|
|
طه عدنان: الشاشة عليك - نبيل سليمان (صباح الخير أيها العنكبوت) (صباح الموج أيها الأزرق الهادر العظيم) (صباح الخير يا زقزقة الكهرباء) (صباح الخير أيها الأخ الأكبر) يا عين النت التي لا تنام. صباح الخير يا قراصنة الضوء أهلاً وسهلاً" فهذا هو طه عدنان ببيجامته الزرقاء وبرائحة الفراش، سيجيئكم بقهوة الصباح وبثرثراته وفرشاة أسنانه ومرذاذه ضد ضيق التنفس، وبسيجارته الأولي، وبما تبقي من أحلام الأمس. وكما يجدر بأسرة افتراضية سعيدة، سيلقي عليكم تحيته ــ عنوان قصيدته (الشاشة عليكم)، أي بالعربي الفصيح: اللعنة عليكم، فدعوني ألاقيه بالنيابة عنكم وعنا: الشاشة عليك، أي بالعربي الفصيح: اللعنة عليك. اللعنة عليك لأنك رميتني بقصيدة فقصيدة منذ جمعتنا الشارقة قبل شهور، ومضيتَ إلي جيرانك الطيبين في (هوتمايل)، وأترابك الودودين في (ياهو)، وتلك العشيقة السرية ــ عشيقة من أيها الشاعر؟ ــ في (كارمايل). سأدعك مع الرفيقات اللواتي في عمر الزهور، تناضل إلي جانبهن بشراسة سبرينتية من أجل حماية الحقوق الثقافية للأسكيمو، وسأعود إلي قصائدك كلما حلا لي ــ أي: كلما ضاقت بي الدنيا أو همّ بي نسيانك ــ فنلعب ضد ومع الكومبيوتر والأنترنيت، بينما أنت ــ أي قصيدتك ــ تحشرج حشرجة الموت: (فلنواصلْ دردشتنا عن أفغانستان يا فواز..)/(وأنت يا رستم/هل وجدتم حلاّ لمشكلة الكهرباء في أربيلْ؟)/(اصمتْ أيها الخارج المقرف/أيها الهواء البليد خارج الشاشة الذكية، إليك عني)/(اصمتْ أيها الخارج الكئيب/ بسببك هرمت وبالكاد دقت من عمري الثلاثون). إلي اللعب يا طه عدنان، سأدعو وقصيدتك (الشاشة عليكم) وقصيدتك (مرثية إلي أمادوديالو) وقصيدتك (I Love You) ومسودتك الأولي لـ (القصيدة الكونية) وقصيدتك التي كتبتها وتعمدت ألا تُقرئني إياها، وقصيدتك التي ستكتبها بعد تحرير العراق وفلسطين، سندعو إلي اللعب صديقات وأصدقاء يشكون مثل كائنك الشعري عبء ثلاثين ــ وربما عشرين أو خمسين أو.. ــ عاماً من الخوف من الامتحان، ومن الشعارات الثورية ــ اليمينية واليسارية وما بين بين ــ والمسلسلات العاطفية. بيد أننا سنهزأ من ولغ العولمة وما أدراك في الشعر ــ كما في الروح وفي الجسد ــ ونحن نردد هتفة كائنك الشعري: (لا حياة خارجكِ، فضميني إلي ذبذباتكِ/أيتها الإلكترونيات الرحيمة)/(سأحمل روحي علي فأرتي/ وألقي بها في مهاوي الكوكيز) وإذ أخلو إلي نفسي، وأري كائنك الحداثي وما بعد الحداثي في جواز سفره وأسراره و..، يطوف حراً تماماً علي سحابة من نور، ليفرفش إلكترونياً، ويعشق إلكترونياً، ويتضامن مع الانتفاضة إلكترونياً، ويتظاهر من أجل العراق وأفغانستان إلكترونياً.. حينئذٍ سأمتشق قلمي وأوراقي، لأكتب ما عزمتُ علي أن أكتبه منذ جمعتنا الشارقة قبل شهور. وقد أبدأ بأن طه عدنان مراكشي ولد عام 1970، وساهم في إصدار مجلة (أصوات معاصرة) الأدبية عام 1992، ومع الشعراء سعد سرحان وياسين عدنان (شقيق المترجَم له) ورشيد نيني، عمل علي إطلاق نشرة (الفارة الشعرية) عام 1994، وفي بروكسل عمل علي تأسيس (حلقة عكاظ للشعر) عام 1997. ولأزيدك غيظاً سأكتب أن طه عدنان يحمل إجازة في الاقتصاد، وأخري في تسيير الموارد البشرية، أي إنه لم يدرس الأدب، ومع ذلك يكتب الشعر، وأي شعر!. نكايةً بإدوار الخراط، سأقول: شعر عدنان طه هو حساسية جديدة، أعني ما بعد الحساسية الجديدة التي صدعنا بها عمّ إدوار. لكن التعميم لغة الحمقي، لذلك سأقول: شعر طه عدنان لا يتزيّا بالكومبيوتر والأنترنيت والعولمة، بل يكوْنها فتكوْنه. وسأقرأ للمرة الثامنة أو للمرة الثامنة والثمانين قصيدة (I Love you) كي أري هذا الشاب المهاجر إلي الشمال ــ هل هو طه عدنان؟ ــ الذي يقع في أسر عنكبوت إلكتروني، ويقلد الشيطان في تسريحة شعره، ويجاهر بقرفه من السود والهيسبانيك، ويخلد للراحة الأيديولوجية، ويكتب غرائزه القومية, ليتأكد الجميع من أن ليس في نيته ما قد ينوي البعض أنه نوي في حديثه، فيتهم بمعاداة السامية.. وسأهمس لهذا المهاجر بما همست به القصيدة أخيراً، أن كل ما تقدم: (ليس يعني سوي أنك/أصبحت عنصراً صالحاً للاندماج السريع/في قبيلة العولمة). ونكايةً بأدونيس وكل من كتبت قصائدهم نيويورك، سأقرأ للمرة التاسعة أو التاسعة والتسعين قصيدة (مرثية إلي أمادوديالو) كي أري هذا الشاب الغيني يرديه رصاص أربعة من رجال الأمن أمام منزله في حي البرونكس في نيويورك، فتندلع مظاهرات السود الأمريكيين ثلاثة أسابيع، والقصيدة ترحب بالقتيل ــ الشهيد في نيويورك حيث موقف المشائين، والمتاهة العصماء، وحيث يستغيث الدم بالدم: (أخي في السمرة/يا سليل إفريقيا الشهيدة/ها مواطنوك البيض الرائقون/يعلمونني بدل البرمجة/ السباحة في الدم الخاثر) إنه الشعر، وإنها نيويورك: (حيث الحرية تنام/واقفة علي شكل تمثال)/(أما أنت أيها الشعب الأبيض السعيد/أيها الشعب المرابط خلف التمثال)/(اخترْ ما بين تل أبيب وأورشليم/اخترْ ما بين أمريكا وأمريكا) أما نكاية بنفسي، فسأرميها مرة بعد مرة بهذا الذي يهيئ نفسه لفصل الكتابة، كممثل لم يختر دوره، يعفو عن لحيته وأفكاره، ويترك شعره منكوشاً كقصيدة نثر، يلوب علي طفولته، ويرسم مشهدياته، يكسر جرة الأسرار، وبحكمة سلحفاة يمضي صوب ما لا يعنيه، وبمزاج حائك أعمي يرتق مزق الكلمات: إنه الشاعر الكوني الذي يقرأ قصائد أصدقائه: من قضي بالغاز مخنوقاً ومن لا يزال يصارع آلام السجن، ومن أنقذها من الموت بريد لاحق، و.. وهو ــ الشاعر الكوني ــ لا يعنيه بروتون رغم حبسته الحمقاء في مصحة العقلاء، ولا مصير إليوت في أرضه اليباب، ولا أولاء الذين يكتب واحدهم قصيدة، فيشبعها الآخرون تربيتاً. وها هو يتوقف عن الكتابة مرغماً، ليمضي إلي غسل الأواني في وقت متأخر من الليل، أو ليفسد ما سيعمد رفيقه في الشقة إلي ترتيبه فيما بعد، أو ليزعج الجار الصيني بالموسيقي العربية، أو ليختلس النظر إلي ساقي ماريا الثوريتين فيما هي تتحدث عن قضايا الماركسية في العالم، بينما الخوف من الإفلاس يدنو من الشاعر المهاجر كخروف نطاح. أيها الشاعر: الشاشة عليك. soleman@scs-net.org AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1667 --- Date 20/11/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1667 --- التاريخ 2003 - 11 - 20 AZP09 AYMK NBSL |