|
|
مقالات سياسية - د. حسن حنفي - مفكر من مصر - جروح الأوطان - العرب أضاعوا واقعهم وخيالهم والرهان الجديد علي الكلمة الحرة ليست الجروح فقط في الأبدان بل هي أيضا في الأوطان. جروح الأبدان تؤلم الأفراد، في حين أن جروح الأوطان تؤلم الأمة كلها. جروح الأبدان يمكن مداواتها، فهي موضعية محلية، في حين أن جروح الأوطان يصعب مداواتها لأنها عامة في كل مكان. جروح الأبدان في الأجساد في حين أن جروح الأوطان في الأرواح. وعذاب الروح ووخز الضمير أقسي من آلام الأجساد ووخز الجراح. الوطن العربي جريح في مختلف أقطاره وتعدد ساحاته، مطعون في كرامته عشر طعنات. كل منها جرح نافذ وقاتل. وما زال الجسد ينزف. ومع ذلك لم يتوقف القلب عن النبض تمسكا بالحياة عبر العصور. المهم الآن إيقاف النزيف، والإسعاف العاجل بعد أن طالت المدة، والجسد العربي ينزف علي قارعة الطريق. الطعنة الأولي الاحتلال، احتلال العراق واحتلال فلسطين ومن دول الجوار احتلال أفغانستان وكشمير والشيشان. فالعروبة قلب الإسلام، والإسلام ثقافة العروبة. ما زال الدم ينزف في العراق، دم المقاومة من الشهداء. شهداء انتفاضة الشيعة في الجنوب بعد تحرير الكويت في 1991، وشهداء انتفاضة المثلث السني في الشمال بعد احتلال العراق. ولما كان الرجل وسبقه في الإسلام كذلك تكون الطائفة وسبقها في المقاومة. وكلاهما يعيشان في وطن واحد. المواطنة تسبق الطائفية. ووحدة الوطن أساس التعددية الثقافية. فكيف تتحرك الأعراق الآن لاحتلال مدن محتلة مثل كركوك، فيصبح الاحتلال مضاعفا، احتلال من عرق أو طائفة في الداخل، واحتلال من قوات التحالف في الخارج؟ وطرد العدو المحتل في الخارج له الأولوية المطلقة علي الصراع العرقي علي سلطة في وطن ما زال تحت الاحتلال الأجنبي. هيمنة كاملة الطعنة الثانية تهديد سوريا وإيران واليوم السعودية ومصر بتكرار النموذج العراقي ولإكمال مشروع الهيمنة الصهيوني علي الشام، سوريا بعد العراق والقضاء علي المفاعل النووي الإيراني كما تم تدمير المفاعل النووي العراقي من قبل، ثم السعودية التي تفرّخ الإرهاب، ومصر الشقيقة الكبري التي ما زالت ظهير السلطة الوطنية الفلسطينية. وبعدها تأتي باكستان بعدوان مباشر من إسرائيل أو بالتعاون مع الهند. والذرائع جاهزة: أسلحة الدمار الشامل في سوريا، تسرب المقاومة العراقية من علي الحدود، إيواء بعض رموز النظام السابق، مساعدة حزب الله، وجود مكاتب للمقاومة الفلسطينية في دمشق، عدم توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل، عدم دخولها بيت الطاعة بعد. وما زالت تمثل نتوءا أو نشازا في إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الجديد. ولا أحد يذكر الجولان المحتل، وضرورة تحرير الأوطان، واستقلال الدول، والدفاع عن كرامة الشعوب. والذرائع لباكستان موجودة: قوة الحركات الإسلامية، بقايا تنظيم القاعدة، أسلحة الدمار الشامل، تأييد المقاومة الوطنية في كشمير، الدكتاتورية العسكرية. والطعنة الثالثة انقسام الأوطان وتفتيتها بين شمال وجنوب في السودان ثم تفتيت الجنوب والشرق والغرب حتي يتشرذم جنوب مصر، وتنشط إسرائيل وأمريكا لتهديد مصر بقطع شريان النيل، وبإقامة السدود والخزانات أو بإعادة توزيع حصة المياه. وبالرغم من اتفاقيات السلام وإنهاء الحرب الأهلية إلا أن الخطر ما زال واردا، والتآمر علي وحدة السودان وأمن مصر القومي ما زال قائما. ويخطط لتحويل الوطن العربي كله إلي فسيفساء طائفي وعرقي، دويلات وكيانات هشة، سنة وشيعة، مسلمون وأقباط، تركمان وأكراد، عرب وبربر. وهو ما تجاوزه التوحيد بإعلان وحدة الأمة وهويتها الأخلاقية (لا فضل لعربي علي أعجمي إلا بالتقوي والعمل الصالح). ومن ثم تصبح إسرائيل هي أكبر دولة عرقية طائفية في المنطقة، تستمد شرعيتها من طبيعة الجغرافيا السياسية مثل جاراتها، وليست من أساطير المعاد والشعب المختار كما تصورها هرتزل في (الدولة اليهودية) في أواخر القرن التاسع عشر والتي لم يعد يصدقها أحد. فلا تنشأ الدول والكيانات الوطنية علي خرافات وأساطير. القهر والتسلط والطعنة الرابعة نظم القهر والتسلط التي ما زالت تسود معظم الأقطار والتي أصبحت ذريعة لفرض التحول الديمقراطي علي أسنة الرماح وفوهات المدافع وأزيز الطائرات وأصوات القنابل. وليس صعبا علي الأنظمة الحاكمة أن تفك حصارها بين المطرقة والسندان، مطرقة التهديد الدولي الخارجي وسندان الضغط الشعبي الداخلي. ما زال حكامنا أطول الحكام عمرا واستمراراً في الحكم، توريثا باسم قريش أو انقلابا باسم الجيش. لا يعرفون إلا توارث الحكم وليس تداول السلطة. ملفات حقوق الإنسان في الأوطان ثقيلة، وعدد المسجونين السياسيين والهاربين والقانطين في الخارج في بؤر للمعارضة تنتظر العودة علي أسنة الرماح يتزايد باستمرار. والحزب الحاكم ما زال يستحوذ علي الأغلبية المطلقة، تكاد تقترب من مائة في المائة حتي أصبحت موضوعا للتندر والسخرية والنكات السياسية. والعدو الصهيوني يتغني بأنه واحة للديمقراطية، والعدو الأمريكي قلعتها. وما زال منطق (الفرقة الناجية) هو الذي يحكم، ويكفِّر المعارضة كفرق هالكة. عنف الأنظمة الحاكمة والطعنة الخامسة العنف الذي تمارسه النظم الحاكمة علي جماعات المعارضة السياسية، والعنف الذي تمارسه هذه الجماعات علي النظم السياسية أو علي بعضها البعض أو علي الشعوب التي تمثل مصالحها. أصبح الوطن مرادفا للإرهاب. وأصبح الإرهاب ذريعة للاحتلال. الإرهاب من طبيعة ثقافة العرب، وناشئ عن عقائدهم في الحاكمية والألوهية والربانية والعبودية والجهاد ودار الكفر. لا تطيق الحوار. الكل يستبعد الكل، فريق يكفّر فريقا، وفريق يخوّن فريقا. الحقيقة يمتلكها فريق واحد وباقي الاجتهادات باطلة مع أن الحق عند القدماء متعدد، وكل مجتهد مصيب. إذا أخطأ فله أجر واحد، وإذا أصاب فله أجران. بل لقد تحول الخصام الوطني إلي حروب أهلية كلفت مئات الآلاف من الشهداء الأبرياء هنا وهناك في لبنان والجزائر بعد أن كان الأول رمزا لليبرالية والحرية، والآخر رمزا للوطنية والاستقلال. والطعنة السادسة تبعية بعض نظم الحكم العربية للخارج، خاصة للولايات المتحدة الأمريكية باعتبارها القوة الوحيدة القادرة علي المنح والعطاء، واحتلال الأعداء، وتأييد الحلفاء. فقدت الدول استقلالها الوطني الذي كان أعز ما لديها، حاربت من أجله، وأصبح من أهم منجزات هذا الجيل الذي بدأ يمضي. لم يعد نظام سياسي واحد يستطيع أن يعترض وإلا واجه نفس المصير، بالعدوان المباشر أو بانقضاض الكيان الصهيوني عليه. لا فرق بين نظام عقد معه معاهدة سلام أو نظام ما زال يتردد، أو نظام يتعاون سرا من دون معاهدة علنية. وتتراوح التبعية بين التحالف العسكري المباشر أو إقامة قواعد للعدوان ومراكز قيادة أو السماح باستخدام القواعد والأجواء أو الصمت التام والتواطؤ مع الجريمة أو الإدانة الدبلوماسية المكبوتة ذرا للرماد في العيون أو للاستهلاك المحلي. شاخ النظام العربي بعد أن حكم أطول مما ينبغي علي أكثر من نصف قرن. والطعنة السابعة الاستسلام التام، والتحول من النقيض إلي النقيض، ومن طرف إلي طرف، ومن الالتزام القومي إلي الخوف القطري، ومن المطالبة بالحد الأعلي إلي التنازل حتي عن الحد الأدني. فالرياح عاتية ولا تقوي سفينة العرب علي مواجهة الأمواج العالية لا إنقاذا للسفينة بل حرصا علي الربان الذي اختاره القدر لحكم البلاد، المخلص والزعيم والملهم، الفرد الصمد الذي لا مثيل ولا قرين له ولا شبيه به. فقد العرب الواقع والخيال، القوة والحلم، الحاضر والمستقبل، السياسة والشعر. فقد قتل اللصوص المتنبي فينا. فقد العرب حتي مِنّة الكلام، ورنة الصوت، وموسيقي اللغة، ولحن الخطاب والذي جعل العرب يتحولون من الجاهلية إلي الإسلام بفضل السماع إلي جرس القرآن وهم الذين تعودوا علي موسيقي الشعر. بل لم يعد الشعب العربي يلقي النكات علي حكامه بعد أن أدار كل منهما ظهره للآخر. فالنكتة السياسية في النهاية دليل علي الحيوية والاهتمام، ورغبة في تجاوز الأمر الواقع وعدم الاستسلام له. ومن كثرة التعود علي المهانة في العقود الثلاثة الأخيرة تعود الجسد العربي علي المزيد منها بعد أن احتلت عاصمة عربية في الثمانينيات وأخري في التسعينيات. وباقي العواصم تحاصر أو تهدد حتي تنتهي أسطورة العرب في التاريخ. عزلة بعض الأقطا والطعنة الثامنة عزلة بعض الأقطار وعدم تأثيرها في السياستين المحلية والدولية. فهي جزر في محيط أو سواحل ممتدة علي قاراته، مطحونة بالانقلابات العسكرية يقودها مرتزقة أجانب أو بحروب أهلية بين أمراء الحروب. والشعب يعاني من الفقر والجفاف. هم أعضاء في الجامعة العربية، ومحسوبون علي الأمة العربية ولكن ما باليد حيلة (العين بصيرة واليد قصيرة). وما لا يستطيع أن يقدم العون لنفسه كيف يستطيع أن يقدم العون لغيره؟ بل إنه في حاجة إلي عون الغير وكما هو الحال في المثل الشعبي: (جبتك يا عبد المعين لتعين، لقيتك يا عبد المعين تتعان). والصغر في الحجم الجغرافي والسكاني لا يعني قلة في الأهمية السياسية. وماذا عن سنغافورة الجزيرة الصغيرة التي يعادل نتاجها القومي أربعين مرة من إنتاج مجموع العرب!. تصفية الخلافات والطعنة التاسعة، السير في المكان، (محلك سر) من الشقيقة الكبري. فقد دام حصار العراق أكثر من عشر سنوات ثم احتلاله بعد ذلك، وهو البوابة الشرقية للوطن العربي. ولا يفيد الكلام الدبلوماسي الكثير. هو أضعف الإيمان، حديث القلب وهمس النفس. كان يمكن للشقيقة الكبري أن تدافع عن القطر العربي المعتدي عليه من قطر عربي آخر باسم العروبة كما حدث من قبل في الستينيات، والدعوة لمؤتمر قمة لتصفية الخلاف بين الأخوة الأعداء بدلا من انقسام العرب بين مؤيد لتحرير القطر الصغير بالقوة الأجنبية ورافض لها حماية لمصالح الشعوب. والانتفاضة في عامها الرابع تقوم الشقيقة الكبري بتسهيل الحوار مع الفصائل الفلسطينية من أجل حوار أوسع مع العدو المحتل. وتستجدي العون من القوة الكبري، وتدعو أوروبا لتفعيل دورها. ويهيب الفلسطينيون بالعالم كله لإيقاف العدوان اعتمادا علي مبادئ العدل، ونجدة للضعيف من القوي، وللمظلوم من الظالم في عالم يقوم علي أخذ الحقوق بالقوة وليس بالاستجداء، عالم لا يعترف إلا بالأقوياء، إسرائيل والولايات والمتحدة، نموذجا. والطعنة العاشرة هي أن الشقيقة الصغري، لبنان، هي التي ما زالت تداوي الجراح، وتدافع المقاومة في الجنوب عن كرامة العرب. فقد استطاعت طرد المحتل، وتحرير الجنوب، وما زالت تعمل لتحرير مزارع شبعا. وما زالت تفاوض العدو الصهيوني علي إطلاق المئات من الأسري العرب. لا تتنازل ولا تساوم. وما زالت تتمسك بالحد الأعلي في القضية. ففلسطين قضية العرب، لا فرق بين الأراضي المحتلة في 1948 أو في 1967. ما زالت بمجتمعها المدني، وصحافتها الحرة، وتعدديتها الثقافية والسياسية تمثل بؤرة ضوء داخل النفق العربي المظلم. هو القلب النابض في الجسد الهامد. ومنه قد ينطلق البعث العربي الجديد بعد أن يداوي العرب جروح الأوطان. وتنهض الشقيقة الكبري، ويعود إليها خيالها السياسي منذ أحمس وصلاح الدين ومحمد علي وعبد الناصر، قلب ينبض، يضخ الدم في الأطراف. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1710 --- Date 15/1/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1710 --- التاريخ 2004 - 1 - 15 AZP07 HSHN |