مقـالات - الدين والشرعية السياسية - الشرعية التاريخية قادرة علي فك عقدة الصراع السياسي - حسن حنفي
قد يعطي الحاكم نفسه الشرعية عن طريق رجال الدين التابعين له والمؤسسات الدينية الخاضعة لسيطرة النظام السياسي. ويكون ذلك عن طريق تكفير الخارجين علي النظام، وتخوين المعارضة السياسية. والحكم الشرعي أنهم خوارج العصر، دعاة الفتنة، مبدلو الدين وطبقا للرواية (من بدل دينه فاقتلوه) وفي رواية أخري (مَن بدل دينه وفارق الجماعة فاقتلوه). فالمعارضة شيوعية، والشيوعية كفر وإلحاد، (ومَن لا إيمان له فلا أمان له). وكل معارضة فهي خروج علي النظام، وعصيان للحاكم، وسبب للفتنة يجب استئصالها حتي عاشت معظم حركات المعارضة خارج الأوطان.
ويأخذ الحاكم مسوح المؤمنين، من لبس الجلباب، ومسك العصي، والسير كما يسير الطاعنون في السن، والمتصلون بالله. الزبيبه في الجبهة. وهو في المساجد في صلوات الجمعة، وفي الموالد والأعياد الدينية أمام أجهزة الإعلام. وهو كبير العائلة كالبطاركة القدماء، يدافع عن أخلاق القرية، وهي القيم التقليدية ضد الحداثة والعصرية والتغريب. فيأخذ شرعية من الماضي ليغطي علي نقص شرعيته في الحاضر. ويعطي الدين ما افتقدته السياسة.
الرأي رأيه، والحق ما يعلنه. فهو يمثل الفرقة الناجية، أهل السنة والجماعة، وغيره من المعارضة هي الفرق الهالكة الضالة. فيستعمل حديث الفرقة الناجية الذي يشكك في صحته ابن حزم وكثير من الفقهاء لإضفاء الشرعية علي نظام سياسي غير شرعي. مع أن حق الاختلاف حق شرعي، والكل راد والكل مردود عليه. ويغذي هذا النسق المعرفي نسق كوني آخر، تصور هرمي للعالم يحدد العلاقة بين الطرفين في محور رأسي، بين الأعلي والأدني، وليس في محور أفقي، بين الأمام والخلف. ثم تتجلي هذه البنية المعرفية الكونية في البنية الأخلاقية والاجتماعية فتنشأ أخلاق القرية، ورب الأسرة، وكبير العائلة، (سي السيد) الذي يطيعه الجميع في (المجتمع البطرياركي).
ويعطي رجال الدين، فقهاء السلطان الشرعية الدينية للقرارات السياسية للحاكم. إن شاء مقاومة العدو الاسرائيلي المحتل لأراض المسلمين والمعتدي عليها والراغب باستمرار في التوسع والاستيطان، لا صلحة ولا مفاوضة ولا اعتراف بإسرائيل، يخرج رجال الدين بفتاوي تعطي شرعية لقرار الحاكم (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم(. وإن شاء الصلح مع عدو الأمس وصديق اليوم والاعتراف والمفاوضة والصلح معه أتت شرعية جديدة وربما بنفس الرجال تبرر قرار الحاكم الجديد بالاعتراف بإسرائيل وإجراء المفاوضات ثم الصلح معها (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها( علي الرغم من أن إسرائيل لم تجنح إلي السلم حتي الآن، وتواصل اعتداءاتها اليومية علي الشعب الفلسطيني. فقد الناس احترام فقهاء السلطان، ولم يصدقوا فتاويهم الشرعية. وصاغ الأدب الشعبي عدة أمثال عامية لنقد فتاوي السلطان.

الجماعات الإسلامية
وازدادت شرعية الجماعات الإسلامية تحت الأرض لأنها تفتي باسم الأمة والدفاع عن مصالحها الثابتة، وكفّروا فقهاء السلطان، وأجازوا تصفيتهم الجسدية. كما وصف فقهاء السلطان الجماعات الإسلامية بالخوارج، خوارج هذا العصر. وظل التراشق بسلاح الشرعية الدينية بين الفريقين. فالدين سلاح مزدوج بين الخصوم. يستعمله كل فريق لصالحه. وكل فريق يجد في القرآن والحديث والتراث الفقهي بغيته. أما الطبقة المتوسطة فقد انقسمت إلي يمين ووسط ويسار. اليمين أقرب إلي الجماعات الإسلامية في منطلقاتها النظرية ومواقفها العملية. واليسار أقرب إلي الجماعات اليسارية في منطلقاتها النظرية ومواقفها العملية كما يتمثل في (لاهوت التحرير). والوسط متأرجح بين الاثنين، أقرب إلي اليمين في أسسه النظرية وإلي اليسار في ممارساته العملية.
وتعطي شعارات الجماعات الإسلامية شرعية لرفض الأمر الواقع والتمرد علي النظام الحاكم. فشعار (الحاكمية لله) لا يعني أن الله ليأتي ليحكم ويخلص البشر مما هم فيه من مآسي بل تعني رفض حاكمية البشر، رفض الأيديولوجيات العلمانية للتحديث، الليبرالية التي حكمت مصر قبل 1952، والقومية أو الاشتراكية التي حكمت بعدها، والماركسية التي حكمت في جنوب اليمن بمفردها أو في تحالف في سوريا العراق. فقد ضاعت نصف فلسطين في 1948 إبان العهد الليبرالي. وضاع النصف الآخر في 1967 في العهد القومي. كما يعني الشعار الحاكمية للقانون الإلهي ضد ظلم القوانين الوضعية وانتهاك حقوق الإنسان، وضياع حقوق المواطن.
كما يدل شعار (الإسلام هو البديل)، وشعار (الإسلام هو الحل) علي طريق الخلاص من مآسي العصر وأحزانه بعد أن زادت رقعة الأرض المحتلة، وعظم قهر المواطن، واتسعت الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتجزأت الأمة إلي أقطار في طريقها إلي أن تصبح دوليات طائفية وعرقية تكون فيه إسرائيل أقوي دولة في المنطقة تستمد شرعيتها من البيئة الجغرافية السياسية الثقافية المحلية بعد أن استمدت شرعيتها أولا من أساطير المعاد والشعب المختار.
وطالما أن الواقع في أزمة، تسري مثل هذه الشعارات لقدرتها علي تجنيد الناس لما فيها من قوة علي الرفض من دون أن تعني شيئاً محددا، إيجابا لا سلبا. فلم تتحول إلي برامج سياسية اجتماعية اقتصادية تقدم حلولا عملية ملموسة لمشاكل الجماهير. وهي شعارات مغلقة، لا تقبل الحوار ولا أنصاف الحلول. تـُؤخذ ككل أو تترك ككل. هي أشبه بعناوين رئيسية في الصفحات الأولي لجذب الانتباه. تدل علي القدرة دون الدولة، والانتفاضة دون السلطة، والصرخة دون الكلام.
وتستمد الجماعات الإسلامية شرعيتها من لحظتين تاريخيتين. لحظة ابن تيمية وهزيمة المسلمين أمام التتار واحتلالهم بغداد وهم في طريقهم إلي دمشق. مسلمون يقتلون مسلمين، ويغزون أراضي مسلمين، ويحكمون بشريعة خاصة بهم (الباسة) وليس بشريعة الإسلام، ومن ثم إصدار الحكم بتكفيرهم، وقياسا عليه تكفير كل من لا يحكم بشريعة الله. وابن تيمية حاضر في الحركة الإصلاحية الحديثة منذ محمد بن عبد الوهاب حتي رشيد رضا والجماعات الإسلامية المعاصرة.
واللحظة الثانية هزيمة يونيو 1967 والتي أصبح (معالم في الطريق) لسيد قطب تعبيرا عنها. فقد انهار الحلم القومي، واحتلت مصر وسوريا وفلسطين. ولم يستطع النظام الذي استبعد الإخوان الدفاع عن حرمات البلاد واستقلال الأوطان. فاشتد التقابل بين حاكمية الله وحاكمية البشر، بين الإسلام والجاهلية، بين الله والطاغوت، بين الإيمان والكفر، بين النور والظلام، بين الحق والباطل، بين العلم والجهل. وحدث تقابل بين نفسية السجين ظلما، وتحت آلام التعذيب بالسياط وبالنار وبين الأوضاع الخارجية، العدل والظلم، الحرية والقهر، الاستقلال والاحتلال. فانتشر (معالم في الطريق). وقدم إلي الجماعات أفضل نسق نظري يعبر عن نفسية المضطهدين المختبئين تحت الأرض مثل الملقي في غياهب السجن. وكان استشهاد سيد قطب في آب (أغسطس) 1965 بمثابة المؤشر علي هزيمة حزيران (يونيو) 1967 وكما صور ذلك نجيب محفوظ في (الكرنك)، سياط تلهب أجساد المعتقلين في السجون، وقنابل وصواريخ تقذفها الطائرات الحربية الإسرائيلية علي القواعد والمطارات العسكرية المصرية، لا فرق بين الاعتداء علي المواطن في الداخل باسم الدفاع عن النظام والعدوان علي الوطن في الخارج باسم الدفاع عن النفس.

الرصد التاريخي
والتحدي بالنسبة للمستقبل هو التعامل مع المحافظة التقليدية الموروثة منذ ألف عام والسلفية أحد مظاهرها. وهي الرصيد التاريخي الذي يمد الجماعات الإسلامية بل وأجهزة الإعلام في الدولة وفتاوي رجال الدين بما يحتاجونه من مصادر لتبرير مواقف كل فريق علي اختلافهم في المواقف والأهداف السياسية، وتعني المحافظة إعطاء الأولوية للعبادات علي المعاملات، وللعقائد النظرية علي السلوك العملي، ولعالم الغيب علي عالم الشهادة، وعلي الإيمان في أشكاله الخارجية علي العمل الصالح باعتباره المعبّر الوحيد عن الإيمان، وللدين كغاية في ذاته علي الدين كوسيلة لإسعاد البشر وتحقيق مصالحهم العامة.
وهو التيار نفسه السائد في أجهزة الإعلام، صفحات الفكر الديني، والجرائد والمجلات الدينية، وحديث الروح، ودروس تفسير القرآن بعد صلاة الجمعة، ونور علي نور من دعاة حرفيين مثل نجوم المجتمع بأزيائهم المعروفة. ولا فرق بين البرنامج الديني و(ماتش) الكورة، والتمثيلية التلفزيونية، وفاصل من الرقص الشرقي وخطب الرئيس ونشاط حرمه. كل ذلك بؤر إعلامية تقوم بالدور نفسه، ملء الفراغ السياسي والثقافي في البلاد.
وفي الوقت نفسه تشتد المحافظة الاجتماعية أمانا من الفقر، وحرصا عن الضياع، وحماية بالموروث الثقافي، وتعويضا عن مآسي العصر وأحزان الزمان، فيكثر التفويض إلي الله، ويزداد الاعتماد عليه، وتكثر الموالد ، وزيارة المقابر، والتبرك بأولياء الله الصالحين. وترسل الرسائل إلي الإمام الشافعي لتلبية طلبات المحتاجين. وتستدعي مريم العذراء والسيد المسيح للغاية نفسها. فإذا ما انسد طريق التغير الاجتماعي من أسفل انفتح طريق الدين من أعلي. ويتحول الدين إلي حلم المجتمع في النجاة من أحزان العصر والتخلص من مآسيه.
التحدي إذن هو التحول من المحافظة إلي التحرر عن طريق تحويل الرافد التاريخي الأساسي من اختيار القدماء منذ الغزالي حتي حركات الإصلاح الديني إلي مطالب المحدثين، من الأشعرية إلي الاعتزال كما حاول محمد عبده في (رسالة التوحيد)، ومن النص إلي الواقع كما حاول الشاطبي في (الموافقات)، وعلال الفاسي في (مقاصد الشريعة ومكارمها)، ومن التصوف السلبي إلي التصوف الإيجابي، ومن الفلسفة المنطقية الطبيعية الإلهية إلي فلسفة الذاتية كما هو عند محمد إقبال، ومن العلوم النقلية إلي العلوم العقلية مثل اجتهادات كثير من المحدثين.
كما يمكن الاعتماد علي قوي التقدم والتغير الاجتماعي التي ما زالت تبحث عن أيديولوجية تجمع بين الماضي والحاضر، بيت التراث والتجديد، بين شرعية الإسلام وشرعية الثورة كما حاول اليسار الإسلامي الذي ما زال متهما من الإسلاميين أنه ماركسية مقنعة، ومن العلمانيين بأنه أصولية متخفية وتوزيع أدوار، ومن الدولة بأنه إخوانية شيوعية لأنه جزء من المعارضة الوطنية بجناحيها الرئيسيين، الإسلامية والقومية.
لا حل للصراع بين الشرعية الدينية والشرعية السياسية إلا بالشرعية التاريخية، وفك حصار الزمن عن الوعي القومي بين الانجذاب إلي الماضي كما هو الحال عند السلفيين، والانبهار بالمستقبل كما هو الحال عند العلمانيين، والانسداد في الحاضر كما هو الحال عند سواد الأمة والتي لا تجد مخرجا لها إلا النزول تحت الأرض لاكتساب الشرعية الدينية أو الصعود إلي مراكز الحكم لاكتساب الشرعية السياسية أو الهجرة إلي خارج الأوطان لاستعارة شرعية من الآخر أو التوقف في المكان حتي يتوقف القلب لانعدام الحركة (ولكل أجل كتاب( للأفراد (وتلك الأيام نداولها بين الناس( للشعوب.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1623 --- Date 30/9/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1623 --- التاريخ 2003 - 9 -30

AZP07
HSHN