|
|
مقالات - توزيع الغنائم - العولمة تبحث عن سُبُل تأمين هيمنتها - د. حسن حنفي وشتان ما بين البداية والنهاية، بين الأقوال والأفعال، بين الادعاءات والحقائق، بين الظاهر والباطن. فقد أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية توزيع عقود الإعمار علي دول التحالف التي شاركت في العدوان علي العراق مثل المرتزقة الذين يقتلون من أجل المال، والدول التي تعتدي من أجل الغنائم. فلم يكن العدوان بدوافع نبيلة تحقيقا لغايات سامية بل كان ذريعة لتحقيق المصالح، مصالح الشركات الكبري. كانت أسباب العدوان مجرد ذرائع لتحقيق أهداف أخري غير معلنة، هي الأهداف الحقيقية للحرب والبواعث الفعلية علي العدوان. كانت الذرائع المعلنة القضاء علي دكتاتورية نظام العراق، وتحرير شعبه من أبشع نظام تسلطي عرفه التاريخ وكأن أوروبا لم تعرف مثله في النظم النازية والفاشية. وأمريكا هي التي خلقته ودعمته في عدوانه الأول علي الثورة الإسلامية في إيران وهي في أوج تحديها للولايات المتحدة الأمريكية وقوي الاستكبار العالمي. وهي التي دفعته مرة ثانية للعدوان علي الكويت حتي تتدخل قوات العدوان وتدمر العراق وتستولي علي ثروته بدعوي تحرير الكويت. وكم من نظام تسلطي في العالم أيدته الولايات المتحدة الأمريكية ومازالت في الوطن العربي والعالم الإسلامي، في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. تؤيده طالما يحقق مصالحها وينفذ أغراضها. ثم تنقلب عليه إذا ما شق عصا الطاعة عليها. وقام بدوره الخاص المستقل عن الدور الذي رسمته له الولايات المتحدة، دور العميل. فالعمالة إلي الأبد. ولا تنتهي بالموت. العمالة قانون للضعفاء لسيطرة الأقوياء. لذلك تحارب الولايات المتحدة كل الحركات الوطنية التي تدعو إلي الاستقلال مثل حركات التحرر العربي الإسلامي، وكل السياسات المستقلة التي لا تريد الانخراط في النظام الدولي الذي يقوم علي الاستقطاب أو علي القطب الواحد مثل مصر الناصرية، والهند أيام نهرو، ويوغوسلافيا تيتو، وماليزيا مهاتير. وكانت الذريعة الثانية تدمير أسلحة الدمار الشامل بالرغم من عدم وجود الأدلة، وعدم عثور مفتشي الأمم المتحدة علي أي منها. وقد بان أخيرا أنها كانت فِرْيَة من وضع الاستخبارات البريطانية والأمريكية. كان قرار العدوان قد تم اتخاذه والمطلوب إيجاد شرعية له حتي ولو تجاوزت الشرعية الدولية. وقامت الولايات المتحدة الأمريكية بدور الأمم المتحدة والهيئة الدولية للطاقة الذرية. والدول الكبري ذاتها تملك أسلحة الدمار الشامل، نووية وكيميائية وغيرها. وتمنع ذلك الحق عن الدول الصغري حتي تظل القوة في المركز دون الأطراف. بل تخشي الولايات المتحدة من العدوان علي كوريا الشمالية بنفس الحجة وهي تكوّن مع العراق وإيران محور الشر. فلكوريا الشمالية سندها في الصين والاتحاد السوفيتي والعرب لا سند لهم. وإسرائيل ترسانة لجميع أنواع أسلحة الدمار الشامل. ولم توقع علي معاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل. ولا يحتلها أو يعاقبها أو يهددها أحد. بل إن الغاية الحقيقية لتدمير السلاح النووي العراقي إن وجد هو الدفاع عن إسرائيل وأمنها بتدمير الجبهة الشرقية وكما فعلت إسرائيل في تدمير المفاعل النووي العراقي في 1982 بيدها، والتهديد بضرب المفاعل النووي الإيراني والباكستاني حتي تظل إسرائيل هي الدولة النووية الوحيدة في المنطقة تحمي احتلالها لفلسطين وتوسعها في الأراضي العربية، سوريا ولبنان وتهديد مصر وسيطرتها علي منطقة الشرق الأوسط كلها، الوطن العربي والعالم الإسلامي. فحدود إسرائيل هو المدي الذي يستطيع جيش الدفاع الإسرائيلي الوصول إليه. وكما عبر عن ذلك محمد مهاتير في خطابه الأخير وهو يتنازل عن السلطة لجيل آخر طبقا لمبدأ تداول السلطة بأن اليهود يحكمون العالم بالوكالة. فقد حاولوا ضرب العملة الماليزية والإندونيسية حتي يبقي في الذهن أنه لا استقلال ولا تنمية إلا عن طريق التبعية. وقد أثرت ماليزيا طريق الاستقلال. وكانت الذريعة الثالثة للعدوان علي العراق الإرهاب بالرغم من غياب أي دليل علي تعاون النظام العراقي مع منظمات الإرهاب الدولي. وإرهاب المنظمات السرية هو رد فعل طبيعي علي إرهاب الدول الكبري العلني علي المستوي الدولي، كما أن إرهاب الأفراد علي المستوي المحلي هو رد فعل علي إرهاب الدولة. والحقيقة أن الولايات المتحدة بعد حوادث 11 أيلول (سبتمبر) تريد استرداد هيبتها وإثبات أنها قادرة علي الدفاع عن نفسها خارج حدودها. فقد طعنت حوادث 11 سبتمبر الولايات المتحدة في غرورها وكبريائها وسطوتها أكثر مما فعلت بيرل هاربر في 1942 التي كانت بعيدا عن القارة الأمريكية في وسط المحيط. ولم تدرك دلالة الحدث، أن القوة بلا عدل تدمر نفسها بنفسها، وأن منظمة التجارة العالمية والبنتاجون مع البيت الأبيض رموز للسيطرة والهيمنة والعدوان، ورمز للتجمع العسكري الصناعي الذي يريد السيطرة علي مقدرات العالم، وأن هناك غضب في القلوب، وتمرد لدي الشعوب ضد الهيمنة الأمريكية كما كان الحال في الستينيات في حركات السلام المناهضة للحرب والعدوان علي فيتنام، والمناهضة العنصرية في الداخل والدفاع عن الحقوق المدنية للأمريكيين الأفارقة. كما ان الجرائم المنظمة للأفراد والجماعات رد فعل علي مجتمع في ظاهره ديموقراطي وفي باطنه يقوم علي جريمة رأس المال، الاستغلال والاحتكار والنهب والسلب، في الداخل والخارج. كان الاستعمار التقليدي إرهاب الدول الكبري للدول الصغري عن طريق الاحتلال المباشر ثم أصبح السيطرة الاقتصادية علي الموارد والأسواق والعمالة. ثم تحول إلي هيمنة ثقافية عبر قنوات الفضاء ونشر القيم الاستهلاكية باسم العولمة. وعندما تم العدوان واحتلال العراق، والقبض علي رأس النظام وتحققت الأهداف غير المعلنة بدأ تقسيم الغنائم بين اللصوص والمرتزقة بتوزيع عقود الإعمار علي الشركات الأمريكية والبريطانية، وبيع الدم العراقي لشركات الإعمار بل وبيع دم قوات التحالف أيضا بعقود الإعمار. يموت الأبرياء ليثري الأغنياء. ويقضي علي العمران من أجل الكسب واستنفاذ الثروات. كان النفط في مقابل الغذاء. والآن النفط في مقابل الإعمار. أمريكا تدمر وأمريكا تعمّر حتي تقضي علي أزمتها الاقتصادية وانهيار عملتها وينجح رئيسها في دورة انتخابية ثانية. مازالت الرؤية المادية للعالم تتحكم في الولايات المتحدة. ومازال قول لينين الشهير "الاستعمار أعلي مرحلة للرأسمالية" قول صحيح. فالرأسمالية باسم العولمة هذه المرة وبعد عصر الاستقطاب تتمثل في الاحتلال المباشر للدول في أفغانستان والعراق، مناطق النفط والثروة، ومن أجل الهيمنة علي العالم القديم كله كما فعل الاستعمار التقليدي، محاصرة الصين والاتحاد السوفيتي من الجنوب، وإقامة قواعد عسكرية في أواسط آسيا، والقرب من نفط بحر قزوين، وتحقيق الشعار الاستعماري القديم (الاندفاع نحو الشرق) ولكن هذه المرة ليس اندفاع الغرب الأوروبي بل الغرب الأمريكي. ويبدو أن الاستعمار التقليدي كان هو روح القرن التاسع عشر. خلفته حركات التحرر الوطني في القرن العشرين. ثم عاد الاستعمار التقليدي من جديد في القرن الواحد والعشرين الذي استبشر العالم كله ببدايته. فقد اكتملت دورة النظام العالمي في قرنين، قرن للاستعمار وقرن للتحرر، والآن يعود الاستعمار في دورة جديدة. وقد تبشر ببدايات المقاومة في فلسطين والعراق وأفغانستان بأن الدورة الثانية هذه المرة لن تكون طويلة. لم تكن الأخلاق والقيم الأمريكية إلا الكسب والرزق والإثراء وكل ما يتعلق بالسيطرة علي العالم والاستحواذ علي مقدراته. وكانت مذاهبها المثالية في غالبيتها من صنع المهاجرين الأوروبيين إليها أثناء الاضطهاد النازي ولم تكون يوما مؤثرة في سلوكها أو نمط حياتها أو محددة لرؤيتها للعالم. نموذج الأمريكي (كيف تكسب مليون دولار؟). ونموذج المؤلفات "دليل رجل الأعمال). وهدفها الإجابة علي سؤال (كيف تنجح في الحياة؟). البطل هو راعي البقر الذي يرعي ويقتل. هو (رامبو) الرجل القوي العضلات القادر علي قهر الأعداء. هو المنتصر دائما والمخلّص من الأزمات. وكانت القيم والمبادئ المستوردة من الثورة الفرنسية والتي كانت وراء كتابة الدستور الأمريكي ووثيقة إعلان الاستقلال محصورة داخل القارة الأمريكية، وليس خارجها كما هو الحال في حصرها داخل القارة الأوروبية دون خارجها في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. بل إن المبادئ والقيم لا تنطبق إلا علي عنصر واحد من المجتمع الأمريكي، العنصر الأبيض خاصة الأبيض الأمريكي الإنجليزي البروتستانتي أي (الواسب)WASP. يبدو أن الوعي الأمريكي قد بُني علي السيطرة والهيمنة والإقصاء. فقد تم اكتشاف أمريكا بحثا عن الذهب، ورغبة في التوسع بعد سقوط الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، وآخر معاقلها في غرناطة 1494. وقد اتجه كولومبوس غربا بفضل الخرائط العربية كما اتجه ماجللان وفاسكو دي جاما شرقا بفضل الملاحين العرب. البحث عن المادة والسعي وراءها هو أهم مكوّن في الوعي الأمريكي، والنجاح في استئصال السكان الأصليين وإحلال المهاجرين محلهم. فالقتل والتدمير وسيلة للاستحواذ علي ممتلكات الغير. وظل ذلك الباعث من البداية إلي النهاية، منذ اكتشاف أمريكا حتي سقوط أمريكا. ومن يدري، فربما تنقلب موازين القوي، ويصبح الجلاد هو الضحية. وتحاكم قوات التحالف يوما بجرائم الحرب، بقتل الأطفال والنساء والشيوخ. فشن حرب دون شرعية دولية جريمة حرب. واستعمال الأسلحة النووية المحدودة جريمة حرب. وتدمير المنازل وقتل المدنيين جريمة حرب. لا فرق بين أمريكا في العراق وأفغانستان، وإسرائيل في فلسطين. إن غضب الشعوب إن لم يتفجر فإنه يتحول إلي طاقة كامنة في التاريخ. والحق الضائع لا يتلاشي بل يتراكم في القلوب والمشاعر حتي يجئ وقت الانفجار. ولا توجد إمبراطورية قائمة إلي الأبد. كل من ينشأ ينتهي. وكل ما يبلغ الذروة ينهار. المهم هو الصمود. والقدرة علي معرفة إمكانيات العرب وسلبيات الإمبراطورية الرومانية الجديدة. إن صراع القوي الآن ليس بين المعسكرين التقليديين بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بل بين العولمة التي تمثل القطب الواحد واحتمال وجود قطب ثان في الوطن العربي قلب العالم الإسلامي، أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. لذلك يشتد الحصار عليها بالاحتلال والحصار والغرب والتآمر والتهميش حتي تطمئن العولمة إلي أنها أصبحت مسار التاريخ وحركته. ولماذا اليأس؟ وهذه ليست أول مرة تحتل فيها بغداد، وتهدد سوريا، وتحاصر ليبيا، وتــُهمش مصر. المهم عظة التاريخ. وكلما تشتد الأحزان يكون الفرج. (ويقولون متي قل عسي أن يكون قريبا). لذلك عندما زار الشاعر والفيلسوف محمد إقبال مدافن بريطانيا ووجد شاهدا كبيرا من رخام وسأل لمن؟ قيل لأكبر صاحب سوبر ماركت في بريطانيا. فلما اقترب قرأ (وُلِدَ إنسانا ومات بقالا). واستعجب إقبال وقال (لقد جعلتم عالم الله دكانا). AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1701 --- Date 5/1/2004 جريدة (الزمان) --- العدد 1701 --- التاريخ 2004 - 1 - 5 AZP07 HSHN |