قاصًة اسمها: رباب هلال - نبيل سليمان
هذه امرأة لها قرطان من نخيل أهداهما لها بدر شاكر السياب ذات ليلة مقمرة.
بل هذه امرأة ذات سوارين: واحد هو هدية أمل دنقل لها، والآخر هدية ناجي العلي.
بل هذه امرأة تتغاوي بخاتم أهداه لها بابلو نيرودا.
القرطان من سحر، أحسبهما. والسواران من سحر، أحسبهما، والخاتم من سحر أيضاً، أحسبه.
لكي ينفكّ السحر، لابد من سره، ومن سره ما في قصة رباب هلال (لقاء)، فمن يقرأ ــ يكشف؟ ومن تقرأ ــ تكشف؟
وفي قصة (لقاء) أيضاً ــ تكتب رباب هلال ــ هوذا الوقت (محشور في قنابل مخبأة في أماكن زئبقية من شراييني)، وترمي الكاتبة من يقرأ / تقرأ بـ (حبات الانتظار المتسربة في خلاياي).
ولأن الزمن سحر، تكتب رباب هلال في قصة (أجراس الوقت) (الوقت يقرضني)، وتخاطب المرأة التي من قصة, ذلك الرجل الذي من قصة، في القصة نفسها (دثرني بليل فضي)، وتخاطبه: (هنا، الوقت سيدك، لكنه سيد الأنوثة مرتين).
ولأن الأنوثة سحر أيضاً ــ مثل الحب ومثل الحلم ومثل الزمن ــ فها هي تلك المرأة وذلك الرجل يمشيان (مسربلين بحلم صغير خرج للتو يتهادي بين قشرتي بيته العتيق). غير أن المدينة للسحر بالمرصاد, وللمرأة إذن أن تجأر: (ما لهذه المدينة تكره ضوء القمر؟). وللمرأة أيضاً أن تلوب (أنا القطيع المحاصر بالذئاب. هذا ما علقوه قرطاً في أذني).
ماذا حلّ إذن بهدية ابن جيكور؟
فلندعْه في قلق عليها، مثل قلق ناجي العلي ونيرودا علي هديتهما، فتلك القصص لرباب هلال، وما ضمت أيضاً مجموعتها (أجراس الوقت ــ 2000)، تتقاذفنا، والزمن يتحقّب في الأحوال (ذات ضيق ــ ذات بحث وضياع وبوح وأنين ــ ذات ألم..) وما تبقي منه (ذات يوم ــ ذات ليلة عاتمة..) يرمي فتاة وأمها وجدتها في قصة (يوميات الانتظار) بنقار التفاصيل ونكهة اليومي وسحر الحمّام أو المزار ــ يا للسحر ــ وإذا بالفتاة/الساردة تغدو تلك التي تشع ملء الهودج والقصر وشهوة الأخيلة. وكما تتعدد/تنفصم/تتشظي هذه الفتاة، سيأتي ذلك الرجل في القصة التي حملت عنوانها مجموعة رباب هلال (ترانيم بلا إيقاع ــ 1995) مشبوحاً بين من آل إليه ومن كان الفنان فيه. وفي مفتتح مجموعتها الأولي (دوائر الماء والأسماء ــ 1992) سيأتي ذلك الرجل الذي يروي قصة (سفر التكوين) بجسد من ركام واهن، والعالم حوله مقبرة، ليصوغ خلقاً جديداً منه، أي من الحكاية، فيقول (في البدء كان الماء، ثم البر، وهوام، وحشرات، وحيوانات بقوائم عدة، وبقائمتين، وبأسماء كثيرة توالدت وتناسلت كل هذه الدهور كي أجيء أنا. آدم وحواء كانا لآتي.. وتصير حكاية).
من قصة إلي قصة، ومن مجموعة إلي مجموعة, بات لرباب هلال أن تقدم شهادتها في مؤتمر المرأة العربية والإبداع (القاهرة ــ 2003) تحت عنوان (المرأة مكتوبة.. المرأة كاتبة: من الكتابة الأنثوية إلي الكتابة النسوية)، فتحدثنا عن أول قصة كتبتها وهي في الرابعة عشرة، أو تحدثنا عن جدتها ــ فلنقرأْ من المجموعة الأولي قصة (الهاتف) ــ الأمية العمياء التي طالما قتلت وحدتها وعتمتها: (صرتُ وريثتها. فما الذي وددتُ وأود قتله بالحكاية، وبالقصة القصيرة تحديداً؟).
مثل القصص، تفتق الشهادة في السؤال الذي توقّع له هذه العبارة (ثمة خطأ ما)، وإذا بالسؤال يتشظي كالإيقاع، والكاتبة تحسب الكتابة شكلاً من أشكال تأكيد الذات الاجتماعية (بحثاً عن الاختلاف عمن حولي إناثاً وذكوراً (...) وكيف لهذا أن يكون لي، وأنا أنثي، محاصرة في ضيعة تكاد تكون معزولة؟ ثم كيف لي أن أؤكد تلك الذات الأدبية وأمامي كل ما أنجزه كتاب القصة العظام؟)
في غرفتها التي يستحيل إغلاق بابها وسط العائلة و(اكتظاظ المطبخ الفظيع) كتبت رباب هلال مجموعتها الثانية. إنها الغرفة التي تركتها الأخوات وذهبن مع نصيبهن، فيما لبثت هي، والقلم يمر علي أضلاع مثلث ناعمة وزوايا حادة ثلاث: غرفة مغلقة، قرية مغلقة، أنوثة: إلي دمشق إذن.
هذه الكاتبة التي كتبت (أتمسك بأنوثتي.. بتاءاتي المربوطة والمبسوطة). ستشهد أيضاً باسم جيل بأكمله، إذ تسأل: (فأي إرباك وأية زعزعة تكتنف أرواحنا وأقلامنا، نحن الجيل المفروز من التيه، جيل اللا حلم، جيل ما بعد المحكومين بالأمل! جيل يكاد ينخلع من اللب, وربما من الإطار أيضاً، منعزل وأعزل، بعد أن طال الغبش كل حامل اجتماعي وسياسي وثقافي!)
هذه الكاتبة التي استلّت شعاراً من رسالة هنرييت ستاو إلي زوجها: (شيء ما لابد من توفره، يجب امتلاكه، إذا أردت الكتابة.. غرفة لي وحدي)، هذه الكاتبة باتت تقرأ ذاتها في المدينة، تصمّ عمن يستحثها إلي الموضة: كتابة رواية، وتخلص للقصة القصيرة "تلك المنفردة المنعزلة. إنها تشبهني.
وإذ تتأمل رباب هلال ما تعده بالمرحلة الانتقالية لها ولسواها من الكاتبات، تجدها (انتقالاً من المرأة مكتوبة إلي المرأة كاتبة، من كتابة أنثوية حدودها الجسد الأنثوي، إلي كتابة نسوية حدودها العالم مرئياً بعين المرأة، ويصير الانتقال من كتابة متحررة إلي كتابة حرة). ولإضاءة ذلك تقول: (الرجل، مطلق رجل، ليس عدوي، والرجل، أي رجل، ليس محرري أبداً، كلانا مستعبد ينشد التحرر. وحدها الكتابة تحررني).
فلنعد إلي المرأة التي تفتتُ نبضها في العيون الظمأي حولها، وتشظي الشهوة في عيونهم (قصة: ذاكرة المرايا)، أو إلي الأرشيف الذي تحكي فيه اللوحة والغرفة وبصمة الحياة (البلوغ) حكاياتها مع تلك المرأة في قصة (الثآليل)، أو لنعد إلي تلك المرأة التي تنده وقد ضاعت البوصلة (أيّ هروب أرتجي وبأيّ ملاذ أحتمي؟) في قصة (أوان الرحيل)..

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1661 --- Date 13/11/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1661 --- التاريخ 2003 - 11 -13

AZP09
AYMK
NBSL