|
|
تحديث قانون البذل والبرطلة - نبيل سليمان واجهت الرشوة لأول مرة وجهاً لوجه في غرفة حجز مطار عاصمة عربية كبري، ذات ليل من شتاء عام 1980. وكنت قادماً من بيروت حيث حمّلني صديق يساري (جداً) ستة كتب من إصدارات دار النشر التي أسسها في بداية ذلك العام. كان عليّ أن أسلم الأمانة ـ الكتب إلي صاحب مكتبة كبري في العاصمة الكبري. لكن عنصر المخابرات الملازم لعنصر الجمارك، تناول من حقيبتي كتاباً من الأمانة، بينما كان الآخر يبحبش في الحقيبة. وريثما انتهت البحبشة، كان عنصر المخابرات قد فتح الكتاب جزافاً علي صفحة ما، وكانت عيني قد وقعت جزافاً علي سطر ما ينعت رئيس الدولة التي سأزورها بالخيانة والعمالة. ولقد نشف ريقي، ويبس الدم في عروقي، ثم سال الريق وجري الدم، قبل أن يبلغ عنصر المخابرات ذلك السطر القاتل، والحقيبة التي أغلقها عنصر الجمارك تستحثني، وفجأة صاح عنصر المخابرات: ــ الله الله الله. شرّف يا أستاذ. شرّف الأستاذ إلي قاعة هائلة يتصدرها رئيس أمن المطار الذي تبادل مع عنصر المخابرات همسة قصيرة جداً، ثم أمرتني إشارة من أحدهما بالانصراف، فأسرعت، ولكن إلي أين يا أستاذ؟ بعد دقيقة طويلة جداً أدركت أنني في غرفة عارية ذات باب حديدي مصمت ومغلق ونافذة حديدية مشرعة علي قضبانها وعليّ وعلي ثلاثة أو أربعة أشخاص. ولأن بنطالي كان مكوياً جداً، تأبيت علي القرفصة أو الاستلقاء علي البلاط القذر، علي الرغم من لجاجة ساقيّ وظهري. وبعد ساعة طويلة جداً تقدم أحد المحجوزين مثلي من النافذة، وخاطب الحارس المتربع علي عرش كرسي حديدية أمام طاولة حديدية، وتهامسا، ثم غاب الحارس دقيقة قصيرة جداً، وعاد بعدها ليناول المحجوز سندويتش وعلبة سائل ما، فبلعت ريقي وجمعت شجاعتي طوال ساعة قصيرة جداً، وقلدت ذلك المحجوز، وناولت الحارس خمسة دولارات ليأتيني بأية سندويتشة وبأية علبة، ويأخذ الباقي، فانطلق مهللاً للأستاذ، وما إن عاد حتي بادره الأستاذ بالسؤال عن مصيره التاريخي، فهمس الحارس: ــ سيرحّلونك إلي بيروت بسبب الكتب. لعنت صديقي الناشر اليساري جداً، وتذللت للحارس الذي تذلّل للضابط المناوب الذي تذلّل لسواه، حتي سُمِحَ لي بمتابعة السفر إلي صنعاء، حيث كانت محطتي التالية بعد تلك العاصمة العربية الكبري. ومن أجل ذلك دفعت للضابط المناوب خمسين دولاراً، مردداً في سري الحديث الشريف الذي يلعن الراشي والمرتشي. بعد عودتي صادفت في إحدي مكتبات بيروت كتاب عبد الرزاق محمد (البذل والبرطلة زمن المماليك) فالتهمته التهاماً، ثم تركته يهجع في مكتبتي حتي نادي عارف دليلة ـ قبل أن يُسجن بسنوات ـ بقانون الشفط، وكنت قد بدأت أتبجّح باكتشافي اللغز الاقتصادي الذي يوازن مجتمعاتنا: قانون الرشوة، فإذا بعارف دليلة يزيد قانونه الذي يضيف إلي الرشوة شفط الشافط للدولة، ليصحّ اكتشاف ذلك اللغز الاقتصادي العتيد. ولعل ذلك ما جعلني أعود إلي كتاب (البذل والبرطلة) مرة بعد مرة، فأزداد إدراكاً لأن البذل في اللغة هو العطاء والكرم، والرشوة هي الجُعل، أي ما يعطيه الشخص للحاكم أو غيره ليحكم له أو يحمله علي ما يريد. أما البرطلة: فهي في اللغة الرشوة صراحة، ومنه: البرطيل والبراطيل والتبرطل و.. لقد نقلت علي قصاصات الكثير من كتاب عبد الرزاق محمد الذي صدر عام 1979 في القاهرة، ومما نقلت تعريف المقريزي للبراطيل في كتابه (المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار)، حيث قال: إنها الأموال التي يأخذها ولاة البلاد ومحتسبيها وقضاتها وعمالها بالقهر والظلم. ومنذ نقلت هذه القصاصة وأنا أتَساءل عما سيتبدل من التعريف حين يغدو الدفع (الإكرامية ـ الحلاوة ـ الحلوان ـ العيدية...) عن طيب خاطر، وبلا قهر أو ظلم، وبالأحري: حين يغدو البرطيل هو القانون؟ في قصاصة أخري نقلت أنه قد عثر في معبد الكرنك علي لوحة حجرية، تضمنت قانوناً أصدره حورمحب (1334 ـ 1304 ق. م). يقضي بإعدام الموظف أو الكاهن الذي يقبل الرشوة، وكذلك الجنود الذي يستغلون نفوذهم للإثراء. وفي نفس القصاصة نقلت مرسوم سيتي الأول (1303 ـ 1290 ق. م) الذي يأمر بقطع أنف وأذني الموظف الذي يخلّ بواجباته الوظيفية من أجل مصالحه الشخصية. وفي قصاصة أخري نقلت أن أول من رشا في الإسلام هو المغيرة ابن شعبة الذي ولي الكوفة من قبل معاوية. وأن عبد اله ابن عبد الملك، إذْ ولي علي مصر مطلع القرن الثامن الميلادي، غلت الأسعار، وسماه الناس (المكيس) لفرط ما مانالهم من أذاه البرطيلي. وفي القصاصة نفسها نقلت أن كتّاب (موظفو) الحضري المعين علي قضاء مصر من قبل هشام بن عبد الملك مطلع القرن الثامن الميلادي نفسه، كانوا لا يكتبون قضية إلا برشوة، ولم يعاقب الحضرمي واحداً منهم حتي أمره الخليفة بذلك. عندما دفعني قانون عارف دليلة، إلي العودة إلي كتاب عبد الرزاق محمد، دفعني الأخير إلي البحث عن كتاب يقول إنه مليء بأخبار الرشوة، هو كتاب (القضاة والولاة)، وتكاثرت القصاصات التي جددت فيها نقلي من كتاب (البذل والبرطلة)، ومنها الحديث الشريف: (ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي؟ ألا جلس في بيت أمه أو أبيه، فينظر أيُهدي إليه أم لا؟) إلي آخر الحديث. ومما نقلت أيضاً قول السخاوي إنه (بالرشا يصل المرء في هذه الأزمان إلي ما يشا)، وحديث ابن صصري في (الدرة المضيئة في الدولة الظاهرية) عن الرشوة أثناء موجة غلاء هبت علي دمشق علي عهد النائب (بيدمر). بالطبع، واجهت الرشوة وجهاً لوجه بعد المرة الأولي مراراً وتكراراً، كأيّ مواطن يؤمن بسيادة قانون الرشوة (والشفط ـ كما يفضل القول عارف دليلة). وإذا كان لقائي الأول بالرشوة عبوساً قمطريراً، فقد بات باسماً ورضيّا. ومع ذلك، مافتئت منذ سنوات أحلم باقتصادي ينتزع الكتابة عن الرشوة والشفط من الصحافة والمسلسلات والروايات، ويتجرأ ويكتب مثل كتاب عبد الرزاق محمد، ولكن ليس عن زمن المماليك، بل عن زمننا، لأن التحديث الذي شهده قانون البذل والبرطلة ـ قانون الرشوة والشفط، يستجرّ الرحمة علي ما كان منذ زمن الفراعنة إلي أزمنة الأمويين والعباسيين والإخشيديين والأيوبيين والمماليك، أي علي من تحدث عنهم عبد الرزاق محمد. أما عذري وأمثالي في مواجهة الرشوة بالبسمة والرضي، وفي الإيمان بسيادة القانون ـ أي قانون؟ ـ فلعله فيما ذكر ابن منظور في (لسان العرب) من أنه لا بأس من المصانعة عن النفس والمال، إن خاف المرء من الظلم. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1682 --- Date 11/12/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1682 --- التاريخ 2003 - 12 - 11 AZP09 AYMK NBSL |