذه الأحادية في المجتمع الذكوري التقليدي إلي أحادية في الحياة الدينية والسياسية. ففي الدين الرأي الواحد هو الغالب، رأي المؤسسة الدينية، دار الإفتاء وفقهاء السلطان، والفرقة الناجية في مواجهة الفرق الهالكة الاثنتين وسبعين، والعقيدة الواحدة، الأشعرية، والمذهب الفقهي الواحد، الشافعية. وفي السلطة السياسية، الحكومة وحدها علي حق، والمعارضة علي باطل. الحزب الواحد وحده له كل المقاعد أو معظمها بأغلبية مطلقة والمعارضة لها مقاعد معدودة علي الأصابع بشق الأنفس أو بالاتفاق مع الحزب الحاكم، ذرا للرماد في العيون أمام الرأي العام العالمي أو تبادلا للمكاسب وقسمة للغنائم بين الحزب الحاكم والمعارضة (المستأنسة). تحرر المرأة لقد كُتبت الروايات ونــُظّمت الأشعار وصُورت الأفلام أن التحرر في المجتمع لا يبدأ إلا من تحرر المرأة وخروجها من الخفاء إلي التجلي، ومن السر إلي العلن، ومن الستر إلي الكشف، ومن الباطن إلي الظاهر، ومن المجاز إلي الحقيقة، ومن المقيد إلي المطلق، ومن المتشابه إلي المحكم علي ما هو معروف في تحليل الألفاظ بين الأنوثة والذكورة. لقد صورت (الراهبة) لديدرو بعد أن تحولت إلي فيلم سينمائي كيف أن الحياة دبت في الراهبة فقلبت موت الراهبات باسم الدين إلي حياة ونغم وفرح (والذين آمنوا لا خوف عليهم ولا هم يحزنون(. كما صور فيلم (صوت الموسيقي) خروج الراهبة من حياة الدير لتحقيق رسالتها في الحياة، الحب والزواج والأطفال ومشاركة الرجل في النضال السياسي ضد الطغيان عن طريق الفن والحياة. كما عبرت مسرحية (وطني عكا) عن أن التحرر السياسي والنضال الوطني ضد العدو المحتل إنما يبدأ بالتحرر العاطفي. والقادر علي الحب قادر علي النضال. ولا خيانة في العشق سواء عشق المرأة أم عشق الوطن. بل إن الجهاد الأكبر كما يروي أحيانا هو جهاد النفس، يسبق الجهاد الأصغر وهو جهاد العدو. طالما أن المرأة في الخفاء، تتستر وتتخفي من الحياة العامة ينشأ لدينا صراع بين المرأة القديمة و(المرأة الجديدة)، بين الحجاب والسفور لدرجة الفتنة بيننا وبين أنفسنا، وبيننا وبين الآخرين كما حدث في الفتاوي والفتاوي المضادة في قضية الحجاب أخيرا. وسيدعم الغرب الاتجاهات والمنظمات ومراكز الأبحاث عن حقوق المرأة. وتـُتهم ثقافتنا القديمة والموروثة والتي ما زالت مستمرة بالمعاداة للمرأة، وان لدينا مشكلة (الجندر) مثل مشاكل الأقليات وحقوق الإنسان، والمجتمع المدني، وحقوق الطفل، وحقوق البيئة. ويشق المجتمع والثقافة والحياة الخاصة والعامة إلي شقين: دعوة إلي الحداثة والتمرد علي القديم، ودعوة إلي الأصالة والهوية والمحافظة ورفض الحديث. والمرأة حائرة بين الدعوتين. إن تبنت الأولي اتهمت بالسفور وعدم تطبيق الشريعة. وإن سارت في الثانية اتهمت بالمحافظة والتقليد. أما وضع المرأة في المجتمع وحصاره بين قانون الأحوال الشخصية القديم دون تطويره وحقوق المرأة كما تنادي به المواثيق الدولية، حق المساواة مع الرجل في الشهادة والميراث والزواج والطلاق وتولي المناصب العامة بما في ذلك رئاسة الدولة ومن دون نقد ما تبقي منه من عري وإجهاض وشذوذ فلا يتغير. وتستصرخ المرأة في هذا العصر نفسها وغيرها كيف تفك حصارها بالنقد المزدوج للقديم والجديد حتي يفرض الواقع نفسه علي الفكر، والمصلحة العامة علي النص. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1728 --- Date 11/2/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1728 --- التاريخ 2004 - 2 - 11 AZP07 HSHN |