|
|
مقالات سياسية - د. حسن حنفي - مفكر من مصر - فتنـة الحجــاب - الحجاب الحقيقي في تغطية العقل والروح الفتوي الشرعية ليست فتنة بين الناس. ينقسم الفقهاء والعلماء والمفكرون حولها إلي فريقين، كل فريق يستبعد الآخر ويخطئه. مع أنه لا تخطئة في الفروع. والصواب متعدد، ولكل مجتهد نصيب، ومن أخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران. وقد وقع استقطاب شديد بين العلماء، غذّته القنوات الفضائية والصحافة الصفراء التي يهمها النصر الإعلامي أكثر من توخي الحقيقة والحفاظ علي مصالح الأمة. وتحول الأمر إلي مزايدة في الإيمان بالدفاع عن الحجاب وتخطئة فرنسا وشيخ الأزهر بمنطق إحراجي. فأي رئيس دولة أجنبية قادر علي منع الحجاب الشرعي؟ وأي شيخ أزهر قادر علي تبرير ذلك بحضور أو غياب وزير داخلية فرنسا المسؤول علي الشؤون الدينية؟ تحول الفقه والاجتهاد الشرعي إلي مباراة بين فريقين. كل فريق يريد تسجيل أهداف ضد الفريق الآخر في مجتمعات مازالت تغلب عليها الخصومة في كل موضوع، ويغيب عنها الحوار. وضاعت الحقيقة وسط التحزب. وتواري الموضوع نفسه أمام تعدد الاجتهادات حتي أصبحت بديلا عنه. وغابت المصالح العامة للمسلمين في الغرب بسبب اختلافات الفقهاء في الشرق. وفي الوقت الذي تقف فيه فرنسا في صالح القضايا العربية في فلسطين والعراق وضد الاحتلال الإسرائيلي لمجمل أراضي فلسطين، وضد العدوان الأمريكي البريطاني علي العراق، وضد الهيمنة الأمريكية، وتجاوز الشرعية الدولية، وتكوّن مع ألمانيا وبلجيكا وبعض الدول الأوروبية الأخري محورا في مواجهة الولايات المتحدة دفاعا عن استقلال أوروبا، وتدعيما للاتحاد الأوروبي، وتنشيطا للجنة الرباعية تأتي فتنة الحجاب لتخلق توترا بين المسلمين وفرنسا مما يضر بالمصالح القومية للبلاد. خاصة وأن اليهود لم يثيروا نفس الزوبعة دفاعا عن القبعة اليهودية وهم أهل سطوة وخطوة. ولا المسيحيين الفرنسيين ثاروا دفاعا عن الصليب الظاهر المعلق فوق الأعناق والمتدلي علي الصدور وهم أصحاب البلاد. السطوة والقهر وهو نفس التوقيت الخاطئ الذي ظهرت فيه فتوي تكفير سلمان رشدي عن روايته (الآيات الشيطانية)، والحكم عليه بالقتل، ومكافأة القاتل بالملايين وانتفاضة الحجارة الأولي في ذروتها، والكل منبهر بأطفال الحجارة ويتساءل عن الظلم الذي حاق بالشعب الفلسطيني منذ 1948، وبروز القضية الفلسطينية علي الساحة الدولية والتعاطف الذي حظت به في الرأي العام الدولي. وكذلك تكفير نصر حامد أبو زيد وتطليقه عن زوجته لأعماله العلمية. فالمجتمع بما في ذلك الجامعة مازال مجتمع سطوة وقهر. وبعد فتوي التكفير والقتل انقلب الرأي العام، وبدأت حملة الهجوم علي الإسلام والمسلمين الذين لا يتحملون رواية يكفرون صاحبها ويحكمون عليه بالإعدام ولا بحثا علميا لأستاذ جامعي. فضاع ما كسبناه في الرأي العام الدولي. خطوة إلي الأمام وخطوتان إلي الخلف. وتكرر نفس الشيء بعد الهجوم علي رواية (وليمة لأعشاب البحر) وإدانتها، والحث علي المظاهرات ضدها في الأزهر، وكانت النتيجة خسارة جريدة المعارضة الرئيسية في البلاد وفض حزب المعارضة وحله بدعوي إثارة الشغب. وخسرت البدائل الثقافية والسياسية في مصر أهم عنصر فيها. أصبح الموضوع مناسبة لإظهار القوة والنزاع علي السلطة في المجتمع بين المحافظين الذين يدافعون عن الحجاب من حيث المبدأ والإصلاحيين الحريصين علي مصالح الأمة عامة، ومصالح المسلمين في الغرب خاصة. كل فريق يريد ملء الفراغ الفكري والسياسي في البلاد حتي يكون البديل عن النظام القائم الذي أصبح عرضة للنقد. تكفي التبعية للخارج، والقهر والفساد في الداخل. شرعية الحجاب والحكمان كلاهما صحيح. الحجاب شرعي من حيث المبدأ داخل الأمة وخارجها في المجتمعات التي بها المسلمون أغلبية أو أقلية، تعبيرا عن الهوية. وقد كان كذلك أثناء الثورة الإسلامية في إيران ضد تغريب الشاه للبلاد وكرد فعل علي السفور الغربي في الخارج. فالحجاب رمز للهوية وعلامة علي الأصالة. ويحدث نفس الشيء عندما تعيش الأقلية وسط الأغلبية فتتمسك الأقلية بمظاهر هويتها خوفا من الذوبان والاندماج في الآخر. فتشتد مظاهر الخصوصية، وتقوي رموزها. ظهر ذلك أثناء الأسر البابلي عند اليهود وبداية التمسك بهذه العلامات التي مازالت تحرص عليه التيارات الأرثوذوكسية. كما تظهر في أوقات الهزيمة وحالات العجز والإحباط لرفع الروح المعنوية. فإذا خسرت أمة معركة الحاضر إلا أنها مازالت منتصرة في التاريخ. إن مات حاضرها فماضيها مازال حيا في القلوب، ويتجلي في الجوارح في الحجاب والذقون والجلباب الأبيض وعطور مكة وروائح المدينة والشرائط الدينية لمشاهير الخطباء ونجوم الوعاظ. وتشتد في زمن الضياع والتوقف عن السير، والانهيار التام، والإحساس المستمر بالفشل، وندب سوء الحظ. فلم تحفظ الأمة الأيديولوجيات العلمانية للتحديث، الليبرالية والقومية والماركسية. ولم يبق إلا المخزون النفسي والموروث الثقافي المستمر عبر التاريخ والذي تكلس وتحجر وتم تحنيطه في عقيدة كلامية واحدة، الأشعرية، ومذهب فقهي واحد، الشافعية، وفرقة ناجية واحدة هي فرقة السلطان، وتكفير كل فرق المعارضة باعتبارها فرقا هالكة. وطاعة الأقلية المسلمة في مجتمعات الأغلبية والدول الوطنية التي يعيشون فيها لقوانين البلاد باعتبارهم مواطنين أخذوا جنسيات الدول المضيفة ويتمتعون بحق العمل والعيش والتأمين الصحي والضمان الاجتماعي والمشاركة السياسية أيضا موقف شرعي طالما أنهم لا يعيشون في دولة إسلامية تطبق الشريعة الإسلامية. ورفض هذا التعامل هو ما دعا بعض الجماعات الإسلامية لتكفير المجتمع والانفصال عنه بل والخروج عليه أو النزول تحت الأرض لتكوين جماعات سرية بعيدا عن دار الكفر، في دار الإسلام بعيدا عن دار الحرب. والقوانين الغربية كما لاحظ الطهطاوي تقوم علي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين عند المعتزلة وعلي المنافع العمومية وهي المصالح العامة في الشريعة الإسلامية. كما تقوم علي المساواة في الحقوق والواجبات بين المواطنين دون تفرقة في دين أو لون أو لغة تطبيقا لحديث (لا فضل لعربي علي أعجمي إلا بالتقوي والعمل الصالح). فالقوانين الغربية تقوم علي العدل. والعدل شريعة الله. وتمثل الإرادة العامة، إرادة الأمة ومصالح الناس. وهي شريعة وضعية كما أن الشريعة الإسلامية شريعة وضعية وهو مصطلح الشاطبي في (الموافقات) في وصفه لأحكام الوضع الخمسة: السبب، والشرط، والمانع، والعزيمة والرخصة، والصحة والبطلان والتي تكون ميدان الفعل الإنساني والذي فيه تتحقق أحكام التكليف الخمسة: الواجب والمحظور، والمندوب والمكروه، والمباح. القضية إذن ليست في صحة هذا الحكم الشرعي أو ذاك. فكلاهما صحيح. إنما القضية هي كيفية الجمع بينهما بطرق الجمع المعروفة عند الأصوليين، عند تعارض الأدلة مثل الترجيح أو التخيير. فقد شرع الحجاب بناء علي طلب عمر بن الخطاب عندما تعرّف علي إحدي زوجات الرسول سائرة في الطريق وطلب من الرسول أن يحتجبن. فالحجاب كان مطلبا للواقع، زوجات الرسول. صحيح أن خصوص السبب يقتضي عموم الحكم ولكن القضية في الحكم الشرعي وشروطه هي التعرف علي أسباب النزول مثل العلم باللغة العربية. صحيح أن الحجاب رمز وعلامة ولكن الله لا ينظر إلي الصور والأشكال بل إلي الضمائر والأعمال. وفي الحرب يجوز سقوط الحجاب. والحجاب ليس هو حجاب الرأس بل حجاب العقل والروح والوعي. يا ليت المسلم يكون سباقا إلي الهبوط علي سطح القمر، ويرسل مركبة إلي المريخ لمعرفة أسرار الحياة، ويطلب العلم ولو في الصين. يا ليت الأمة تكون معتمدة علي نفسها في الغذاء والكساء والسلاح والعلم بدلا من الاعتماد علي غيرها. يا ليت كل هذه الضجة حول الحجاب قامت علي احتلال القدس وفلسطين والعدوان علي العراق وأفغانستان وكشمير والشيشان. ليت الإسلام يدخل إلي قلوب المسلمين من أوسع الأبواب لمقاومة الاحتلال والدفاع عن حريات المسلمين ضد نظم القهر والتسلط وتحقيق العدالة الاجتماعية. فأفقر فقراء العالم منا، وأغني أغنياء العالم فينا، وتوحيد الأمة بدلا من مخططات التجزئة إلي دويلات عرقية وطائفية، وحشد طاقات الأمة حتي تخرج عن عجزها، وتنهي صمتها، وتحاصر حصارها. الحريات الشخصية الموضوع إذن في حاجة إلي مزيد من التدقيق. فالحجاب ليس ممنوعا في الحياة العامة والخاصة. فهو جزء من الحريات الشخصية لجميع المواطنين الذين هم سواء أمام القانون. ليس لأسباب دينية كما يريدها المسلمون أو علمانية كما يريدها الرئيس الفرنسي بل باسم المواطنة وحرية الاعتقاد واللباس. لا فرق بين كاس وعار. إنما القضية في المدارس، طلابا ومدرسين، حماية للتعليم وحرية البحث والنظر. فالطالبة المحجبة تعرف الحقيقية مسبقا من تعاليم المنزل والتربية الدينية. والتعليم في حاجة إلي النظر الحر، والبحث عن الحقيقة، والتخلي عن الأفكار المسبقة والتقاليد الشائعة مؤقتا كما طالب ديكارت حتي يمكن التحقق من صحتها واحدة واحدة بالعقل السليم بعد ذلك. وقد طالب الغزالي أيضا بالشك في الموروث. فمن لم يشك، لم ينظر، ومن لم ينظر لم يتعرّف علي الحق. وكذلك الأمر بالنسبة للمدرِّسة المحجبة التي تعرف الحقيقة من قبل مما يقلل من قدرتها علي ممارسة حرية والنظر والبحث عن الحقيقة مع الطلبة والطالبات. وقد تسأل الطالبة عارية الرأس مدرستها: لماذا تضعين غطاء الرأس يا أستاذة؟ وبعض المدرسات يتخذن السؤال ذريعة للدعوة إلي الإسلام، وإن كان يهوديا بالقبعة بالدعوة إلي اليهودية، وإن كان مسيحيا بالصليب بالدعوة إلي المسيحية مما يتعارض مع منهج التعليم في البحث والنظر وليس في الوعظ والإرشاد. وأول الواجبات علي المسلم هو النظر، وعند الجبائي الشك واجب قبل النظر. وقد عبّر لسنج عن روح التنوير بعبارته الشهيرة: والله لو وضعوا الحقيقة في يميني والبحث عن الحقيقة في يساري لاخترت يساري. ويمكن الدفاع عن حق المواطن في الدفاع عن الحريات عن طريق التعددية الثقافية التي يكفلها الدستور وتنص عليها المواثيق الدولية. فكما أن هناك حق للعري وللشذوذ الجنسي والإجهاض هناك حق للقضاء باسم الحريات الشخصية والتنوع الثقافي. وهو ما نمنعه نحن أيضا في بلادنا احتراما لتقاليدنا وعاداتنا وهويتنا الثقافية علي كل القاطنين في البلاد، مواطنين وأجانب. معيار الترجيح إذن هو مصالح الأمة. فقد خرج المسلمون من أوطانهم سعيا للرزق أو هربا من القهر. والخبز والحرية دافعان إسلاميان للحركة والنشاط. وهما فعلان إلهيان بنص الآية (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف). فالله هو مطعم الجائع ومؤمّن الخائف. فإذا حقق المسلمون هذين المطلبين في البلاد الأوروبية التي يقيمون فيها فهم في بلاد إسلامية. وكما قال محمد عبده من قبل بعد زيارة فرنسا (رأيت إسلاما بلا مسلمين) في مقابل ما رآه في بلاد المسلمين (رأيت مسلمين بلا إسلام). إن أمنية إسرائيل هو إبعاد فرنسا عن الحق العربي، وتقريب أوروبا من إسرائيل بعد أن ثبت أن إسرائيل في الرأي العام الأوروبي هي التي تهدد الأمن والسلام في العالم. اليمين الاوروبي والخوف كل الخوف من تصاعد اليمين الأوروبي في فرنسا وألمانيا كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وتصاعد المحافظين الجدد وأن تنشأ نازية جديدة ضد المهاجرين الأجانب وأولهم المسلمون الذين يعيشون في بؤر استيطانية في الغرب، ولا يشاركون في الحياة العامة السياسية والاجتماعية والثقافية ويكونون هم الضحية القادمة خاصة وأن المسلمين في أوروبا حوالي خمسة عشر مليونا، وأن الإسلام هو الدين الثاني في أوروبا. فأين المصلحة العامة؟ وأين القواعد الفقهية التي وضعها الأصوليون القدماء الخاصة بسد الذرائع مثل (الضرورات تبيح المحظورات)؟ إن من شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ألا يقع منكر أكبر ومعروف أقل. كما أن من أحكام الوضع في علم الأصول العزيمة والرخصة. فإذا كان الإصرار علي الحجاب عزيمة فإن رفع الحجاب داخل المدارس رخصة. وقد كان رفع هدي شعراوي الحجاب في مصر علامة علي ثورة 1919 والفلاحة التي ترفعه عند مختار رمزا لنهضة مصر. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1714 --- Date 20/1/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1714 --- التاريخ 2004 - 1 - 20 AZP07 HSHN |