|
|
الجراح في حدائق هملت - نبيل سليمان ربما ألفيت نفسك وقد قرأت (حدائق هملت) تطيّر الأوراق وتنسي نوري الجراح، فيما تصير قصيدةً أو كسراتٍ من قصيدة، كأنّك جثة مع عاشق في حديقة، أو سمّاً يبدل الأزهار، أو برقاً يفتت اللوح. وقد تصير الشمسَ لأنك في السمت، أو الفهدَ والشعابَ التي أسرت خفّته. وحين تكون القراءة قد خلّقتك حقاً في قصيدة (أقنعة هملت)، سيحضرك نوري الجراح، ويرميك ــ مثل طفل يعبث ويزقو ــ بقصيدة (في الحديقة وراء شجرة) وينساك أو تنساه، فتصير يدك في تراب الحديقة، وخيالاً يزحزح الأكمة، وعقلاً يشققها، والزهرة في يد من يركض ومن تركض، وقلبٌ يتفطّر هواءً، ولا وقت يشبه الوقت، لا وقت أشق مما يتقطّر في أذن النائم وحديقته، والسمّ ــ السم ثانيةً وعاشرة ــ في المطر، السم قدمان حافيتان تستبقان علي رخام أسود. هكذا تصير القراءة كتابة، والقصيدة ــ كالشاعر ــ تصير أنتَ، ويحضر ويغيب نوري الجراح كما تحضر وتغيب: عدماً ملوّناً تحت عنوان (هَيولي صامتة)، وعدماً فسيحاً يتعنون بالكلمتين في صيغة المبتدأ والخبر، في فرع أخير من فروع قصيدة (خطوات أوفيليا)، وصوتٌ ما يتهجّد: (لا أريد هذا الذي انشق عني وراح يتجول/أسود مرحاً/اخرجي لأهدأ، لأمكنه مني/أريده مرة أخري، وراء جمجمتي/في العدم الذي جبله). إنه صوت (الصبي) كما عنون المجموعة الأولي لنوري الجراح عام (1982)، بل هو الصوت الذي عنوان مجموعتي الشاعر التاليتين (مجاراة الصوت ــ 1988) و(نشيد صوت ــ 1990). أي إنه الصوت الذي شكّل الطفولة والصبا قبل أن يشكل الغربة ــ المنفي عقوداً تتري. ولأنه الآن، و/ أو لأنك الآن في مجموعة (حدائق هملت ــ 2002) فهذا هو الصوت يشكّل لندن منذ 1986، فيخاطب نفسه ــ يخاطبك: (أينما مضيت وراءك سياط الصحراء) وهذا هو الصوت في قصيدة (بالون أسود) يسائل زمن المنفي في تلك الجميلة الباردة القبيحة: (هل يكفي أسبوع لشخص مثلي/لعبور هذيان ما بعد الظهر واختبار مدينة/للالتفاف علي شوارع سيامية). والصوت يسأل أيضاً: لندن هذه أم مقبرة في البحر؟ والصوت يرسم من تلك المقبرة الجميلة القبيحة الباردة، أبطالَ العلمين ياقاتٍ مسرعةً إلي حفل راقص، والسكرتيرة الفاتنة تدفع في الأرجوحة رئيسها الجديد، والرئيس الجديد أوداجه حمراء كما لو كانت دم جميع الهنود. إنه الصوت ــ القصيدة التي ستتعنون بها مجموعة نوري الجراح (القصيدة والقصيدة في المرآة ــ 1995) والتي سيرسمها في واحدة من (مرثيات لاهية) في مجموعة (حدائق هملت): (بيضاء قصيدتي يا رب، كيدي محترقة وبيضاء). ها هنا، في (حدائق هملت) ستجدد القصيدة لعبها بالخيال الطريّ غالباً، وبالظلال الجديدة للكلمة غالباً، وبعلاقاتها الشفيفة المخاتلة غالباً، فتتشكل تحت عنوان (خطوات أوفيليا) في ثلاث كسرات، وتحت عنوان (مرثيات لاهية)، تتشكل في اثنتي عشرة كسرة، وتحت عنوان (تضاريس) تتشكل في إحدي عشرة كسرة. وستناجز القصيدة نفسها ــ ثمة من يقول بالميتا قصيدة كما يقول بالميتا رواية ــ تحت عنوان (آية سوداء): حتي لو كنت سأكتب هذه القصيدة لأنني سأكتب هذه القصيدة لأنني لن أستطيع إلا أن أكتب هذه القصيدة لأنها أنا المستعصي علي كما ستناجز القصيدة القصّ، والصوت يتقمص يوسف، فيصير يوسفَ المرأةِ التي هلكت في حفرة الضوء، ويصير يوسفَ القصيدة، ويوسفَ امرأةٍ أحبته وقتلته ودفنته تحت سلم غرفتها. وها هنا أيضاً، في قصيدة (آية سوداء) يصير الصوت يوسف الذي تركت المرأة أصابعها في حفيف قميصه، وسيروي بفم تحرر من الكلمات، ليكون صبح الضوء في جنازة من أحب، وسيري نفسه خارجاً من البيت: (وعائداً من حكاية الأخوة/لتكون لي/أنا، أيضاً/حكايتي). وفي قصيدة (ألواح أورفيوس) ستكون للقص ألواح/أيام الخلق الستة ــ لمن بقي اللوح/اليوم السابع ــ فيضحك للصوت في اليوم الأول مسمار صدئ وكيل ومطعوج، وسيبتاع في اليوم الثاني علبة كبريت، فيجد فيها ثلاثة مسامير، ومن يوم إلي يوم، هوذا الصوت مقيم في غرفةٍ ــ مكعبٍ أبيض في كأس، ولوحٍ خشبي عائم في نهر، وامرأة تخاطبه: أنت غيمة ضاحكة، وأنت نمر مفعم في يوم أصمّ. في لعب الصوت ــ القصيدة هذا يتحرك الزلزال في الفتنة، ويتطاول في أعالي الجدار، والملاك في الحديقة كسورٌ ضاحكة، والضوء نفحة باردة من هواء الأمس، والوردة بلا اسم، والساعات تراب ضاحك، والخطوات علي الظلمة قطرٌ ولفحٌ يشقق فضاءً واطئاً، والموت زنبقة تتلفت، وللمطر نفاح. وإذ تقرأ ــ تلعب مع الصوت ــ القصيدة، تري الشاعر في قصيدة (هيولي صامتة) أكثر من هيولي صامتة، وشخصاً ميتاً في قطار يتفكك، بل شخصاً يتجول في جمجمته، وستراه في المرثية الثالثة من قصيدة (مرثيات لاهية) فتات شخصٍ في تراب، لكأنه نغمة أو شخص يلهو في هاوية تلونه. وستراه في المرثية الخامسة من هذه القصيدة برهة البلور، وهاملت والحب، يترك لها ــ لمن؟ ــ التاريخ, ويتنزل كالسورة في الربيع. أما في أول مرثيات هذه القصيدة، فستري الشاعر ــ الصوت يتبرّح: (أنا يا رب فمي ممسوك بالصمغ/وكلمتي مرساة ثقيلة/من هنا، من هذه الأعماق/رأيت صرختي في فراش وجسدي في فراش/ولم أبرح مسحوراً, أطوف حيث هلكت/والأرجح، يا رب أن أظل هنا بين فلقتي النهار/لا سنبلة، لا ضوء حتي في سنبلة/ولا نصل لأري علي النصل مشحة دمي) . هذا الصوت الذي يأنس لصيغة (فاعِلٌ) فيقول: (حالق، بارق، ساقط الأرض، ساقط الخوف، خائنة الأعين..) سيبلغ منتهي لوعته وغربته ولعبه في قصيدة (أقنعة هاملت)، فيتساءل منكراً أن تكون ثمة مدينة باسم انكلترا ــ لندن، وينكر أن يكون وطأها، ويتساءل منكراً أن يقص ويقص ويقص عليك وعليهم ما يفيض عن وسع شخص واحد، وستري هيئته تتموج كلما تموجت الأرض، وستراه مرائياً يقف في ميل وكلامه في ميل، وحصة عائمة تحت الشمس، مجوفاً وسهل الاصطياد، فهل هو هو أم هو هاملت؟ ولماذا يريد أن يعرف من يكون لو لم يرد أن يكون؟ أما أنت، فلماذا لا تنادي الأوراق التي طيّرت منذ البداية، ونوري الجراح الذي نسيته منذ البداية، والكِسَر التي صيّرك إليها هو والأوراق منذ البداية؟ أم إن أوفيليا أخذتك، وصدقت أن الكتابة تصير قراءة، وأن القصيدة ــ كالشاعر ــ تصير أنت؟ AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1676 --- Date 4/12/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1676 --- التاريخ 2003 - 12 - 4 AZP09 AYMK NBSL |