|
|
مقالات سياسية - د. حسن حنفي - مفكر من مصر - الزعيم في الثقافة السياسية ( الحلقة 1) - تطرّف الزعامات الفردية يقود إلي استرداد الشعوب لإرادتها في الثقافة العربية الإسلامية الموروثة يقبع (الزعيم). وهو مفهوم ترسب في وعينا التاريخي من الأنبياء كقادة للأمم ومخلصين للشعوب، نوح وإبراهيم وموسي وعيسي ومحمد، أولو العزم. نوح ينقذ قومه في سفينة. وإبراهيم يقود أهله إلي دار الإيمان، وموسي يقف في مواجهة فرعون، وعيسي في مواجهة اليهود، ومحمد ضد أشراف قريش وساداتها. ثم تحولت الخلافة بعد النبوة إلي ملك عضود، يتوارثه الأبناء من الآباء. وتتم البيعة لمعاوية بالعصي أو الجزرة. ثم يتأله الزعيم، ويصبح ظل الله في الأرض وليس خليفة للمسلمين أتي ببيعة، فالإمامة عقد وبيعة واختيار. ثم تحاول المعارضة زحزحة الزعيم، والخروج علي الحاكم الظالم، والعودة إلي الشرعية، شرعية الشوري، والاختيار الحر من أهل الحل والعقد. ولا يفل الحديد إلا الحديد. فيظهر الإمام المعصوم ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا. وصفاته لا تقل ألوهية عن الحاكم الظالم، إمام بإمام، وزعيم بزعيم. ويتجلي الزعيم أيضا في السيرة الشعبية، أبو زيد الهلالي، والزناتي خليفة، وسيف بن ذي يزن، ويقتل الزعيم أمام تهليل الحاضرين وفي خيال السامعين. وفي الأدب الشعبي يظهر ابن البلد أو الفتوة الذي يجند الناس لمحاربة الظلم، ويحقق العدل بين الناس، وكما صور نجيب محفوظ في (الحرافيش) وفي (أولاد حارتنا)، جبل ورفاعة وقاسم في الماضي وعرفة في المستقبل، وكما ظهر في مسرحية (الزعيم) ورواية (سقوط الإمام). والكل ينتظر الزعيم كلما اشتد الضنك، وعظم البلاء، وعم الإحباط، وساد العجز، (ويقولون متي قل عسي أن يكون قريبا(. والزعيم في الداخل وليس في الخارج، يتسلط علي قومه سواء كان في الحكم أو في المعارضة. الزعيم في الحكم يزج بالمعارضين في السجون أو يصفيهم جسديا. وإذا ثارت جماعات ضده قضي عليها، ووضعها في مقابر جماعية، واستعمل كل وسائل الفتك والهلاك، القذائف والحرائق. وهرب الباقي إلي الخارج. وكوّنوا بؤراً للمعارضة في عواصم البلدان الأخري. ولا ضير في التعاون مع أعداء الوطن في الخارج مادام لهم عدو مشترك في الداخل. ولا ضير أن تأتي المعارضة في الخارج علي أسنة الرماح وفوهات المدافع وأزيز الطائرات كي يكونوا حكاما بدلاء عن الزعيم. بل إنه يطيع أوامر الخارج، مرة بالعدوان علي جاره الإسلامي في الشرق، ومرة أخري علي جاره العربي في الجنوب، مدمرا قواته مرتين، والعدو في الغرب، يحتل فلسطين أكثر من خمسين عاما. ولما بدأ الزعيم يشق عصا الطاعة، ويقوم بلعبته الخاصة، ولحسابه الخاص صدر الحكم بإعدامه، بالحصار علي شعبه أكثر من عشر سنوات ثم بالعدوان عليه مرتين تحت عدة ذرائع، أسلحة الدمار الشامل، الإرهاب، التسلط والدكتاتورية. وقررت التخلص منه بالعدوان العسكري حتي ولو كان خارج إطار الأمم المتحدة. وتم لقوات التحالف ما أرادت. وتم القبض عليه وإذلاله وهي تعاني من اشتداد المقاومة الوطنية ضدها. وهذا جزاء من يشق عصا الطاعة، عصا معاوية دون جزرته، القوة المسلحة للقضاء عليه. والعرب يتفرجون. والبعض منهم يتحالفون. وفريق ثالث يرتعش خشية أن تدور عليه الدائرة. فالتسلط تهمة الجميع، والتلويح بالعصا في وجه الكل. وترتعد فرائص باقي الزعماء المحاصرين بين مطرقة الخارج وسندان الداخل. فيهب زعيم آخر كان يوما ما من زعماء الرفض، والمطالبة بالحد الأعلي في القضايا الوطنية. وينتقل من القومية العربية إلي الاتحاد الأفريقي. فلم يعد يطيق خذلان العرب، ولا عجزهم عن الوقوف أمام الولايات المتحدة الأمريكية لفك الحصار عنه. يخشي من النموذج الأول فيسير وفقا للنموذج الثاني. يترك نموذج الكراهية ويفضل نموذج الطوع طبقا للآية الكريمة (وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها(. وأعلن بلا مقابل وبلا سابق إعلان للجماهير العربية التي طالما وجّه الخطاب إليها عن تدمير أسلحة الدمار الشامل التي طالما أنكر وجودها. بل ويطالب باقي الأقطار الشقيقة خاصة سوريا، والجولان ما زالت محتلة، بالإقتداء بالفعل نفسه، والسير في النموذج نفسه، التخلي طوعا عن أسلحة الدمار الشامل دون التوجه إلي إسرائيل بالنصح نفسه. ويسرع قادة الغرب بالثناء عليه، بريطانيا وأمريكا، ويمدح هذه الخطوة الشجاعة من الزعيم الهمام الذي انقلب في غمضة عين من العداء للغرب الاستعماري إلي التسليم بمطالبه، والدفاع عن حقوقه، أملا في رفع الحصار عنه. ويدعو الشركات الأجنبية، البريطانية والأمريكية، للقدوم إلي البلاد من أجل الاستثمار. ويدخل بيت الطاعة بعد أن كان ناشزا. وحدث الشيء نفسه بالنسبة إلي إنكار تدمير الطائرتين الأمريكية والفرنسية ثم القبول بالمسؤولية ودفع التعويضات بمليارات الدولارات، تحول مائة وثمانين درجة، من النقيض إلي النقيض، من الزعامة الجوفاء إلي الاستسلام الذليل، ومن البطولة العمياء إلي الرضوخ الكامل. وأصبح أشهر نموذج لعدو الغرب صديقا له دون التفوه ببنت شفه عن حقوق الإنسان في الداخل وتصفية الخصوم السياسيين، وتكميم أفواه المعارضة، وانتهاك حقوق الإنسان، والفساد، والرشوة. فما يهم الغرب هو استسلام الحكام وليس مصالح الشعوب، إنهاء النتوءات البارزة والنغمة النشاز في العلاقات الدولية التي تحددها القوي الكبري وليس الحرية والديمقراطية للشعوب. والآن علي باقي الزعماء الخيار بين نموذج العصا ونموذج الجزرة، بين التسليم كرها بالحرب والعدوان أو الاستسلام طوعا والانقلاب مائة وثمانين درجة، والتحول من النقيض إلي النقيض، من الأسد إلي النعامة، ومن الثقة الزائدة بالنفس إلي تصغير النفس وتقبيل الأيادي، ومن رفض النظام الدولي إلي التوسل للانخراط فيه. وهما خياران أحلاهما مر، القضاء علي الزعيم بالعدوان الخارجي وإنهاء البطولة الجوفاء أمام الخارج أو القضاء علي الزعيم بالرضوخ والاستسلام في الداخل بدعوي الواقعية السياسية، وتجنب العدوان، وحماية لمصالح الناس. أي النموذجين أفضل؟ واحتار الزعماء أي النموذجين أفضل؟ الأول خسارة أمام الخارج، والثاني خسارة في الداخل. والسير في المحل دون حركة في أي اتجاه، يمينا أو يسارا، مقتل تاريخي للنظام. فالمياه الآسنة ليست صالحة للحياة. والحقيقة أن مقياس اختيار الزعماء هو البقاء في الحكم. كلما كان الخيار الأول هو خسارة الحكم فالاختيار الثاني هو الأفضل، البقاء في الحكم ولو ذليلا راضخا مستسلما بعد أن كان مرفوع الرأس ينظر في السماء، يستلهم العلم والمعرفة. ويتحول من (نبي الصحراء) إلي (رسول الأعداء) يبلغ رسالاتهم للقبائل العربية. يتحول الزعيم من طرف إلي طرف، من أمين القومية العربية إلي زعيم الاتحاد الأفريقي، ومن العدو الأول للاستعمار والمنظمات الدولية الخاضعة لنفوذ الدول الكبري إلي المستسلم لقراراتها والداعي لها لزيارته والتفتيش علي مصانعه ومستودعاته. كما تحول الزعيم الآخر في النموذج الأول من مدافع عن القصور الرئاسية إلي أن أصبحت هذه القصور مراكز قيادة لقوات التحالف، ومن ساكن للقصور إلي ساكن للقبور. فلا فرق في التطرف والانتقال من الحد الأقصي إلي الحد الأدني بين الحكام والمحكومين، بين الزعيم ومعارضيه. فالتطرف سنة الجميع، من البطولة إلي الخيانة، ومن الكفر إلي الإيمان، ومن الضلال إلي الهداية. وأين النموذج الثالث، نموذج التحالف مع الداخل ضد الخارج، النموذج الوطني الذي يجسد مصالح الشعب ويدافع عن استقلاله وكرامته، نموذج ماليزيا الذي يتنازل عن السلطة وهو في قمتها، ويترك الحكم لجيل جديد وماليزيا في أعلي معدل للتنمية بعد الصين؟ لم يمهد الحكم لابنه لخلافته كما هو الحال في الجمهوريات الملكية، وفي الجيش الذي يتحول إلي قريش. وهو النموذج الإيراني الذي أتي بثورة من الشعب وبانتخاب حر من الناس علي الرغم من وجود توتر وصراع مكبوت بين المحافظين والإصلاحيين. لذلك كان هو الهدف القريب الثالث الذي عليه الاختيار بين العصا والجزرة، والرضوخ لقوات التحالف كرها أو طوعا. وإسرائيل مستعدة للمؤازرة في حالة اختارت إيران الصمود ضد العدوان الخارجي وتدمير المفاعل النووي كما دمرت من قبل المفاعل العراقي. حجة الزعيم لقد كانت حجة الزعيم بعد حركة الاستقلال الوطني التنمية وبناء الدولة والتخطيط والتحول الاشتراكي والتصنيع. فلا وقت للجدل والصراع. زعيم واحد، وحزب واحد، ورأي واحد، وقرار واحد. والعمل خير من النظر، والفعل أفضل من المشاورة، والقرار أمضي من الحوار. فلما تم بناء الدولة وتحقق التخطيط، وسدت الحاجات الأساسية للشعوب رفع شعار كل شيء في مواجهة العدو الخارجي لاستكمال حركة التحرر الوطني في فلسطين. ولا شيء يعلو فوق صوت المعركة. وانتظر الناس المعركة في قدس الأقداس. فقد ضاعت نصف فلسطين في العصر الليبرالي في 1948، وضاع النصف الآخر في العهد الاشتراكي القومي في 1967. وما زال الشعار مرفوعا حتي ضاعت فلسطين وضاعت الحريات العامة. واستولت إسرائيل علي كل فلسطين، واستولي العجز والإحباط والخوف والاستكانة والتخاذل علي الشارع العربي حتي بعد سقوط عاصمتين عربيتين، بيروت في 1982 من إسرائيل، وبغداد في 2003 من قوات التحالف. والآن لم تعد هناك حجج وذرائع أخري فلا فلسطين تحررت ولا المواطن العربي استرد حريته. وكانت الخسارة مزدوجة بعد أن توهم الناس أن النصر سيكون مضاعفا علي أرض الوطن وفي روح المواطن. متي تتحول الزعامة من الفرد إلي الجماعة، ومن الزعيم إلي الشعب، ومن حكم الفرد المطلق إلي حكم الأمة، ومن البقاء في السلطة مدي الحياة إلي تداول السلطة، ومن العقد الإلهي الأبدي بين الزعيم وبين الله أو التاريخ إلي العقد الاجتماعي المؤقت بينه وبين الشعب؟ متي يفك الزعيم العربي الحصار حول نفسه بين مطرقة الخارج وسندان الداخل حتي لا يضطر إلي الاختيار بين العصا والجزرة، بين الموت أسيرا أو الموت ذليلا؟ لقد انتهي النظام العربي وأكمل دورته علي مدي نصف قرن في النصف الثاني من القرن العشرين، منذ الثورات العربية التي قادها الضباط الأحرار وحركات الاستقلال الوطني التي قادها الملوك. لقد أصبح النظام العربي حملا ثقيلا علي الأمة العربية. فلا هو يحقق مطالبها في الحرية والديمقراطية في الداخل، ولا الكرامة والاستقلال تجاه الخارج، ولا هو قادر علي الصمود أمام العصا أو الجزرة شاقا لنفسه طريقا ثالثا، طريق التحالف مع الداخل ضد الخارج. فلا شيء بمعجز في التاريخ، ولا شيء يمنع الشعوب من الحركة إذا توافرت الإرادة الجماعية، ولا القادة من المناورة إذا ما توفر لهم الخيال السياسي الضروري الذي يجعلهم قادرين علي رؤية مسار التاريخ علي الأمد الطويل وليس فقط النظر إلي كراسي الحكم وتحت الأقدام. إن تعامل النظم السياسية مع الخارج بمنطق العصا أو بمنطق الجزرة سيؤدي في النهاية إلي زوالها لغياب منطق ثالث هو زحف الشعوب علي القصور كما حدث في إندونيسيا وجورجيا. فلا طريق أمام الشعوب لاسترداد حريتها وكرامتها واستقلالها إلا بالتخلص ممن أذلوها وذاقوها الهوان إلي درجة فقدان استقلالها واحتلال أراضيها. في مواجهة منطق العصا والجزرة الذي تلوح بها القوي الكبري للحكام كي تختار هناك منطق قارب النجاة بالتحالف مع الشعوب ورد حرياتها المسلوبة منها إليها، منطق السُّلَّم الذي يهبط عليه الحكام من التطلع إلي أعلي إلي التطلع إلي أسفل. والأرض أكثر يقينا وأمنا ومن السماء. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1703 --- Date 7/1/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1703 --- التاريخ 2004 - 1 - 7 AZP07 HSHN |