|
|
مقالات سياسية - د. حسن حنفي - مفكر من مصر - سوريا وتـركيـا في منعطق الوضع الاقليمي - لكي يكون الاسترشاد بالمصالح المشتركة عنواناً جديداً للعلاقات كما أن مصر وإيران يشكلان قطبي الرحي في الوطن العربي والعالم الإسلامي في الجناح الشرقي فكذلك سوريا وتركيا يشكلان قطبي الرحي في الوطن العربي والعالم الإسلامي في الجناح الشمالي. وقد تزامن بداية تطبيع العلاقات بين مصر وإيران مع بداية إعادة جو التفاهم والحوار بين سوريا وتركيا توسيعا لمفهوم الأمن القومي العربي إلي دول الجوار في الشرق والشمال خاصة وأنها كانت عبر التاريخ جزءا من كيان سياسي واحد ابتداء من دولة الخلافة حتي العصر الحديث في مؤتمر باندونج، ومنظمة تضامن شعوب آسيا وأفريقيا، ومجموعة الأربع وعشرين الجديدة في آسيا وأفريقيا في مواجهة مجموعة الثمانية الأكثر تصنيعا في قلب العولمة. لقد كانت سوريا جزءا من الدولة العثمانية. وكانت دمشق أول عاصمة للخلافة، واسطنبول آخرها. بل كان أبو الهدي الصيادي وهو سوري الأصل من أنصار الدولة العثمانية واستمرارها بما فيها من عيوب، القهر والتخلف، في مواجهة الإصلاحيين وحزب اللامركزية وجماعة تركيا الفتاة. وحافظت تركيا في العصر العثماني علي التراث العربي الإسلامي. وبها أكبر قدر من المخطوطات العربية في مسجدي أحمد الثالث والسليمانية. وبها نشأت أكبر حركة تجميع للتراث، عصر الشروح والملخصات والموسوعات الكبري، حفاظا عليه من الضياع بعد الغارات المستمرة علي العالم الإسلامي من الشرق مرتين، التتار والمغول، ومن الغرب مرتين، الفرنجة أي الصليبيون والاستعمار الغربي الحديث. ومسار التاريخ يتحول ويتغير ويتبدل ولكنه لا ينقطع. فالتاريخ حركة مستمرة. ولا شيء فيه يضيع أو يتبدد. ويظل الموروث الثقافي قابعا في الوعي التاريخي للشعوب. فما بين سوريا وتركيا هناك موروث ثقافي مشترك، الموروث العربي الإسلامي الذي استأنف الموروث اليوناني الروماني، مهما تبنت تركيا التيار العلماني منذ الثورة الكمالية في أوائل العشرينيات، ومهما تبنت سوريا التيار القومي قبل ذلك بقليل، نحو عقد من الزمان. اضطهاد الأقليات بدأت عوامل التفكك في الدولة العثمانية. فلم تكن لتستطيع بمركزيتها الشديدة السيطرة علي أرجاء العالم الإسلامي من البلقان غربا حتي الهند شرقا. وبدأ اضطهاد الأقليات الداعية للانفصال هروبا من الظلم العثماني، الأرمن في شرق الإمبراطورية وشعوب البلقان في غربها، وحركة القوميين العرب في جنوبها. وروسيا تريد أجزاء منها في الشمال في حرب القرم وفي الشرق في أواسط آسيا. والقوي الغربية الاستعمارية الكبري تريد تقطيع أوصالها لالتهام أجزائها فيما عُرف في القرن التاسع عشر باسم (الرجل المريض). نشأت حركة القومية العربية عن حق ضد المركزية العثمانية وكرد فعل علي القومية الطورانية وهربا من اضطهاد العثمانيين للحركة باعتبارها حركة انفصالية مثل باقي الحركات القومية التي لم تستطع الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف والمفككة من الداخل صهرها في دولة متعددة القوميات ومتساوية فيما بينها أو في ثقافة إسلامية واحدة توحد بين القوميات إذ (لا فضل لعربي علي عجمي إلا بالتقوي والعمل الصالح). وعلقت المشانق لقادتها في دمشق في أوائل العقد الثاني من القرن الماضي. وبدأت كتابات القوميين العرب بالفرنسية أولا عن (الأمة العربية) ثم تعددت الكتابات بالعربية ثانيا ابتداء من كتابات ساطع الحصري حتي ميشيل عفلق وصلاح البيطار وغيرهم. بل لقد غالي بعض المؤرخين الأجانب أولا والإسلاميين ثانيا في الحكم علي الحركة القومية العربية أنها نشأت بمساعدة الغرب، خاصة بريطانيا، باعتبارها حركة انفصالية طالما تدعو إلي انفصال العرب عن الأتراك مما يضعف وحدة الأمة الإسلامية. لذلك دعا الأفغاني إلي وحدة العرب والأتراك، ووحدة العرب والعجم، حرصا علي وحدة دولة الخلافة مع الدفاع عن اللامركزية للتخفيف من سلطة استانبول وتحقيق مطالب القوميات كحل وسط بين الانصهار والانفصال. فقد عاونت القوي الغربية علي نشأة سلطة عربية ممثلة في معاهدة سايكس بيكو. وتفاوض الشريف حسين مع ماكماهون علي نقل بعض أفراد العائلة المالكة من شبه الجزيرة العربية إلي الشام والعراق وتنصيب ملوك علي الدولتين. وحارب لورانس مع العرب ضد الأتراك، بل لقد ادعي البعض أن فكرة الجامعة العربية فكرة بريطانية. وكانت المحصلة أن استبدل العرب بالمستعمر التركي المستعمر البريطاني بعد أن تخلت بريطانيا عن وعودها بإنشاء دولة عربية مستقلة إذا ما انفصل العرب عن الأتراك. وأعطت وعودا أخري، وعد بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود عام 1917. واستمر التوتر قائما بين سوريا، قلب العروبة الجديد، وتركيا إلي أن حدثت شبه قطيعة بين السلطنة والولاية عندما اقتطعت تركيا القومية لواء الاسكندونة وعاصمتها أطنة وضمتها إليها في صحوة استرداد الأراضي الوطنية وطرد المستعمر اليوناني الذي كان علي أبواب أنقره. لذلك قام الضابط مصطفي كمال بالانقلاب علي السلطنة عام 1921 دفاعا عن الوطن الأم، وألغي الخلافة بعدها. وأصبح الفضل للجيش وللقومية الطورانية والعلمانية في استرداد تركيا لكرامتها واستقلالها ووطنها ضد الانكشارية والخلافة باسم الدين. وتصور كما تصور الغرب، أن العلمانية ضد الدين وهي جوهر الدين. عادت سوريا تركيا عن حق، دفاعا عن وحدة الأراضي الوطنية. وربما ما فعلته تركيا مع سوريا فعلته مع العراق بضم أراضي ديار بكر والامتداد شرقا مثل الامتداد جنوبا، تعويضا عن الانحسار غربا من البلقان، وشرقا في أواسط آسيا، وجنوبا في مصر. بينهما فاصل البحر وليس امتداد البر. وكرد فعل علي اقتطاع تركيا لواء الاسكندرونة قامت سوريا بتأييد الحركات الانفصالية الكردية بزعامة عبد الله أوجلان، وإفساح الأراضي السورية كمراكز للتدريب والقيادة وربما الإمداد بالسلاح والمال. وازداد الخلاف بين سوريا ومعها الوطن العربي، وتركيا عندما أخذت تركيا سياسة التقرب إلي الغرب، واعتبار نفسها دولة أوروبية ما زالت تسعي إلي الانضمام إلي الاتحاد الأوروبي، ورفض أوروبا لها للتمايز الثقافي بين الاثنين، ولملفات حقوق الإنسان، وقضايا الحريات العامة، وضعف الاقتصاد التركي، وانخفاض العملة. في حين أخذت سوريا سياسة مناهضة الاستعمار الغربي. ففرنسا مازالت تحتل سوريا حتي الأربعينيات. والغرب مازال يتدخل في سياسات سوريا حتي ثورة الجيش الأولي في أواخر الأربعينيات، وتبني دمشق للقومية العربية، والعمل علي إنشاء وحدة عربية في دولة عربية كبري جنوب تركيا وشرقها. ثم اتسعت شقة الخلاف أكثر بالتحالف التركي الإسرائيلي في غياب التقارب العربي التركي. فهما أمام عدو مشترك، الإرهاب العربي القومي أو الأصولي الإسلامي، واقتصادهما في حالة النمو والتكامل. وإسرائيل قد تكون القنطرة التي من خلالها يتم تقديم أوراق اعتماد تركيا إلي الغرب من جديد. وتركيا عضو بحلف شمال الأطلنطي، وعلي أرضها قواعد عسكرية أمريكية، وإسرائيل رأس جسر الغرب في الشرق، وترسانة عسكرية أمريكية. ويستطيع الطيران الإسرائيلي ضرب سوريا بالالتفاف عليها من الشمال من الأجواء التركية. والآن، ألا يمكن تجاوز منطق الأفعال وردود الأفعال التي حكمت العلاقات السورية التركية في القرن العشرين إلي علاقات أخري تحكمها المصلحة المشتركة بين دول الجوار في مواجهة الأخطار المشتركة؟ الدعوات الانفصالية إن الدعوات الانفصالية الكردية تهدد الدول الوطنية في سوريا وتركيا والعراق وإيران. والتطلعات القومية المشروعة للأكراد لا تتحقق بالضرورة بمنطق الانفصال والتجزئة الذي يهدد المنطقة كلها لتحويلها إلي فسيفساء عرقي وطائفي كي تصبح إسرائيل هي أكبر دولة عرقية طائفية في المنطقة، تأخذ شرعية جديدة من طبيعة الجغرافيا السياسية المحلية بعيدا عن الأساطير المؤسسة للدولة الإسرائيلية مثل أرض المعاد وشعب الله المختار، وكما تصورها هرتزل في أواخر القرن التاسع عشر. ودولة كردية مستقلة لن ترضي عنها الدول الوطنية التي يوجد الأكراد فيها. إنما الحل الواقعي هو الحكم الذاتي أو الإقليمية داخل الدول الوطنية للمحافظة علي الهوية الكردية لغة وثقافة وتقاليد وعادات وأعراف وفنون شعبية. والفيدرالية الإقليمية التي تقوم علي اللامركزية وليس علي الطائفة أو العرق نظام حكم وتجربة سياسية في كل الدول المترامية الأطراف مثل الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. وهي تجربة إسلامية وموقف شرعي بالأصالة كما هو معروف في ميثاق المدينة الذي وضع أول دستور فيدرالي للأمة الإسلامية المكونة من عدة طوائف وأعراق، لكل كيانها المستقل ولغتها بل وقضاؤها وخصوصياتها في حلف بينها ينص علي المساواة في الحقوق والواجبات وعدم العدوان، والتعاون علي الخير. وهو ما سمي في الدولة العثمانية خطأ النظام (المللي). فالأقوام ليست مجتمعات مغلقة بل هي قوميات مفتوحة لغويا وثقافيا للتعارف فيما بينها وللإثراء المتبادل والتعاون لصالح الأمة الواحدة. الهيمنة الاقتصادية والسياسية والخطر الآخر الهيمنة الأمريكية علي المنطقة حتي تدخل كلها في منظومة العولمة الجديدة، وهي أحد أشكال الهيمنة الاقتصادية والسياسية والثقافية بل والعسكرية الجديدة، وتجاوز الشرعية الدولية والاستقلال الوطني للشعوب. وقد استطاعت تركيا بفضل سياسات حزب العدالة والتنمية الوقوف أمام الرغبة الأمريكية في استعمال أراضيها وأجوائها لغزو العراق من الشمال. ورفضت كل الإغراءات الأمريكية بالمال والسلاح واقتسام الغنائم والانضمام إلي الاتحاد الأوروبي في سبيل الحفاظ علي دور الجوار. وهي في سبيل إيجاد توازن أكبر بين العرب وإسرائيل بمزيد من الابتعاد عن إسرائيل علي الرغم من إغراءات التصنيع المشترك، والتعاون الاقتصادي، وشراء المياه، ومقاومة الإرهاب. إن وطنية مصطفي كمال دفاعا عن الوطن الأم ضد الاحتلال التركي لا تبتعد كثيرا عن الثورات الوطنية في الوطن العربي مثل ثورة 1919 في مصر. وقد ظلت الأحزاب الوطنية المصرية مثل الحزب الوطني في علاقة مستمرة مع تركيا حتي بعد الثورة الكمالية. وما زال المؤرخون العرب يعيدون النظر في تاريخ الدولة العثمانية بعد أن شوهه المؤرخون الغربيون، ويبينون مآثرها في الدفاع عن استقلال الولايات في المغرب العربي وفي أواسط آسيا وفي مصر واليمن. بل إن باني مصر الحديثة، محمد علي كان ألبانيا من ولاية تركية أتي للدفاع عن مصر ضد الاحتلال الأجنبي. وبناء تركيا الحديثة بناء علي النموذج الغربي لا يختلف كثيرا عن بناء الأقطار العربية الحديثة في مصر والشام. إن العلمانية التي كثيرا ما تتهم تركيا بها هي في الحقيقة مقاصد الشريعة والمصالح العامة. فالشريعة (وضعية) تأسست ابتداء علي المقاصد الخمسة للتشريع: الدفاع عن النفس أي الحياة، والعقل أي المعرفة، والدين أي المعيار الثابت للحقيقة، والعرض أي الكرامة الفردية والوطنية، والمال أي الثروة الوطنية. فالمصلحة أساس التشريع. وأينما تكون المصلحة يكون الشرع. وما رآه المسلمون حسن فهو عند الله حسن. وهناك جيل ناشئ في سوريا والوطن العربي، وفي تركيا والعالم الإسلامي، يتجاوز الاستقطاب الشديد بين السلفية والعلمانية، بين الأصولية والحداثة، وهو التيار الإصلاحي الوطني. يتجاوز السلطان عبد الحميد ومصطفي كمال في آن واحد ليشق طريقا جديدا هو الإسلام الوطني والثقافة الوطنية التي تحفظ استمرار الشخصية الوطنية في التاريخ في سوريا وتركيا علي حد سواء. لا فرق بين الوطن والإسلام. والعروبة هي الحامل للثقافة الإسلامية. فليست العروبة بأب أو أم إنما العروبة هي اللسان. والأتراك مثل الإيرانيين مولعون بالعربية، ويحنون إلي لحظات الانتصار في الماضي البعيد لعلها تكون أملا للحظات الانتصار في المستقبل القريب. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1720 --- Date 27/1/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1720 --- التاريخ 2004 - 1 - 27 AZP07 HSHN |