|
|
موسوعة العامية السورية - نبيل سليمان إبان صدور الطبعة الثانية من روايتي (جرماتي أو ملف البلاد التي سوف تعيش بعد الحرب) عام 1995، أخذ عادل أبو شنب عليّ بعض الأخطاء اللغوية، وعدّ من ذلك تذكير كلمة (طريق)، فدفعني ذلك إلي التقليب في (مختار الصحاح) ثم في (لسان العرب)، حيث رأيت جواز تأنيث تلك الكلمة وتذكيرها. ولئن كنت قد تعودت التقليب في المعاجم من حين إلي حين، منذ أول عهدي بالجامعة قبل أربعين سنة، فقد دأبت أيضاً علي الإفادة في كتابتي للرواية، من العامية السورية، وإن كنت في السنوات الأخيرة دأبت علي التحذير من المغالاة في استخدام العاميات العربية، سواء في الحوار الروائي، أو في المتن السردي الروائي. فهذه المغالاة التي تتوخي توفير النكهة الشعبية للغة الروائية، وتبيئتها، ترفع من الحواجز ما ترفع أمام من يقرأون بالعربية في غير بلد الروائي، فيما الرواية لا تخاطب القارئ في بلد الروائي وحسب. بكل ذلك أقدم للاحتفاء بالجهد العلمي الكبير الذي بذله ياسين عبد الرحيم، فكانت له (موسوعة العامية السورية: دراسة لعفوية نقدية في التفصيح والتأصيل والمولّد والدخيل). وقد صدرت هذه الموسوعة منذ شهور (2003) في أربعة أجزاء، عن وزارة الثقافة السورية، واستهلها المؤلف باندغام حلمه في حلم بلزاك حين قال الأخير: "ما أروع الكتاب الذي سيكتبه المرء إذا سرد حياة كلمة ما ومغامراتها". وعزّز ياسين عبد الرحيم حلمه بتساؤل بلزاك: "ألن يكون أكثر فخامة وجلالاً أن ينظر إلي الكلمة في بعدها الثلاثي: الروح، الجسد، الحركة!". وينهي ياسين عبد الرحيم استهلاله لموسوعته بتوكيد دافيد كريستل علي أن اللغات لا تتفاضل، بل تختلف وحسب. بعد الاستهلال يدفع المؤلف بمقدمته المنهجية المطولة، مشدداً علي أن اختلاط اللغة العربية بالقومية والدين جعل منها (مقدساً), وأطلق تهمة الشعوبية علي من يأخذ العاميات بأي قدر. ويعود المؤلف إلي ابن جني وسيبويه وسواهما من القدماء، وإلي مسعود بوبو وأنطون سعادة وحلمي خليل وسواهم من المحدثين، ويثبت مأخذ الأخير علي القدماء الذين ربطوا الفصاحة بالبداوة والجنس، ونسوا أن اللغة بنت الحاجة والاستعمال. في ذلك يؤسس ياسين عبد الرحيم ما يراه من سقم معاجمنا وفقرها وتلهيها بالمحنطات والمستحاثات اللغوية، وأنفتها الزائفة في تجاهل العامي الموروث الذي ثبت علي الألسنة مع تقلب الأزمان، وانشغالها بالبائد وشغل الناس بلهجات القبائل واختلافاتها". في مراجع هذه الموسوعة، يبرز بخاصة (معجم الألفاظ العامية اللبنانية) لأنيس فريحة، وكتابا الأب رفائيل نخلة اليسوعي (غرائب اللغة العربية) و(غرائب اللهجة اللبنانية السورية). كما يبرز الجهد اللغوي لأنطون سعادة ــ مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي ــ حيث لا يخفي (النزوع الحزبي) للمؤلف، لكن الأهم هو ما وفّر لموسوعيته من الدقة والمنهجية والرصانة العلمية والثراء والإحاطة. لقد جاءت مواد الموسوعة بالترتيب الألفبائي، مستقاة من السماع، ابتداءً بقرية لمؤلف (بعمرة) فالمنطقة الإدارية التي تتبع لها (صافيتا) فالساحل السوري, فالشام (أي سورية). وهكذا أثبت المؤلف اللفظ، والتشكيل، والمعني والدلالة في أذهان العامة، وحقق أصل اللفظة: هل هي قادمة من الفصحي بالتصحيف والتحريف، أم هي قادمة من لغة سامية ما، مما عرفت هذه البلاد التي يشبهها المؤلف بالمصهر الحضاري واللغوي، حيث عرفت الآرامية والأكادية والبابلية وسواها من اللغات السامية، وكذلك من اللغات الفارسية واليونانية والتركية.. ولم يفت المؤلف أن يحكّ الآراء المتعارضة، وينزع عن بعض الألفاظ صفة الغريب والدخيل علي الفصحي، وهو ما سيثري الفصحي بفضل هذه الموسوعة التي تنضاف إلي جهد المفكر المرحوم هادي العلوي، وبخاصة فيما اقترحه وطبقه في كتاباته خلال السنوات الأخيرة من حياته، من التحريك والتسكين في النهايات والبدايات. أما ياسين عبد الرحيم فسيتابع إلي الإمالة والتفخيم والترقيق وسوي ذلك مما لا يتسع له مثل هذا المقام. تحية لياسين عبد الرحيم، وتحية لهذه الموسوعة، وتحية لمن سبق ومن سيوالي مثل هذا الجهد بالعلم وبالانفتاح، وهو الجهد الذي يخفف وسيخفف من غلواء الجهل والعصبوية، سواء اتصل الأمر بالفصحي أم بالعامية، أية عامية. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1716 --- Date 22/1/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1716 --- التاريخ 2004 - 1 - 22 AZP09 AYMK NBSL |