|
|
مقالات سياسية - د. حسن حنفي - مفكر من مصر - تساؤلات الموروث الفقهي - هل تجوز الصلاة في الدار المغصوبة؟ من السهل إدانة الأحداث واستعمال أقصي العبارات ضد فاعليها وإطلاق الماينبغيات الأخلاقية وبيان الواجبات علي الناس. وهذا لن يغير من الواقع شيئا. ولن يمنع من تكرار الأحداث. مثال ذلك الموقف من الإرهاب بالشجب والإدانة والاتهام والتوعد بالسيف دون الفهم بالقلم. والعالم كله يدين ويشجب الإرهاب منذ عقود من الزمان. وكثرت أحكام الإدانة في السنوات الأخيرة بعد حوادث واشنطون ونيويورك والخبر وأحياء غرناطة وأشبيلية والمحيا في الرياض. ولم يتوقف الإرهاب. بل إن خطورته تزداد. وفي أعياد الميلاد هذه الأيام ترفع درجة التأهب والحذر، وتلغي الرحلات الجوية، ويكتم العالم أنفاسه، وتبلغ القلوب الحناجر، تحسبا لعمليات إرهابية وتوقعا لها. الإرهاب ظاهرة معقدة تستدعي التحليل والفهم والحياد، إرهاب من ضد من؟ إرهاب الأفراد أم إرهاب الدول؟ قتل البرياء والمدنيين أطفالا ونساء وشيوخا أم المقاومة الوطنية المشروعة دفاعا عن الاستقلال؟ الإرهاب المرئي، إلقاء قنبلة في مبني عام وتفجير منزل أم الإرهاب اللامرئي وجعل المواطن ضحية جميع أشكال العنف في حياته من نظم وقوانين لم يخترها والعذاب الذي يلقاه لإشباع حاجاته الأساسية ولا يملك إلا الصراخ؟ الإرهاب كرد فعل علي إرهاب آخر، وكنوع من الدفاع عن النفس أم الإرهاب البادئ كفعل وعدوان؟ إرهاب الجلاد للضحية أم صراخ الضحية من الجلاد؟ إرهاب الدول الصغيرة التي تحاول الدفاع عن حريتها واستقلالها أم إرهاب النظام العالمي الجديد الذي تسيطر عليه القوي الكبري والعالم ذو القطب الواحد، إرهاب المركز علي الأطراف باسم العولمة؟ اتهامات اسرائيلية وقد وقع اعتداء علي وزير خارجية مصر في ساحة المسجد الأقصي. وتدل بعض الشواهد، إدخال الإسرائيليين له من باب المغاربة وانتظار الفلسطينيين من باب آخر، علي أن الاعتداء وقع بتدبير إسرائيلي لإحداث وقيعة بين مصر والسلطة الوطنية الفلسطينية، وفك الارتباط بين مصر والقضية والفلسطينية. إذ تتهم إسرائيل مصر دائما بأنها وراء (التشدد) الفلسطيني، وبأنها هي التي نصحت ياسر عرفات في كامب ديفيد الثانية بعدم قبول ورقة كلينتون، لأن القدس أمانة في عنق كل المسلمين وليس فقط الفلسطينيين. فمصر وإن لم تتدخل بالسلاح لوقف النزيف الفلسطينس علي مدي ثلاث سنوات وهي التي دخلت أربعة حروب في سبيل القضية الفلسطينية إلا أنها ما زالت تمارس دورها بالسياسة وليس بالحرب، فالسياسة أحد أشكال الحرب طبقا للقول المعروف. ربما كان العرب عامة والفلسطينيون خاصة ينتظرون من مصر أكثر مما تعطي. فهي الشقيقة الكبري التي قدرها حمل قضايا العرب، الاستقلال وبناء الدولة. وهي قائدة الحرب ورائدة السلام. والانتفاضة طالت، وما زالت مستمرة، وحيدة باستثناء العون المادي المحدود والمعنوي بلا حدود. فهي التي ما زالت ترفع هامة العرب مع حزب الله في طرده المحتل الصهيوني من جنوب لبنان. ربما كان الكل ينتظر من مصر أكثر من دور الوسيط بين الفلسطينيين من ناحية، والإسرائيليين والأمريكيين من ناحية أخري. صحيح أن مصر عُرفت بالاعتدال والعقلانية والاتزان بعد أن عانت من المغامرات غير المحسوبة وغير المسؤولة في الجمهوريتين الأولي والثانية. وصحيح أيضا أن الحذر المطلق مياه آسنة لا تتحرك، سرعان ما تفسد وتقتل ما فيها من أسماك. ومصر هي خيط العقد إن انقطع أو غاب تنفرط حبات العقد كلها. وهي القلب الذي إن توقف عن النبض، توقفت الحياة في سائر الأطراف. زيارة للسلطة الوطنية الفلسطينية ورئيسها في رام الله كانت بإمكانها الحفظ علي التوازن بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي لا يعترف بالسلطة ولا برئيسها، ورد الاعتبار للفلسطينيين وليس فقط الحوار بين فصائل المقاومة من أجل التوحيد بينها وتكوين مجلس للأمن القومي قادر علي التفاوض علي مصير فلسطين. والقدس تحت الاحتلال. وقد تكون زيارتها من مسؤول عربي اعتراف بالاحتلال وإضفاء الشرعية عليه. لذلك تساءل القدماء، علماء أصول الفقه وعلماء أصول الدين: هل تجوز الصلاة في الدار المغصوبة؟ عرض علماء أصول الفقه لهذا السؤال وهم بصدد البحث عن استحالة الجمع بين الحظر والوجوب في فعل واحد من جهة واحدة لتقابل حديهما إلا علي رأي من يجوز التكليف بالمحال، وهو باطل بإجماع الأمة. والخلاف هل يجوز انقسام النوع من الأفعال إلي واجب وحرام من جهتين كوجوب الفعل المعني الواقع في الدار المغصوبة من حيث هو صلاة وتحريمه من حيث هو غصب شاغل لملك الغير؟ الصلاة واجبة والاحتلال محظور. ولا يجتمع الفعلان في فعل واحد من وجه واحد. قال الجبائي وابنه أبو هاشم والقاضي أبو بكر وأحمد ابن حنبل وأهل الظاهر والزيدية وقيل أنه رواية عن مالك. قالوا: الصلاة في الدار المغصوبة غير واجبة ولا صحيحة ولا يسقط بها الفرض ولا عندها ووافقهم علي ذلك القاضي أبو بكر إلا في سقوط الفرض فإنه قال يسقط الفرض عندها لا بها مصير أمنهم إلي أن الوجوب والتحريم إنما يتعلق بفعل المكلف لا بما ليس من فعله، والأفعال الموجودة من المصلي في الدار المغصوبة أفعال اختيارية محرمة عليه وهو عاص بها مأثور بفعلها، وليس له من الأفعال غير ما صدر عنه، فلا يتصور أن تكون واجبة طاعة ولا مثابا عليها متقربا بها إلي الله لأن الحرام لا يكون واجبا، والمعصية لا تكون طاعة ولا مثابا عليها ولا متقربا بها مع أن التقرب شرط في صحة الصلاة. هناك تعارض إذن بين أداء الواجب وتجنب المحظور ولابد من الترجيح بين الفعلين طبقا للأولوية. وتحرير الأرض المغصوبة لها الأولوية علي الصلاة. تحرير الأرض واجب جماعي، يمس مصالح الأمة. فواجب الإمام حماية الديار، والذب عن البيضة، وتقوية الثغور، ومد الجسور، وتجهيز الجيش. وقبول الاحتلال بدعوي الصلاة في الأرض المحتلة يوجب العزل. الواحد بالتعيين كصلاة زيد في دار مغصوبة من عمرو فحركته في الصلاة فعل واحد بعينه هو مكتسبه ومتعلق بقدرته. فالذين سلموا في النوع الواحد نازعونا فقالوا لا تصح حتي الصلاة إذ يؤدي القول بصحتها إلي أن تكون العين الواحدة من الأفعال حراما واجبا وهو متناقض. فالإمام لا يجوز له الصلاة المغصوبة لأن الصلاة فعل حسن. والاغتصاب فعل قبيح. وتحرير الأرض سابق علي الصلاة فيها. التواصل مع التراث القوامي وهنا تبدو أهمية التواصل مع التراث القومي للأمة الذي ما زال حيا في وجدانها يحدد تصوراتها للعالم ويعطيها موجهات للسلوك. التراث هو الذي يشكل الوجدان السياسي ونسق القيم ومعايير الأخلاق. وفي الوقت نفسه توجد حالة من الاحتقان والضيق في الصدر العربي. بعد دفع الملك فيصل حياته لأنه وعد أمام الصديق هنري كسنجر في وجهه بأنه سيصلي في القدس بعد التحرير وليس وهي واقعة تحت الاحتلال. ومصر هي الرمز. هي الصورة في الأذهان التي صدمها الواقع في الأعيان. هي التوقع بعد أن طال الانتظار. هي الإمكانيات بعد أن عزت القدرات. هي الأمل في لحظات اليأس والقنوط. هي مصر أكتوبر 1973 التي محي جيشها من الذاكرة عار 1967 والتي ما زالت آثاره حتي الآن في احتلال نصف فلسطين والجولان. إن ما حدث في القدس ليس ضد وزير خارجية مصر ولا ضد مصر بل هو شوق لوزراء خارجية مصر السابقين منذ صلاح الدين حتي عمرو موسي، وليس إهانة لمصر بل هو نداء علي دور مصر في نصرة الشقيق الأصغر فلسطين علي حدود مصر الشرقية. ورفح تربط بين الشقيقين. هو صرخة مظلوم يهيب بمصر (وامصراه) مثل صرخة العربية التي أسرها الروم (وامعتصماه). وهي صرخة تأتي من داخل مصر أيضا من مثقفيها الوطنيين، كتابا ومفكرين وقادة من مختلف الأجيال. إنها انتظار عودة الأخ الغائب الذي يعصر الألم قلبه ولسان حاله يقول (العين بصيرة، واليد قصيرة). وقد كانت يد مصر طويلة عبر التاريخ منذ أحمس حتي صلاح الدين ومحمد علي وعبد الناصر. لا يجدي اعتذار لأنه لا إساءة هناك. ولا ينفع غضب مكتوم فدماء الشهداء من المصريين ليس أقل قيمة من التهجم علي وزير خارجية مصر. وكل العبارات التي تقال قصدها التخفيف من حدة التوتر. والدبلوماسية لا تنفع في وقت الحرب والسلم معا. فالحرب يحتاج إلي تضامن. والسلم يحتاج إلي قوة. إنما هو النذير بأن السيل قد بلغ الزبي، وأن القلوب في الحناجر، وأن الأنفس كأنما تتصعد إلي السماء، وأن الأرض قد ضاقت علي الفلسطينيين بما رحبت. إن سحب السفير الإسرائيلي من القاهرة خطوة علي طريق الاحتجاج النشط الفعال. كما أن قطع العلاقات الاقتصادية بين مصر وإسرائيل خطوة أخري. وما قيمة قطعة من الورق تسمي كامب ديفيد في يد شعب يقاوم التطبيع، ويحفر الأنفاق بين سيناء وقطاع غزة. فما تحت الأرض أكثر مما هو فوق سطح الأرض. إنما هو مؤشر علي ما هو أقسي وأشد مما قد يقع في المستقبل القريب في الوطن العربي تنفيسا عن حالة الاحتقان في أوردة العرب وشريانيهم. وقد ظهر قبل الأنبياء نذرها مثل النبي يحيي نذيرا لقدوم السيد المسيح. لقد كانت الخارجية المصرية دائما مدرسة للوطنية مثل مؤسستي الرياسة والجيش. والضيق منها هو (عشم) فيها. والتهجم عليها هو تهجم علي النفس قبل التطاول علي الآخر. لقد عم الضيق وكادت الألسن أن تكفر وتذكر غير اسم الله. عدوان علي العراق، وآخر علي فلسطين، وثالث ربما قادم علي سوريا، وكتمان الغضب له حدود كما أن للصبر حدود. وأقسي أشكال العدوان هو العدوان علي النفس ومصر هي نفس فلسطين، وفلسطين هي نفس مصر. والنيل منهما نيل للعرب. للعرب معها صلة رحم. جندها خير أجناد الأرض، وشعبها مرابط إلي يوم القيامة. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1708 --- Date 13/01/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1708 --- التاريخ 2004 - 01 - 13 AZP07 HSHN |