|
|
نجومية الثقافة والسياسة - نبيل سليمان حين رأيته يصافح المحكمين المحتشدين في الصف الأول قبل أن يبدأ الحفل، غمرتني ذكري تلك الأيام التي أمضيناها في بيت والدتي في جبلة، منذ أكثر من ربع قرن. ربما نسي نداء والدتي له: (صنعو). لكن النداء الممازح الحنون ترجّع في أعماقي وأنا أراه يصافح فاروق حسني وجابر عصفور ويستلم الجائزة، والأكف تلتهب. ولأني عهدته طويلاً، وقبل أن تتناءي لقاءاتنا، مجافياً للمنابر، أشفقت عليه وهو يتقدم إلي المنبر ليلقي كلمة الفائز بالجائزة. فلما امتشق ورقته، ومازح براعة جابر عصفور في الارتجال أو عرّض بها، وشرع يخطب فينا، ترجعتْ في أعماقي أصداء من اليفاعة، حين كانت خطبة نجم سياسي أو وقصيدة شاعر فحل، تطيشنا. ومثل من حولي، التهبت كفاي وهو يدين استخذاء أنظمتنا أمام عربدة شارون وبوش في فلسطين والعراق، وبين ظهرانينا كما في أرجاء العالم، ثم كانت مفاجأته: رفض الجائزة، وبلغ العرض المسرحي المثير ذروته. كل ما استطعت قوله تلك الليلة أن ما قام به صنع الله إبراهيم هو (صفعة، أفكر فيما إن كانت ضرورية أم لا، وفيما إن كانت مفيدة أم لا). أما الآن، فبوسعي أن أضيف أننا جميعاً، كتّاباً وقراء، شعوباً وأنظمة، بحاجة هائلة لموالاة الصفع علي الدماغ، ما دام الصفع علي القفا لم يجد. والآن، وما دامت صفعة صنع الله إبراهيم سياسية في جوهرها، وثقافية في عرضها، فللأسئلة أن تدوّم، وأولها عما جعل صنع الله إبراهيم يختار ذلك العرض المسرحي المثير. لماذا لم يرفض الجائزة حين تبلّغ قرار لجنة التحكيم، بصمته وترفّعه المعهودين؟ ألأنه خشي أن تتكرر مخادعته، ويُنكَر فوزه، و / أو تمضي الجائزة إلي سواه، وبخاصة أن المحكمين كانوا حياري فيمن يختارون من الخمسة الأكفاء؟ ألم يكن الأجدي سياسياً وثقافياً لو أن الفائز عقد مؤتمراً صحفياً ـ مثلاً ـ غداة تبلّغه بفوزه، مطمئناً إلي أن أحداً لن ينكر الفوز، ما دام قرار لجنة التحكيم يحمل تسعة تواقيع؟ هل ردّ الخديعة الأولي بخديعة أكبر؟ ولكن أليس ذلك من حقه، ما دام غرضه أن يرمي حجراً مدوياً في البركة النتنة التي لم تحركها قنابل بوش وشارون، ولا استخذاء أنظمتنا المريع؟ بالطبع، سينبري بعضهم وبعضهن ليحشر مثل هذه الأسئلة في محشر الهياج والعصبوية. لكني أتطلع إلي ما أحسبه الأهم، وأنا المعقد من نرجسية المثقف وزلقه، ابتداءً بنفسي، كيلا أزاود علي أحد. فالحسابات الشخصية ـ إن وجدت ـ في الحياة الثقافية المصرية وغير المصرية، لا تعنيني إلا بقدر ما تنعكس سلباً علي الشأن العام. وصنع الله إبراهيم كاتب أعتزّ بما أبدع، وجابر عصفور كاتب أعتزّ بما يكتب، وأعتزّ بدوره في الحياة الثقافية العربية. والمجلس الأعلي للثقافة في مصر, مؤسسة أعتزّ بأدائها، منذ تولي أمانتها العامة جابر عصفور. وهنا يمضي القول إلي القديم الجديد من مأزق المثقف العربي غير المتحزب أو السلطاني، المثقف المستقل والنقدي الذي عاني من السياسي العربي الحاكم والمعارض. ففي هذا المأزق، بالكاد يتلامح فعل ثقافي للمجتمع المدني، فيما يكاد أن يكون هذا الفعل موقوفاً علي الدولة. وفي تلك المساحة الضيقة بين المؤسسة والمثقف المارق عليها، يقوم تواطؤ ما، أو هدنة طويلة ما، تتغالب فيها حاجات الطرفين. وهذه هي روايات صنع الله إبراهيم نفسه، تصدر في طبعة أو أكثر، من اتحاد الكتاب العرب في دمشق إلي سواه في القاهرة. وها هو صنع الله إبراهيم نفسه يقبل جائزة سلطان العويس، ويقبل منحة التفرغ الأمريكية، ويقبل المشاركة في مهرجان أو ندوة، من الجنادرية إلي باريس، ليبقي السؤال هذه المرة، وبعد أن تهدأ زوبعة جائزة القاهرة للإبداع الروائي، عن المستفيد: أهو الكاتب نفسه؟ أهو المؤسسة؟ أهي الأنظمة الفاسدة المفسدة؟ باختيار المجلس الأعلي للثقافة للمحكمين في دورتي جائزة القاهرة للإبداع الروائي، وباختيار عبد الرحمن منيف فائزاً بالجائزة في دورتها الأولي، وصنع الله إبراهيم فائزاً بالجائزة في دورتها الثانية، وبأعمال دورتي ملتقي الرواية في القاهرة؛ تأكدت مصداقية الجائزة وأهمية المؤتمر. وفي قراءتي أن العرض المسرحي المثير لصنع الله إبراهيم قد ضاعف هذه المصداقية وتلك الأهمية، علي العكس مما يذهب إليه و/أو يتمناه آخرون من تهشيم العرض للجائزة وللمؤتمر. فصنع الله إبراهيم، حين عدّد أكثر من عشرة روائيين من الراحلين والأحياء ممن رآهم أولي منه بالجائزة، أضاف إلي فضيلة التواضع، تثمينه للجائزة, وهو الذي لم يظهر إلا في الحفل الختامي للمؤتمر، ليتوّج مقاطعته لمؤتمر الثقافة العربية في القاهرة قبل شهور، ومؤتمر الرواية العربية في التسعينيات في الرباط قبل أسابيع حيث لم تجد المقاطعة غير التشويش واللغط. فهل يؤشر ذلك إلي عزم الكاتب علي لعب دور سياسي، وهو الذي تصخب وتضيق بالسياسي رواياته بعامة، والأخيرة منها بخاصة؟ وماذا في ذلك كله من لعب النجومية بالثقافة والسياسة معاً؟. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1654 --- Date 5/11/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1654 --- التاريخ 2003 - 11 -5 AZP09 AYMK NBSL |