مقالات - لماذا تأخرت قضية الحريـة؟ - لننزع جذور التسلط والقهر وثقافة السلطان من الوجدان العربي - حسن حنفي
اتضح في الآونة الاخيرة أن قضية حرية الفرد وديمقراطية الحكم هي القضية المحورية الآن التي تناضل من أجلها الشعوب. وربما كان سبب عديد من أحزان العرب هو أنهم يعانون جميعا من أزمة الحرية والديمقراطية في حياتهم الاجتماعية والسياسية. بل لقد احتلت العراق ومن قبلها أفغانستان بذريعة القضاء علي مجتمعات القهر والتخلف والإرهاب وحكم الفرد الواحد أو الجماعة أو الطائفة أو العشيرة.
وانزوت أنظمة الحكم وهي محاصرة بين المطرقة والسندان، مطرقة الولايات المتحدة التي تهدد بتكرار النموذج العراقي الأفغانستاني في سوريا ولبنان وإيران وليبيا واليمن والسودان من أجل حصار مصر وتهميشها وقص أجنحة الشقيقة الكبري التي تركت باقي الأشقة تقع واحدة تلو الأخري في فم الثعبان الأعظم، وسندان الشعوب الغاضبة المجروحة الكرامة، والمحبطة العزيمة، وبركان الغضب علي الأبواب. فهي مضطرة لأن تعطي هامشا أكبر من الحريات للشعوب وفي الوقت نفسه قد تكون هي الضحية لما أعطته بيدها.
لقد كانت حرية الفرد وديمقراطية الحكم أحد مطالب المعارضة السياسية الوطنية منذ إنشاء الدول الوطنية. وأصبحت هي أيضا في مأزق. فإذا استمرت في النضال من أجل هذا الهدف قد تتهم بأنها تعمل في إطار البرنامج الأمريكي لتحديث أنظمة الحكم في الوطن العربي والعالم الإسلامي. فتوقف النضال في الداخل مؤقتا بعد أن اختلطت الأوراق. وأصبح البند الأول في برامج المعارضة طرد المحتل الأجنبي من العراق وأفغانستان وفلسطين، وتم تأجيل قضية الحرية والديمقراطية من جديد إلي ما بعد الاستقلال كما كان الحال في الخمسينيات والستينيات.

قضية الحرية والديمقراطية
لقد تم تأجيلها مرتين. الأولي في مرحلة مقاومة الاستعمار. فقد أجل المواطن العربي قضيته مع النظام في الداخل حتي يجند نفسه لمقاومة الاستعمار في الخارج. لذلك وضع الأفغاني شعار (الإسلام في مواجهة الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل)، معطيا الأولوية للخارج علي الداخل، وطبقا للمثل الشعبي (أنا واخويا علي ابن عمي وأنا وابن عمي علي الغريب). فالمعركة الكبري كانت مع الاحتلال من أجل نيل الاستقلال. وهو الشعار نفسه الذي رفعه عبد الناصر: (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة). وهو توجه قرآني صريح (أشداء علي الكفار، رحماء بينهم). ويتكرر الأمر بعدة بصيغ مثل: الأولوية للتناقض الرئيس علي التناقض الثانوي. وقد خرج الشيوعيون والأخوان أثناء العدوان الثلاثي علي مصر في تشرين الأول (أكتوبر) 1956 من السجون وسلّحهم عبد الناصر دفاعا عن بورسعيد. وبعد انسحاب العدوان في كانون الأول (ديسمبر) دخلوا السجون ثانية. تكاتف الحكم والمعارضة لدرء العدوان. فالتناقض بين الوطن والعدوان تناقض رئيس في حين أن التناقض بين عبد الناصر من ناحية والإخوان والشيوعيين من ناحية أخري تناقض ثانوي. وبعد أن قام عبد الناصر بعمليات التحول الاشتراكي في قوانين تموز (يوليو) الاشتراكية 1962 ــ 1963 انضم إليه الشيوعيون. وظل الإخوان داخل السجون. ثم تم إخراجهم منها في 1971 لتصفية الناصرية. أعطيت الحرية أولا لليسار في الستينيات ضد اليمين، ثم في السبعينيات إلي اليمين ضد اليسار. وأجلت قضية الحرية لجميع المواطنين بجميع مدارسهم الفكرية وتياراتهم السياسية حتي الآن. وكانت هزيمة حزيران (يونيو) 1967 نتيجة لانتقاص الحرية العامة وشمولية الحكم في الجمهورية الأولي. وكانت زيارة القدس في تشرين الثاني (نوفمبر) 1977 واتفاقيات كامب ديفيد في 1978 واتفاقيات السلام في 1979 نتيجة لانتقاص الحريات والصلح المنفرد ودون طرح موضوع الحرب والسلام للنقاش علي الصعيد الوطني في الجمهورية الثانية وتوقفت مصر عن الحركة، وأصيبت بالشلل التام. وازدادت تبعية للخارج، وقهرا للداخل. وعزّ الخيال السياسي، فتوقفت عن الحركة أو تحركت في المكان (محلك سر) خشية من المغامرة، وعقدة حزيران (يونيو) 1967 التي لم يحلها انتصار تشرين الأول (أكتوبر) 1973. وانفرط عقد العرب بعد حرب الخليج الأولي في 1980 وحرب الخليج الثانية في 1990. وتركت الانتفاضة الأولي انتفاضة الحجارة بمفردها في 1987، والثانية أيضا، انتفاضة الأقصي في 2000 بمفردها. وسقط العراق تحت أقدام جنود الاحتلال في اذار (مارس) 2003. كل ذلك تحت شعار (حرب أكتوبر آخر الحروب) وذلك أثناء الجمهورية الثالثة.

بناء الدولة الوطنية
بعد التخلص من الاحتلال بدأت قضية بناء الدولة الوطنية المستقلة التي تمت وراثتها من الاستعمار بكل مخلفاته. وبطبيعة الحال تم تسليم رئاستها لقادة التحرر الوطني الذين انشغلوا بالإنجازات السريعة والعاجلة مثل: الإصلاح الزراعي لتحرير الفلاح والأرض من الإقطاع، والتصنيع لمضاعفة الدخل القومي، والتأميم من أجل استرداد رأس المال الوطني من الشركات الأجنبية، وتكوين ركيزة القطاع العام لتوفير الحاجات الأساسية للمواطنين، ودعم المواد الغذائية خاصة الخبز لغير القادرين، وإقرار مجانية التعليم، وتسليح الجيش الوطني، وتكوين جبهة عريضة معادية للاستعمار في عصر الاستقطاب باسم القومية العربية أو دول العالم الثالث أو عدم الانحياز أو تضامن شعوب آسيا وأفريقيا. وبعد عقدين أو ثلاث من الزمان فشلت عمليات التحديث، واغتنت الطبقة المتوسطة. وتضخمت الرأسمالية الوطنية. وبعد الانفتاح الاقتصادي، وخصخصة القطاع العام، ازداد الأغنياء غني، والفقراء فقرا. وتم تهريب ما يعادل الدخل القومي إلي الخارج من نواب القروض. وانتشر الفساد، وعمت الرشوة. وازدادت الدولة تبعية للخارج في الغذاء والسلاح، وتفاقمت الديون العسكرية والمدنية. وأصبح العامل الخارجي له الأولوية علي العامل الداخلي في صياغة السياسة الوطنية. ولم يعد ولاء المواطن للدولة لا في إعلامها ولا تعليمها ولا خدماتها ولا أجورها بل أصبح الولاء للخارج، للقنوات الفضائية في الأخبار، وللتعليم الخاص من رياض الأطفال حتي الجامعات الخاصة. يهاجر إلي مناطق الرزق في الخليج هجرة مؤقتة أو دائمة في استراليا وكندا وأمريكا وأوروبا. تحول الوطن لديه إلي مجموعة من ذكريات الطفولة وزمن الشقاء. لم يستطع أن يمارس العمل الوطني في الداخل فآثر الابتعاد ليري الوطن عن بعد. وظل يؤجل قضية الحريات يحلها الزمن والتاريخ.
وبعد ما يقرب من نصف قرن تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال. ولم يعد العرب يعيشون في عصرهم الرومانسي في الخمسينيات والستينيات يبشرون ببزوغ قوة جديدة في العالم، لها الأغلبية في مقاعد الأمم المتحدة. انتهي عصر الاستقطاب، وبدأ العالم ذو القطب الواحد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية تفرض شروطها علي العالم. وتمهد لعصر الهيمنة الأمريكية بمجموعة من المفاهيم التي تكون أيديولوجية العصر مثل: العولمة، نهاية التاريخ، صراع الحضارات، العالم قرية واحدة، ثورة الاتصالات، وعلي الشعوب الأخري أن تحدّث نفسها، وتسقط حدود الدول الوطنية لإفساح المجال لقوانين السوق، وتسرع في عمليات التحول الديمقراطي، وتقوّي المجتمع المدني الذي طغت عليه الدولة، وتحل قضية الأقليات، وتنظف ملفات حقوق الإنسان، وتساهم في رفع شأن المرأة. ويعود العرب أحوج إلي حركة تحرير عربية ثانية لمقاومة العالم ذي القطب الواحد، دفاعا عن مكتسبات الدولة الوطنية، وحماية لاستقلالها. والخوف كل الخوف أن تتأجل قضية الحرية والديمقراطية مرة ثانية كما تأجلت مرتين قبل ذلك. وتظل في آخر الأولويات.

حرية الوطن قبل حرية المواطن
فإلي أي حد يقبل العرب أن تتكرر التجارب من دون أن يتعلموا منها وتؤجل قضية الحرية والديمقراطية إلي حين؟ فالعاجل له الأولوية علي الآجل، طالما وضع العرب اختيار حرية الوطن قبل حرية المواطن. وما زال الاختيار قائما بالنسبة لفلسطين والعراق وأفغانستان والشيشان. والسؤال هو: متي يُعاد الاختيار علي الأقل كبديل افتراضي، حرية المواطن مع حرية الوطن. وقد قامت الثورة الاشتراكية في روسيا في 1917 في الداخل، وهي تقاوم العدوان النازي في الخارج. حرية المواطن هي الطريق لحرية الوطن حتي يعود الولاء للأوطان ويعبر عن اختيار المواطنين. والحرية واحدة لا تتجزأ، حرية الداخل وحرية الخارج. والعدو واحد لا يتجزأ، عدو في الداخل، وعدو في الخارج. والعبد لا يحارب إلا إذا كانت الحرية هي الدافع علي القتال.
ولا تحل قضية الحرية والديمقراطية فقط عن طريق الانتخابات الحرة والتعددية السياسية، وحرية تكوين الأحزاب، وتداول السلطة، والدستور، والحكومة المسؤولة أمام البرلمان، وحرية الصحافة والرقابة علي أجهزة الدولة ولكن أيضا عن طريق نزع جذور التسلط والقهر من الوجدان العربي المعاصر الذي ترسبت فيه ثقافة السلطان عبر التاريخ، ثقافة المجتمع البطرياركي، مجتمع (سي السيد). الأولوية فيه للحاكم علي المحكوم، وللحزب الحاكم علي المعارضة، نظام الفرقة الناجية التي تحكم وتكفّر فرق المعارضة التي في النار. يحتاج العرب إلي الثقافة البديلة، ثقافة الحرية والمراقبة علي الحكام، ثقافة الحسبة والرقابة علي أجهزة الدولة. ليست القضية تجميل وجه أنظمة الحكم بإلغاء الأحكام العرفية، والحكم بالإعدام، والأشغال الشاقة، ورقابة القضاء علي سريان الانتخابات فيها ضد تدخل أجهزة الدولة، وإنشاء مجلس قومي لحقوق الإنسان كوزارة جديدة أو هيئة مستقلة تابعة للدولة. القضية في إعادة بناء الثقافة الوطنية من طاعة السلطان إلي الرقابة عليه، ومن تفرد الحاكم إلي تفرد المواطن. ليس المهم من يحكم في القصر بل ما الذي يتحكّم في العقل، وأي بنية ثقافية تسيطر عليه. ويصبح هذا الجيل علامة فارقة في تاريخنا الحديث، جيل التحرر من القهر الداخلي وجذوره التاريخية بعد أن كان الجيل الماضي جيل الحرية والاستقلال الوطني ضد الاستعمار الخارجي وأشكاله المتعددة منذ الاحتلال المباشر للوطن العربي والعالم الإسلامي منذ قضاء بريطانيا علي إمبراطورية المغول في الهند حتي الاحتلال الأمريكي للعراق.
إذن، لا تتأجل قضية حرية الفرد وديمقراطية الحكم بعد الآن وإلا ستظل ذريعة للعدوان الداخلي علي النظام الحاكم عن طريق جماعات العنف من اليسار أو من اليمين أو للعدوان الخارجي من قوي الاستعمار الجديد من أجل ابتلاع الدولة الوطنية الضعيفة في الداخل والتابعة في الخارج. إن لم يأت التحول الديمقراطي طواعية من الداخل بنضال القوي الوطنية فإنه يكون ذريعة لأن يُفرض من الخارج من أجل السيطرة وإنهاء الدولة الوطنية كلها كما حدث في العراق، ومن قبل في أفغانستان. إن الذرائع في الداخل لا تنتهي، مثل الانفراج الديمقراطي التدريجي، وزيادة هامش الحريات. والذرائع في الخارج لا تنتهي، إرهاب الداخل الذي يتحول إلي إرهاب الخارج. والشعوب والأنظمة في الداخل تبقي محاصرة بين المطرقة والسندان. وتظل الشعوب تسير في مكانها، خطوة إلي الأمام وخطوتان إلي الوراء. وتتكرر دورات النهضة والسقوط، عودا علي بدء حتي يخرج هذا الجيل من الدائرة المغلقة ويعيد إلي التاريخ مساره وينقله من مرحلة تحرير الوطن إلي تحرير المواطن.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1631 --- Date 9-10/10/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1631 --- التاريخ 2003 - 10 -10/9

AZP07
HSHN