من التحقيق مع صدام حسين (سري وعاجل) - نبيل سليمان
(في قاعة مهيبة يتّقد فيها الأبنوس بسواد ثياب المحققين والتماعات عيونهم والكاميرا التلفزيونية. قبالة صدام وفوق رؤوس المحققين تؤجد كلمات اللوحة: العدل أساس الملك).
الكبير: من يرك الآن حليقاً وأنيقاً ومورد الخدين، لن يصدق أنك كنت ذلك المحشور في قبر. ما كان ينقصك غير الكفن يا صدام.
نفيطيان (يكتم ضحكة): محشور في قبر؟ قلْ: فأر في حجر.
صدام: والله صار لك لسان يحكي يا نفيطيان!
الكبير (وهو يناول صدام ورقتين): هذه قائمة بأسماء الكتاب والشعراء والصحافيين والمفكرين الذين قبضوا منك ودبجوا المدائح والتكبيرات فيك. انظر فيها علي مهل. هل تريد أن تضيف عليها أو تحذف منها؟
صدام (وهو يشيح عن الورقتين): أراها قائمة صغيرة. هل تحتوي علي أسماء الكاتبات والشاعرات و..
الكبير: نعم نعم.
صدام: من العرب وغير العرب؟
الكبير: الجميع. الجميع يا صدام. خذ.
صدام (ملتفتاً إلي الآخرين): ظننت أنكم ستسألون عن رؤساء الأحزاب والمنظمات البنوك والشركات. عن رؤساء الدول، والوزراء والأمراء، عن رجال ونساء الاقتصاد.
المهتدي(وأصابعه تنقر علي أرواق أمامه): هذه قائمة أطول سيأتي دورها.
شداد: بالله عليكم دعونا من القوائم واتركوا الرجل يحدثنا عن السفيرة جلاسبي.
أوفقير: هات يا صدام. احك لنا عن جلاسبي؟ كيف فتنتك وضيّعتك وأنت من أنت؟
صدام: هذا السؤال اتركوه لغيركم. هذه القوائم اتركوها لغيركم.
نفيطيان (لأوفقير بصوت مسموع): هو يضيّع الوقت معنا بانتظار غيرنا.
مسرور: أحمد الله يا صدام أنك بين أيدينا ولست في غوانتنامو.
الذهبي (لمسرور هامساً): تراه يحلم بلاهاي. إذا لم نلغ قانون الحكم بالإعدام لن يتعاون معنا.
المهتدي: إذا لم نجرب فيه ما كان يفعله بغيره، لن يتعاون معنا.
السعيد: تلك الأيام ولّت.
أوفقير: اسمع يا صدام. لن تكون أية محكمة أخري أرحم بك منا. الأفضل لك أن تتعاون معنا.
صدام: لا تحلم يا أوفقير. صدام ما استسلم لمثل هذا.
مسرور: من أجل ماذا إذن استسلمت؟
صدام: ستعرف في الوقت المناسب.
جبارة: (للآخرين): قد يموت ميتة ربه قبل أن يأتي الوقت المناسب.
السعيد (لجبارة): لو فيه ذرة نخوة لأطلق رصاصة علي رأسه واندفن في حجره، وما انتظر ميتة ربه ولا الإعدام.
شداد: خلونا في المهم. قل لنا يا صدام. من كتب رواياتك.
صدام (ساخراً): ربنا نادي بالستر.
جبارة (لتحسين شداد): إذا كان هذا هو المهم فمتي سنصل إلي من أعدمهم بيده؟ متي سنصل إلي حلبجة والأغوار و...
الملياني (مقاطعاً): قل لنا ياصدام. كيف صدقت أنك قادر علي توريث العرش لابنك؟ المثل يقول: ما متّ ما شفت مين مات؟ غيرك جرب وعمل الجمهورية ملكية، يعني عمل الجملكية، وغيرك وغيره جرب وعمل الجمهورية سلطنة، يعني عمل الجمطانية، فماذا كانت النتيجة؟ ابنك وابن الجملكية وابن الجمطانية تحت التراب.
حاكم: حسبت نفسك يا صدام خالداً مخلّداً، فانظر إلي ماذا انتهيت.
صدام: ما زلت حياً أرزق يا حاكم.
أوفقير: (لمسرور) : أعطوه صورته بذقنه المنكوشة وشعره المنفوش. اجبروه علي أن يحتفظ بها ما دام حياً.
مسرور (للمهتدي): ليس بتوريث ابنه فقط حسب نفسه خالداً مخلّداً. نسيت التماثيل؟
المهتدي: رأيت الناس كيف حطمت تماثيلك يا صدام؟
صدام: راحت التماثيل لكن صاحبها أمامكم. راح الولد ولكن أبوه أمامكم.
الكبير: يا سادة خلونا في المهم.
الملياني: لا قوائم الكتّاب مهمة ولا قوائم الساسة. لا جلاسبي مهمة ولا الجملكية ولا الجمطانية. ما الهم إذن؟
نفيطيان: كله مهم.
حاكم: المهم ما يخبئه صدام.
الذهبي: ماذا تخبئ يا صدام؟
صدام: الفضائح. للدنيا كلها ما عندي إلا الفضائح.
شداد: ما اكتفيت بكل ما كان من فضائح؟
صدام: المخبوء أعظم.
جبارة: عال. ابدأ إذن.
‎‎‎
ملاحظة من المقرر: قَدِمَ المحققون من عدة روايات عربية، سبق أن كتبتُ عن الديكتاتور في كل منها في هذه الزواية وفي غيرها. فالكبير جاء من رواية أبو بكر العيادي (آخر الرعية) والملياني جاء من رواية واسيني الأعرج (المخطوطة الشرقية) وحاكم هو حاكم البلاد الذي جاء من رواية نجم والي (تل اللحم) وجبارة هو عزام جبارة الذي جاء من رواية عبد الستار ناصر (أبو الريش) ونفيطيان جاء من رواية هاني الراهب (رسمت خطاً في الرمال) والمهتدي جاء من رواية (العصفورية) لغازي القصيبي، وأوفقير جاء من رواية (فتنة الرؤوس النسوان) لسالم حميش وتحسين شداد جاء من روايتي (مدارات الشرق). لكن تحقيق هؤلاء القادمين من الروايات مع صدام حسين هو تحقيق واقعي جداً، وغير متخيل البتة، وعلي أية حال، فالواقع أغني من كل خيال، والدليل المفحم علي ذلك هو صدام حسين نفسه.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1688 --- Date 18/12/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1688 --- التاريخ 2003 - 12 - 18

AZP09
AYMK
NBSL