|
|
لسان الدين ابن الخطيب في حلب - نبيل سليمان إنه بيت الصداقة والثقافة، بيت محمد قجة رئيس جمعية العاديات التي بات لها علي عهده فروع تترامي من دير الزور إلي السويداء، شاهداً علي ما يمكن للمجتمع المدني أن يقدم منذ ثلاثة أرباع القرن. قبالة المكتبة المترامية تحلّقنا حول عازف الأورغ كمال تمّاري الذي عزف أمام ملك وملكة إسبانيا أثناء زيارتهما الأخيرة لحلب، وحول صوت ظافر الجسري الذي لا يغني إلا في مجالس مختارة، أما الحاضر الغائب فكان ذلك الذي غنّت له فيروز: جادك الغيث إذا الغيث هما/يا زمان الوصل في الأندلس إنه لسان الدين ابن الخطيب القادم من لَوْشة أو غرناطة إلي حلب. وأمام جلال وروعة الموسيقي والغناء تربع جمال الغيطاني علي الأرض، وتمايل وليد إخلاصي، وتمايلت فيروز مراد العلامة المضيئة في معهد ثربانتس في دمشق، وفاضت الغبطة والدهشة من الوجه التونسي الطاهر الهمامي ومن وجوه الضيوف المستشرقين الإسبان: إميليو مولينا، ثيليا دي المورال، كونثيبثيون فازكيز دي بنيتو، وكارلوس بارونا ناربيون مدير معهد ثربانتس في دمشق، وغابت ماريا بيغيرا التي اختطفها رفعت عطفة لتحاضر في المركز الثقافي الذي يديره في مصياف، وهو الكاتب والمترجم المرموق عن الإسبانية، والذي تكرم بتدقيق المسميات الإسبانية في روايتي (في غيابها). بهذا اللقاء للصداقة والثقافة تتوجت الندوة العلمية الدولية التي أقامتها جامعة حلب (كلية الآداب والعلوم الإنسانية) وجمعية العاديات ومعهد ثربانتس في دمشق، حول لسان الدين ابن الخطيب، بين الثاني والرابع من هذا الشهر، وبمشاركة أربعين باحثة وباحثاً من إسبانيا وإيران والمغرب والجزائر وتونس ومصر وليبيا والعراق والأردن ولبنان وسورية. وكانت الجهات المنظمة نفسها قد نظمت في شباط ـ فبراير العام الماضي ندوة مماثلة حول ابن حزم الأندلسي، حرمني المرض آنئذٍ من المشاركة فيها، ونشرت في هذا الزاوية بعض ما كنت قد هيأت لها من تلمّس أثر (طوق الحمامة) في روايات أمين الزاوي وغازي القصيبي وميرال الطحاوي وخليل صويلح.. بعد الحفل الافتتاحي لندوة ابن الخطيب، تواترت الجلسات العلمية الصباحية والمسائية في محاور عديدة، ابتدأت بإضاءة عصر ابن الخطيب وحياته وشخصيته، ثم توزعت علي تراثه في السياسة والتاريخ والتصوف والطب والشعر والتوشيح والمقامة وأدب الرحلة، وصورة ابن الخطيب في الكتابات المعاصرة. وأمام هذا الزخم، ما كان ليمسح الرهق سوي ذلك البيت الحلبي العتيق الذي بات فندق (ديوان رسمي)، وآوي الضيوف قبالة تلك التي سماها وليد إخلاصي بالسيدة الجملية في عنوان روايته (أحضان السيدة الجميلة). وحولها ـ أي حول قلعة حلب ـ كنت ألجأ مع جمال الغيطاني من الزخم والرهق إلي وقع خطي المتنبي والفارابي وأبي فراس والحسين بن حمدان وسيف الدولة وخولة وابن جني وكشاجم وعشرا ت المثقفين الذين حاموا ها هنا حول القلعة، وصخبت بهم، ومنها أطلوا علي هذه المدينة التي عشت فيها أخصب السنين بين 1972 ــ 1978. في هذا الزخم حد الرهق نتأت في الأبحاث كثرة اختارت المدرسية التي ترجّع المأثور المكرور عن ابن الخطيب، مقابل قلّة اختارت أن تغامر بنظر جديد وقراءة جديدة لهذا الأندلسي الذي اشتهر بذي الوزارتين ـ وزارة السيف ووزارة القلم ـ وبذي العمْرين ـ لأنه كان بالكاد ينام ـ وبذي القبرين وبذي الميتتين، لأنه بعدما خُنِقَ ودُفِنَ، نُبِشَ قبره وحُرِقَ ثم دُفِنَ ثانية. واللافت أن هذا التوزع للأبحاث بين المدرسية ومغامرة الاجتهاد، هو ما يسم عادة مساهمات الأكاديميين والأكاديميات العرب. وقد قَدِم كل من شاركوا وشاركن في ندوة ابن الخطيب من الأكاديمية، سوي جمال الغيطاني ومحمد قجة وكاتب هذه السطور. لقد أَمْثَلَتْ الكثرة ابن الخطيب، لكأنه لم يكن ذلك البراغماتي بامتياز، أو لم يكن ذلك المستبد الذي تسلطن علي غرناطة في إهاب الوزير، وأقبل علي متاع الدنيا أيّما إقبال، حيث يصحّ بعض ما قال خصومه فيه. وبإزاء هذه الأَمْثَلة تبدو أهمية النظر النقدي، كما عبرت مداخله سعاد الحكيم (صاحبة المعجم الصوفي) في صوفية ابن الخطيب، وهو من كان التصوف بالنسبة له ـ تحت وطأة صروف الدهر ـ تجربة ثقافية، وليس تجربة روحية وسلوكية. وها هنا تبدو أهمية ما قدم في الندوة أيضاً محمد علي آذرشب (إيران)، إذ قارن بين صوفية ابن الخطيب وصوفية حافظ الشيرازي، بما عُرِفَ عن آذرشب من الرصانة والثراء العلميين، ومن التألق الذي عهدته سورية فيه طوال اشتغاله فيها مستشاراً ثقافياً في السفارة الإيرانية. من طرائف الأَمْثَلة أن أستاذاً جامعياً جلجل صوته ناعتاً خصوم ابن الخطيب بالأوغاد، ومنادياً بثارات الأندلس السليب. ولما عارضه أحدهم، جلجل من جديد بأنه لو لم يكن الأندلس سليباً لما كانت الرعاية الرسمية للندوة. وبإزاء هذا المستوي، قدم آخرون أبحاثهم في المستوي الرفيع المأمول، ومنهم محمد قجة الذي درس المنهج التاريخي عند ابن الخطيب، مبتدئاً بالتراث الأندلسي في الكتابة التاريخية، ومنتهياً إلي المقارنة بين منهجية مسكويه وابن خلدون، ومنهجية ابن الخطيب، بعدا ما تقري في أهم مؤلفاته التاريخية (الإحاطة في أخبار غرناطة ـ اللمحة البدرية ــ أعمال الأعلام ــ نفاضة الجراب ـ كناسة الدكان..). وفي هذا المستوي جاءت مساهمة الطاهر الهمامي في درس آلية التناص في شعر ابن الخطيب، عبر ما سماه الهمامي بالنصوص اللواقح. وعلي هذا النحو توالت مساهمة العراقي عبد الواحد ذا النون طه في درس موارد كتاب ابن الخطيب (أعمال الأعلام) وجمال الغيطاني في درس المعمار الفني في كتاب ابن الخطيب (روضة التعريف بالحب الشريف). في هذا المستوي جاءت أيضاً مساهمة دي بنيتو (جامعة سالامنكا) التي درست النواحي الطبية عند ابن الخطيب، ومساهمة ماريا جوزيه بيغيرا (جامعة كومبلونتي في مدريد) التي درست النظريات السياسية لابن الخطيب، ومساهمة اميليو مولينا (جامعة غرناطة) في درس ابن الخطيب كمؤرخ سياسي، وأخيراً: مساهمة دي المورال (جامعة غرناطة) التي تناولت شخصية ابن الخطيب من خلال التراسل مع ابن خلدون. وكنت قد أشرت في مساهمتي (السردية السيرية عند ابن الخطيب) إلي رسالته إلي ابن خلدون عندما تزوج الأخير من الجارية الرومية هند، وحيث بدا المرسل يتبسط في حديث الجسد والحرث، بخلاف ما يُتوقع من مثله، وهو ما أخذه عليه كثيرون، آخرهم هو محمد مسعود جبران، الليبي الذي يدرّس في نيجريا، والذي عزّز حضوره ارتقاء المحاورات في الندوة، وهو صاحب كتاب (فنون النثر الأدبي في آثار لسان الدين ابن الخطيب ـ 2 ج). لقد حاولت أن أتلمس السردية السيرية الذاتية والغيرية من مراسلات ابن الخطيب الذاتية والرسمية، ومما ترجم به لنفسه وشيوخه وللحكام والشعراء، ومما تخلل ما كتب من المقامة وأدب الرحلة، لأنتهي إلي أن السيرة السردية المرموقة التي خلفها ابن الخطيب منجمة في مؤلفاته، قد ضاقت فيها فسحة اللعب والتخييل، ولم يغب عنها الرقيب الداخلي، ولكنها رغم ذلك تثري التجربة السردية العربية التراثية التي تثري بدورها التجربة السردية العربية المعاصرة، في السيري منها وفي غير السيري. وليس ذلك غير واحدة من إشارات الندوة التي انعكست في توصياتها، حيث لا مكان للاجترار والأَمْثَلَة ولا جدوي، وحيث الحاجة إلي النظر النقدي، كي يحضر التراث إلي يومنا وغدنا، بدلاً من أن يأخذنا إلي أمسه، فنقع في التوثين، وحيث لا فرق بين توثين الأنا أو التوثين البلاغي أو توثين ابن الخطيب هذه المرة، وسواه وسواه مرة بعد مرة. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1710 --- Date 15/1/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1710 --- التاريخ 2004 - 1 - 15 AZP09 AYMK NBSL |