|
|
مقالات سياسية - د. حسن حنفي - الشعوب هي التي تقاضي حكامها - عندما تمتزج الأفراح بالأحزان في قضية اعتقال صدام انتاب الشارع العربي إحساسان متناقضان، كلاهما صحيح، يعبر كل منهما عن واقع نفسي، توتر بين الفرح والحزن، الرضا والغضب، التمني وقبول الأمر الواقع وذلك يوم القبض علي رمز النظام العراقي السابق، في حفرة من الأرض لا تتجاوز المترين، وعلي عمق سبعة أمتار، كث اللحية، غائر النظرات، صامتا. ربما يسترجع بالذكريات أيام خلت عندما كان ينتقل من قصر إلي قصر، وبيده الصولجان، يحيي ويميت (أنا ربكم الأعلي). فإذلال العربي، قائدا أو شعبا، مهين لكرامة العرب. وهزيمة التحدي الأمريكي يخيب الآمال في الانتصار عليه. والنصر الأمريكي بعد استدراجه في مستنقع العراق إنقاذ لأهدافها من العدوان. والأمثلة العامية والأقوال المأثورة كثيرة (ارحموا عزيز قوم ذل)، (أقيلوا ذوي العثرات عثراتهم). انتهي رمز التحدي للقطب الواحد والذي جند الملايين من أنصار السلام في العواصم الغربية تدافع عن العراق وفلسطين وأفغانستان. لا يعني ذلك تأييد الرمز بل معارضة العدو، وفي المثل (أنا وأخويا علي ابن عمي، وأنا وابن عمي علي الغريب). أخافت صواريخ سكود إسرائيل في حرب الخليج الثانية. وأسلحة الدمار الشامل، حقيقة أم إيهاما، كانت ترهب الكيان الإسرائيلي. كانت نهضة العراق العلمية والصناعية نموذجا للتنمية الحديثة. نموذج كوريا الجنوبية، بالحديد والنار والذي كانت الاستثمارات الأمريكية أكبر عون فيه. والحزن أيضا شعور صادق. فقد أصبح في النهاية رمزا للمقاومة الوطنية العراقية. يُهتف باسمه بعد كل عملية فدائية. كان ضحية خيانة قادة الجيش والحرس الوطني ليلة تسليم بغداد واختفي الجيش وسط الشعب بأسلحته الخفيفة والثقيلة. وانطلقت حرب العصابات تذكّر بحرب فيتنام في الستينيات والجنرال جياب. فلا فرق بين مستنقع فيتنام ووحل العراق. شعب في مواجهة جيش، وعمليات فدائية في مواجهة قوات غزو واحتلال. تحول الرمز الذي يحيي القلوب إلي واقع مميت. والضابط الأمريكي الطبيب يفحص الأسنان والحلق ببطارية صغيرة تكشف عن لون الدم الأحمر في الفم. ويعبث بالشعر الكثيف لمعرفة مدي الالتهابات في جلد الرأس والوجه. لا فرق بين وضع الأمريكي قدمه علي رأس المواطن العراقي بشبهة المقاومة وبين استسلام رأس النظام السابق لأيدي الأمريكي تعبث به كيفما تشاء. يعم الحزن جمهور المثقفين فهم الذين يتعاملون مع الرموز، ويدافعون عن حقوق الشعوب، ويقفون في مواجهة العدوان عليها. هم الذين يتأثرون بنماذج البطولة والفداء، ويشعرون بمآسي الهزائم وأفراح النصر. هم الذين يقدرون عالم المعاني وأهمية الصور الذهنية وقدرة الخيال علي المقاومة وإبداع عوالم جديدة تساعد علي تجاوز آلام الواقع والاستسلام لموازين القوي الظاهرة، واللجوء إلي أسباب القوي الأخري، البقاء علي الحلم وعالم الإمكانيات. أسوأ فترة في التاريخ الحديث ويعم الفرح لأن الشعب العراقي بل والشعب العربي تخلص من أسوأ فترة في تاريخه الحديث، فترة المقابر الجماعية، وتصفية المعارضين، وإلقاء النابالم في حلابجة، وقتل آلاف الأبرياء في حرب الخليج الأولي بعدوانه علي الثورة الإسلامية في إيران وطعنها في الظهر، وهي صامدة أمام الاستكبار العالمي الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية، وأضاع آلاف المدرعات والدبابات التي كان يمكنها أن تقيم سياجا حول إسرائيل. فأين الجبهة في الشرق أم في الغرب؟ دفعته أمريكا كي تضرب العدو بالصديق، (يقتلون أنفسهم بأيديهم). ويصفي العرب والمسلمون بعضهم بعضا من دون حاجة إلي عدوان أمريكي أو إسرائيلي. ويحقق حلم إسرائيل بالتخلص من جبهة الشرق وبعدها الجغرافي شرق سوريا في العراق وإيران. ثم غامر مرة ثانية بالعدوان علي الكويت بدفع من الولايات المتحدة الأمريكية أيضا حتي يدمر العرب أنفسهم بأنفسهم، وينقسموا علي أنفسهم. البعض يمول العراق بالمال والسلاح ضد إيران، والبعض الآخر يمول إيران بالمال والسلاح ضد العراق. وفريق ثالث يؤيد الخصمين المتحاربين تجنبا لشرورهما المحتملة في المستقبل. وتم حصار شعب العراق أخذا بجريرة النظام أكثر من عشر سنوات، واستشهد وأصيب ملايين الأطفال العراقيين. وضاعت ثروة العراق، وأصبحت نهبا للطامعين. وتفرق العرب، وهمشت قضية العرب الرئيسية، فلسطين. وغطت مأساة العراق علي ما يحدث في السودان وسوريا. أهو فرح مفتعل؟ أما فرح الشارع العراقي فقد يكون البعض منه مفتعلاً وليس كله. فلم يعاني شعب من نظام كما عاني شعب العراق. ومن كان يرقص لرمز النظام بنفس القوة والحماس منذ بضعة أشهر فإنه يرقص أيضا عندما يتهاوي الرمز بنفس القوة والحماس. فالشعب في حاجة إلي انتصار وإظهار مشاعر الفرح وهو في أعمق الأحزان. (زوربا اليوناني) يرقص من الألم، ويفرج عن همه بالحركة. وقبل ذلك رقص بعض نواب مجلس الشعب المصري وسط أحزان الهزيمة، هزيمة حزيران (يونيو) 1967 عندما تراجع الرمز عن الاستقالة. ففرح العودة له الأولوية علي هزيمة الوطن. والإعلام خبير بذلك، يحول الأفراح إلي أحزان، والأحزان إلي أفراح، والعداوة إلي صداقة، والصداقة إلي عداوة. إن فرح أحزاب المعارضة، الماركسية أو غيرها إنما هو فرح موقوت. فالحزن علي منع الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي مازال عاما. ولم يتم إسقاط رمز النظام بالنضال الشعبي الوطني الداخلي بل بقوات الغزو الخارجي. فهي فرحة منقوصة، وفرح لم يتم. فرح في الظاهر وحزن في الأعماق. وماذا لو تكرر النموذج في سوريا ولبنان وإيران وباقي الأقطار العربية التي تقع تحت نفس الاتهام وبنفس الذريعة. فتصبح الولايات المتحدة بين عشية وضحاها من الاستكبار الأمريكي إلي المحرر الأعظم. وتتحول قوات التحالف من قوات الغزو والاحتلال إلي قوات التحرير والخلاص. وتتحول صورة الاستعمار التقليدي من الطغيان إلي التحرير، ومن القهر إلي التحرر، ومن العداوة إلي الصداقة، ومن المواجهة إلي الأحلاف. وما يفك هذا التشابه بين الفرح والحزن هو استمرار المقاومة للاحتلال والغزو يقودها الوطنيون العراقيون. فمن كان يعيش في مترين تحت الأرض لم يكن قائدا للمقاومة الوطنية التي تحتاج إلي غرفة عمليات وخرائط ورجال ووسائل اتصال لا تتوافر في مساكن النمل والجرذان. فالوطن ليس رمزه. الوطن خالد بتاريخه وكرامته، والقادة زائلون، طغاة أو أحرارا. وما فائدة استبدال سيد بسيد، السيد الأمريكي الذي يهين الشعب، ويدهم البيوت، ويقيد الرجال، ويهين النساء، ويقتل الأبرياء أخذا بالشبهات. ويتحد الشعب العراقي بطوائفه سنة وشيعة، وأعراقه عرباً وأكراداً وتركمان ضد المحتل الغازي. فلم يعد هناك إلا عدو واحد خارجي بعد أن تم الخلاص من العدو الداخلي. فالوطن ليس ملكا لفرد، ولا ينتسب إلي نظام. إن استمرار المقاومة نوع من الردع حتي لا يتكرر النموذج حماية للأوطان. وإلا استكانت الشعوب ولم تأخذ حقوقها بأيديها، وانتظرت الخلاص علي أيدي قوات الاحتلال (وداويني بالتي كانت هي الداء). الوطن ليست رموزه في القيادة. الوطن هو الشعب. ومن ثم تستمر المقاومة دفاعا عن استقلال الوطن. فلا يستبدل سيد بسيد، ولا قاهر بقاهر، استمرار المقاومة هو السبيل الوحيد كي يسترد الشعب العراقي حقوقه ويخلص نفسه بنفسه. فإذا استعصي عليه التخلص من النظام السابق فإنه أقدر علي التخلص من الاحتلال والغزو الراهن. المتّهَم والضحية وما دام الخطب قد أدلهم، ووقعت الواقعة، فالأولي محاكمة الرمز أمام شعب العراق. فهو المتّهَم والضحية. وهو القادر علي الدفاع عن تاريخه وبيان آثامه. وليست المحاكمة لدي قوات التحالف فتتكرر مأساة جواتانامو ولا حتي أمام المحاكم الدولية. فالضحية هو شعب العراق. والقانون هو احترام حقوق الشعب العراقي. والقانون العربي والشريعة الإسلامية، كلاهما قادران علي أخذ حقوق الأمة من الطغاة، والاقتصاص من الحاكم الظالم. الشعب هو الذي يحاكم طغاته حتي يعرف الحكام أنهم محاسبون أولا أمام شعوبهم وليس أمام النظام الدولي أو القطب الأوحد. ومن ثم يخشي الحكام الشعوب بدلا من خشية القوي الخارجية. وتتحالف معها بدلا من التحالف مع الخارج، وتفك حصارها بين المطرقة والسندان، سندان الداخل ومطرقة الخارج. إن أقصي ما يمر علي العرب اليوم هو الحيرة في كل شيء، الحيرة في التعامل مع الماضي بين منكر ومثبت، والنظر إلي المستقبل بين القفز إليه أو التخوف منه، والعيش في الحاضر بين الدخول تحت الأرض في حركات سرية تمارس العنف بين الحين والآخر أو الهجرة خارج الزمن إلي الغرب ليعيش زمن أمريكا واستراليا وكندا أو يتوقف في المكان فيصاب بالإحباط والعجز ويموت غما وكمدا كما يحدث لبعض الشعراء والأدباء. فالسؤال كيف يفك العرب حصار الزمن الذي وضعوا أنفسهم فيه؟ فهل يتعظ حكام العرب ويتأملون مصير الطغاة؟ وهل تبدأ عملية التحول الديمقراطي تحقيقا للنضال الوطني لأحزاب المعارضة العربية وليس علي ألسنة الرماح والخوف من تكرر النموذج العراقي في سائر الأقطار العربية؟ إن تأجيل قضية الحرية من النظام العربي علي مدي نصف قرن أدي إلي تفجرها بالاحتلال المباشر بقوات الغزو الخارجي تحت ذريعة القضاء علي الطغاة وتحرير الشعوب، وفي الحقيقة من أجل تحقيق مخططات وأهداف القوي الكبري وإعادة رسم خريطة المنطقة حتي تطمئن علي مصير العولمة كنموذج لهذا القرن في منطقة الطاقة والعمالة والأسواق. إن الخوف كل الخوف أن تنشأ ذهنية جديدة في الوجدان العربي، الخلاص من الخارج والاعتماد علي القوي الخارجية، وانتشار النموذج الأمريكي، ونمط الحياة الأمريكية. وقد بدأ بعض المثقفين العرب بالمناداة بأن التحرر بيد الأجنبي خير من التسلط بيد الوطني ويتحول إحساس العرب بالتاريخ، وتهتز قناعتهم. فقد تحول عدو الأمس، الاستعمار، إلي صديق اليوم. وتنتهي حقبة من التاريخ لتبدأ حقبة أخري. يصبح الصديق عدوا، والعدو صديقا، وتختلط الأوراق. واستمرار المقاومة الوطنية هو الذي يبدد الشكوك ويزيل الالتباس، ويعرف العرب أن تاريخهم مازال مستمرا، من الاستعمار إلي الاستقلال. بقي عليهم فقط إكمال الشوط، من التسلط إلي الحرية. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1692 --- Date 23/12/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1692 --- التاريخ 2003 - 12 - 23 AZP07 HSHN |