|
|
مقالات - الانتفاضــة الثالثة - متي يدخل العرب التاريخ من جديد؟ - حسن حنفي إذا كانت الانتفاضة الأولي هي انتفاضة الحجارة، والانتفاضة الثانية هي انتفاضة الأقصي وكلاهما في فلسطين فإن الانتفاضة الثالثة قد تكون هي انتفاضة العرب دفاعا عن الكرامة ورد فعل علي العجز. وقد تكون الانتفاضة الرابعة انتفاضة المسلمين في آسيا خاصة إذا ما حدث مكروه للمسجد الأقصي وهدده الكيان الصهيوني عن قصد أو غير قصد لإعادة بناء الهيكل كي تصبح القدس العاصمة الأبدية لإسرائيل. وتقع الانتفاضة الثالثة، انتفاضة العرب بعد أن وصل العجز العربي إلي مداه، وتحول إلي إحساس بالإحباط وامتهان للكرامة. وأصيبت النفس بالغثيان كما وصف الوجوديون، ودخل الموت إلي النفس فأصبحت كسيرة حزينة كما وصف السيد المسيح. فقد تركت الانتفاضة الأولي بمفردها علي الرغم من إعجاب العالم بها وبأطفال الحجارة. وأصبحت الدولة الفلسطينية (علي مرمي حجر). وعادت سيرة غاندي العرب، سياسة اللاعنف، تفتت معنويات الجندي الإسرائيلي المدجج بالسلاح وهو يقاتل طفلا بريئا ليس في يده إلا حجارة. ويقف أمام الدبابات يرشقها، والعربات المصفحة يواجهها. وحصل بعدها الفلسطينيون علي السلطة الوطنية الفلسطينية، نواة الدولة الفلسطينية المستقلة. وتحولت انتفاضة الحجارة الأولي إلي انتفاضة السلاح الثانية تحولا طبيعيا من الداخل بعد أن غاب العرب عن أن يكونوا رصيدا فعليا للانتفاضة الأولي. ووقف المناضلون الفلسطينيون بما لديهم من سلاح يدوي خفيف في مواجهة المجنزارات والآليات علي الأرض والطائرات الأباتشي وإف 16 في الجو، وهم لا يملكون صواريخ ضد الدروع ولا ضد الطائرات. وسجلوا ملحمة المخيمات والتي أصبح مخيم جنين رمزا لها. وغاب الرصيد العربي للمرة الثانية في انتفاضة السلاح. وبدأ العدوان المحدود يصبح عدوانا شاملا، من العدوان علي أفغانستان واحتلالها، ثم العدوان علي العراق واحتلالها، ثم العدوان علي سوريا ربما قبل احتلالها. قامت بالعدوانين الأولين الولايات المتحدة الأمريكية وقام بالعدوان الثالث علي سوريا الكيان الصهيوني كي يتم حصار سوريا من الشرق، من العراق، ومن الغرب، إسرائيل. والتهديد مستمر لإخراج إسرائيل من مأزقها الداخلي مع المقاومة في فلسطين ولإخراج أمريكا من مأزقها الداخلي أيضا في العراق. فتوحد الموقف بين أمريكا وإسرائيل. ولم يجدا الحل إلا في (الهروب إلي الأمام) وبزيادة المشكلة تعقيدا، وحتي ينسي العرب الشر الأقل وهم موحلون فيه أمام الشر الأعظم وهم غارقون فيه. كسب سريع والتحرش بإيران ما زال مستمرا، والتفتيش علي نشاطها النووي ما زال مطلبا. وتستطيع أمريكا الاعتماد في ذلك علي قوة إسرائيل في المنطقة كما فعلت في ضرب المفاعل النووي العراقي في 1984 وصواريخ البقاع بعد ذلك. والحشود علي لبنان مستمرة بدعوي قتل جندي إسرائيلي. والخطة إشعال المنطقة وللتغطية علي المقاومة في العراق والمقاومة في فلسطين، والحصول علي كسب سريع خاطف لرفع معنويات الجيش الأمريكي والجيش الإسرائيلي. وقد يحدث ذلك قبل نهاية العام الحالي قريبا من تشرين الأول (أكتوبر) وحتي يمحي من ذهن العرب نصر تشرين الأول (أكتوبر) 1973. فإذا ظلت الأنظمة العربية في عجزها وسكونها وحيادها. لا تفعل أكثر من استجداء الأمم المتحدة ومجلس الأمن لاستصدار قرارات لإدانة العدوان تصطدم بالفيتو الأمريكي، وظلت الجماهير العربية تتحرك بحساب، تحاصرها أجهزة الأمن وقوات الجيش حتي لا تخرج من الجامعات ومقار الاتحادات والنقابات والأحزاب والمنظمات غير الأهلية فإن قوة الضغط علي الأنظمة ومحاصرتها بين المطرقة والسندان، المطرقة الأمريكية الصهيونية وسندان الشعوب وتحركات الشارع تدفع إلي الحركة بطبائع الأشياء، ويتحرك الساكن. ويسقط من يسقط، ويرتفع من يرتفع. لقد قربت نهاية القاع علي الظهور، ووصل الشعب العربي إلي عتبة التحمل قبل أن يحدث الانفجار. فالقدر يغلي. والمياه الجوفية عارمة. ولم تظهر قمة جبل الجليد بعد. والحطب جاف ينتظر الشرارة. وهو العرض التاريخي. قد لا يكون غلاء الأسعار هذه المرة كما حدث في انتفاضة كانو الثاني (يناير) 1977 أو في انتفاضة الخبز في المغرب وتونس في الثمانينات أو في الأردن في التسعينيات بل قد يكون هذه المرة العدوان علي سوريا أو علي لبنان أو علي إيران أو حتي علي مصر خاصة وأن الكيان الصهيوني يريد تحويل انتصار تشرين الاول (أكتوبر) 1973 إلي هزيمة بعد ثلاثين عاما. وتزداد الاتهامات الإسرائيلية لمصر وسوريا بأنهما تنويان شن حرب جديدة علي إسرائيل مما يعطيها ذريعة لشن حرب وقائية علي سوريا ومصر. العرض التاريخي هذه المرة لن يكون الخبز بل الحرية، وليست الأسعار بل الكرامة، وليست الدنيا بل الآخرة. والغرض من ذلك كله كسر شوكة العرب بدعوي عدم الانصياع الكامل للمشروع الأمريكي الجديد للاستيلاء علي العالم كله، والتخلص من الإسلام المجاهد المقاوم بدعوي الإرهاب. ويتحقق الحلم الأمريكي الجديد في الاستقرار في آسيا علي مقربة من الصين وروسيا لإجهاض الثورة الصناعية في شرق آسيا في كوريا وهونغ كونغ والصين واليابان وكوريا الجنوبية، وفي جنوب شرق آسيا في ماليزيا وأندونيسيا، والقضاء علي بؤرة الثورة الإسلامية في إيران، وعلي الجماهير الإسلامية في باكستان وعلي التجربة الديمقراطية الإسلامية في تركيا، وبناء قواعد عسكرية دائمة في العراق والخليج وقازاقستان في أواسط آسيا. وفي الوقت نفسه يتحقق حلم خلق إسرائيل الكبري، من النيلويطالب اليهود العرب الذين هاجروا إلي إسرائيل بممتلكاتهم في أوطانهم، وهو ما تنكره إسرائيل علي اللاجئين الفلسطينيين برفضها حق العودة لهم من المخيمات في جنوب لبنان والأردن وسوريا ومصر وبلاد المهجر وأرض الشتات. مركز تحديث للمنطقة وكل ذلك يهدف في النهاية إلي حصار مصر وتقزيمها وتحويلها إلي دويلة عربية، تقوم إسرائيل مقامها كمركز تحديث للمنطقة، وتستثمر أموال النفط فيها، وتمد أنابيب النفط إليها. وتتحول المنطقة العربية كلها إلي منطقة خدمات لأمريكا وإسرائيل، أسواق وطاقة وعمالة رخيصة. فإذا كانت أمريكا وإسرائيل الآن تخططان لوثبة إلي الأمام فإن العرب يحنون إلي الماضي، ويقومون بوثبة إلي الخلف هروبا من الحاضر ورغبة في الحصول علي انتصار حتي ولو كان بالذاكرة. إذ يحن الإسلامي إلي عصر النبوة والخلافة الراشدة عندما كانت جيوش المسلمين فاتحة لفارس والروم، ولأواسط آسيا وشمال أفريقيا حتي الأندلس. إذ لا يصلح هذه الأمة إلا ما صلح به أولها. ويستدعي أبا عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، والزبير بن العوام، وطارق بن زياد وصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس. وينزل تحت الأرض مؤقتا انتظارا لليوم الموعود أو يهاجر في سبيل الله ليستشهد في أفغانستان أو الشيشان أو كشمير أو العراق أو فلسطين أو كوسوفو، فكل بلاد الله أوطان. ويحن القومي إلي الخمسينيات والستينيات إلي عصر حركات التحرر الوطني، (علي الاستعمار أن يحمل عصاه ويرحل)، الاستعمار البريطاني. (وإن لم تشأ أمريكا أن تشرب من البحر الأبيض فعليها أن تشرب من البحر الأحمر)، ومقاومة بورسعيد عدوان 1956، وحرب الاستنزاف 68 ــ 1969، وحرب تشرين الاول (أكتوبر) 1973 التي لم تكن آخر الحروب بعد غزو لبنان وضرب المفاعل النووي العراقي، واغتيال أبي جهاد في تونس وإعادة احتلال أراضي الضفة الغربية ثم العدوان علي سوريا. والليبرالي يحن إلي مصر قبل 1952 حيث كانت حرية الصحافة، والتعددية الحزبية، والانتخابات البرلمانية، والوزارة المسؤولة أمام البرلمان. كان الفرد حرا علي الرغم من اضطهاد الإخوان والشيوعيين وفساد الأحزاب وتبعية بعضها للقصر والإنكليز. وكانت جامعاتها وكتابها وفنانوها وشعراؤها ملء السمع والبصر، وفي الأربعينيات ازدهرت الحركة الوطنية التي تكون فيها الضباط الأحرار والتي استأنفت ثورة 1919 لتحقيق الاستقلال الوطني. والماركسي يحن إلي ثورة 1917 التي أسقطت القيصر وقضت علي نظام الإقطاع، وحققت أول تجربة اشتراكية في التاريخ. قاومت العدوان النازي في الخارج، وحققت الاشتراكية في الداخل، ووقف الاتحاد السوفييتي متحديا الاستعمار الغربي في عصر الاستقطاب يساعد شعوب العالم الثالث علي التحرر والتنمية. والآن، متي يغضب العرب؟ متي تحدث الانتفاضة الثالثة، انتفاضة العرب؟ متي لا يثب العرب إلي الخلف كما يفعلون الآن أو إلي الأمام كما تفعل أمريكا وإسرائيل بل يثبتون في الحاضر، ويرفعون الهامة (منتصب القامة أمشي، مرفوع الهامة أمشي، وفي كفي نعشي)؟ متي يدخل العرب التاريخ من جديد ولا يظلون علي هامشه، ويأخذون زمام المبادرة ويؤثرون في مجري الحوادث؟ ربما يتكون جيل جديد من الضباط الأحرار حرّكتهم هزيمة الإرادة العربية وعجزها أمام أمريكا وإسرائيل وضرب سوريا وربما لبنان كما حركت الجيل الأول من الضباط الأحرار هزيمة فلسطين. فالجيوش العربية جيوش وطنية حاربت في فلسطين خمس مرات علي الأقل، وتعرف من عدوها ومن أين يأتي الخطر، الشام لقطع المشرق العربي عن مغربه. تحريك الشارع العربي وربما تستطيع النقابات والاتحادات والمنظمات غير الحكومية وأحزاب المعارضة الشرعية منها وغير الشرعية، إسلامية وماركسية تحريك الشارع العربي، ونزول الملايين إلي الشوارع مثل مظاهرات 1968 ضد الهزيمة، ومظاهرات 1972 لنفاذ الصبر علي المعركة، وهبّة كانون الثاني (يناير) 1977 ضد غلاء الأسعار، والأمن المركزي في 1986، والآن أسبوعيا ضد العدوان علي فلسطين وأخيرا سوريا. وربما يحدث كلاهما، الضباط الأحرار مع المفكرين الأحرار، الجيش والشعب، بعد الوصول إلي نهاية القاع، وتفجر الغضب، وبلوغ السيل الزبي حتي ترتفع الهامة من جديد، وتنتصب القامة خارج أكوام الرمال. إن الوطن العربي الآن أصبح مخصبا، والأمة العربية حبلي. وتنتظر المولود الجديد، في ستة أشهر أو في تسعة، ولادة طبيعية أم بعملية قيصرية، طفلا صحيحا أو مشوها. المياه الجوفية قاربت علي أن تتفجر في ينابيع عدة. وحتي (جحا) لم يعد قادرا علي حكاية نوادره بعد أن أدار ظهره للجميع. ولم يعد الشعب العربي يبدع (النكات) حول حكامه فلم يعد أحد منهم يثير خياله. قد يكون هو الهدوء الذي يسبق العاصفة. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1637 --- Date 16-17/10/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1637 --- التاريخ 2003 - 10 -17/16 AZP07 HSHN |