|
|
تلك الدولة - نبيل سليمان منذ سنوات صدع الطيب تيزيني الأسماع بدعوي (الدولة الأمنية). وها هو ممدوح عدوان يصدع الأسماع بالدولة القمعية. وكما كثفت دعوي تيزيني ما سبقها في تلك الدولة، يكثف عدوان دعوي تيزيني وما سبقها وما وازاها، وإذا بنا أمام الدولة التي قال بها الشاعر المصري حسن طلب، في قصيدته (كنت وحيداً في القرية) والتي كتبها إثر محاولة اغتيال نجيب محفوظ: والدولة ــ تلك القاصر ــ تفتك بالحشرات نهاراً وتعود إذا جُنَّ الليل فتحتضن اليرقة لتداهمنا في الصبح عقولٌ نافقةٌ وجلود دبقة في الصحف السيارة أقلام بلحي وجلابيب وفي التيلفزيون غرابيبُ ومرتزقة في الجامعة وفي الجامع في المدرسة وفي المحكمة وفي المصنع في مجلس نواب الشعب إنها الدولة التي لا أمان فيها علي دكانك أو وظيفتك أو مزرعتك أو بيتك أو سيارتك أو.. أو رأسك أو وطنك. إنها الدولة التي تذرّر البشر وهم محتشدون في مسيرات البيعة، فتنأي الذرة عن الذرة، ولكن لترتد إلي ـــ معجزة الدولة القمعية ـــ الأمنية، أي إلي لحمة الوطن والأمة والقومية والدين، أي إلي لحمة القائد المتأله، فتفيق الذرة من سباتٍ العشيرة أو الطائفة أو الحارة أو الإتنية أو العائلية، في الوقت الذي تحتشد فيه الذرات في المنظمات الشعبية والحزب الحاكم والأحزاب المتعلقة بنعال الحزب الحاكم وأجهزة الأمن وصفوف العاطلين والعاطلات عن العمل و.. إنها الدولة التي لولاها لكان المواطن نهب الفوضي، والوطن نهب المؤامرات، علي الرغم من أن الفوضي تطيش الإدارات والتخطيط وإشارات المرور والجامعات و.. وعلي الرغم من أن الوطن يصغر من حرب إلي حرب، ولكن ما همّ، ما دامت الدولة تحرم علي الذرات أن تتشكّل حزباً أو منتدي أو جمعية، لا سياسية ولا اجتماعية ولا مهنية ولا ثقافية ولا.. ومادامت الدولة تمنح المواطن عطاء فعطاء: الخطبة العصماء والتمثال البهيم ومضاعفة الرواتب ـــ ربع الضعف مثلاً أو ضعفين، لا فرق ـــ وحفر الشوارع ومراقبة الأنترنيت والجريدة التي لا تُقرأ ومدافن النفايات النووية أو المقابر الجماعية وإعلانات الموبايل الساحرة و.. إنها دولة السحر التي تمسخ من يتعلقون بها، فيصيرون سيفها علي أية رقبة للبشر أو الحيوان أو الشجر أو الحجر. إنها دولة السحر التي تمسخ كل من يختلف معها فيصير عميلاً مأجوراً وخائناً مأفوناً وشراً ذرَّ قرنه علي أمن الدولة والوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي، لكأن هذا الذي لا يكفي فيه تجويع ولا اعتقال ولا تعذيب ولا مقتلة، لا يري الدولة الأمنية ـ القمعية الجارة أو الشقيقة أو الصديقة أو البعيدة أو العدوة، بل لا يري إلا الأخطاء والثغرات، ويعمي عن الإنجازات والمكتسبات! إلي تلك الدولة أهدي هذي القصاصة من قصة (حملة الجنرال) لسيدو باديان: (هناك دولة يا رقية، لم يتكلم عليها ماركس. إنها الدولة ــ اللص، وسوف يتسني لك أن تعرفي ما هي). وقد حملت من زيارتي الوحيدة للدوحة هذه القصاصة المؤرخة في 22/12/1985، وتوالت السنون، وكتب طيب تيزيني وممدوح عدوان ومن سبقهما ومن تلاهما ما كتبوا وما كتبن، بينما ازدادت الدولة الأمنية ــ القمعية قمعيةً وأمنيةً، ولا حول ولا قوة إلا بالله! AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1722 --- Date 29/1/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1722 --- التاريخ 2004 - 1 - 29 AZP09 AYMK NBSL |