مقـــــــــــــــــــــالات - ألقاب التعظيــم في الموروث الثقافي والحياة اليومية - إزاحة جذور التسلّط من ثقافتنا تتطلب القضاء علي ألفاظ الاستعباد - د. حسن حنفي
انشغل العرب في حياتهم المعاصرة بالاستقلال وهو أمر طبيعي حتي يتحرر العرب من الاستعمار أثر انهيار الخلافة بعد الحرب العالمية الأولي واستبدال سيد بسيد، السيد الغربي بالسيد التركي، ونجحوا في ذلك إلي حد كبير. فاستقلت الأمصار، ونشأت الدولة الحديثة.
وبلغت ذروة حركة التحرر الوطني في الخمسينات والستينات. امتدت بعدها إلي القارات الثلاث، أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. وأصبحت الناصرية أكبر تجسيد لها. وما زال العرب يحنون إليها كلما اشتدت الأزمات، وعظم الكرب، وعاد الاستعمار المباشر إليها بالاحتلال الصهيوني المباشر لفلسطين، وبالغزو العسكري الأمريكي المباشر للعراق.
كما انشغل العرب ببناء الدولة الحديثة بعد الاستقلال، التخطيط والتنمية والتصنيع والتعليم وبناء المؤسسات الدستورية في حضور زعامات تاريخية مما أعطي الأولوية للزعيم علي المؤسسة. وحقق العرب أكبر تغيير في بنية المجتمعات العربية، الإصلاح الزراعي والقضاء علي الإقطاع ومجتمع النصف في المائة الذي كان يسيطر علي أكثر من 95% من ثروات البلاد. وربما ما زال الأمر كذلك في الدول الريعية. فلما أتت هزيمة حزيران (يونيو) 1967 انهار حلم الدولة الحديثة في الحرية والاشتراكية والوحدة. وبدأ التحول عن مكتسباتها الوطنية والقومية حتي تحولت إلي دول تقوم نظمها علي القهر والاستبداد في الداخل، والتبعية للقوي الكبري في الخارج، والقطرية بعد أن تم غزو العرب لبعضهم البعض وطعن الثورة الإسلامية في إيران من الخلف، وترك الانتفاضة الفلسطينية الأولي والثانية، انتفاضة الحجارة وانتفاضة السلاح، انتفاضة الأقصي وانتفاضة الاستقلال بمفردها دون ظهير، منذ ثلاث سنوات.

الموروث الثقافي
ومع ذلك لم يلتفت العرب إلي إعادة بناء موروثهم الثقافي الذي استمر محافظا منذ ألف عام، منذ أن قضي الغزالي علي العلوم العقلية في القرن الخامس الهجري، وكتب للسلطان أيديولوجية السلطة في (الاقتصاد في الاعتقاد) وقد أعانه السلطان، نظام الملك، علي ذلك بإنشاء المدرسة النظامية له. فلا فرق بين صفات الله وصفات السلطان. كلاهما عالم قادر حي، سميع بصير متكلم مريد. الله بذاته، والسلطان من خلال أجهزة أمنه ومخابراته. وكتب للناس (إحياء علوم الدين) من أجل ترسيخ أيديولوجية الطاعة والتي تقوم علي الصبر والتوكل والرضا والقناعة والخوف والخشية وهي قيم سلبية تجعل الناس أقرب إلي الاستسلام منهم إلي الثورة والغضب والرفض والتمرد والاعتراض.
حاول العرب ذلك مرتين. الأولي في فجر النهضة العربية في القرن التاسع عشر بتياراتها الثلاثة، الليبرالي عند الطهطاوي وخير الدين التونسي، والإصلاحي عند الأفغاني ومحمد عبده، والعلمي العلماني عند شبلي شميل وفرح أنطون. كانت محاولات للنخبة من أجل إثارة الأذهان والعقول وإحداث اليقظة الضرورية للدخول في عصر الحداثة. وكان الانبهار بالنموذج الغربي عاما وسائدا، التنوير عند روسو وفولتير ومونتسكيو عند الطهطاوي، ولوثر في الغرب والميكادو في الشرق عند الأفغاني، ودارون وسبنسر عند شبلي شميل وفرح أنطون. لم يستطع الوافد الغربي أن يحل محل الموروث القديم الذي ظل محافظا في مجمله بالرغم من محاولات الأفغاني إعادة تفسير القضاء والقدر باعتباره حرية داخلية وصياغة الإسلام كثورة في مواجهة الاستبداد في الداخل والاستعمار في الخارج، ومحاولة محمد عبده الانتقال من الأشعرية إلي الاعتزال، ومن النقل إلي العقل، ومن الكسب إلي الاختيار الحر. ثم أدت الكبوات المستمرة للنهضة العربية إلي ضياع هذا المكتسب النخبوي القائم علي الوافد الغربي. وتحولت الليبرالية التي قامت علي فلسفة التنوير تدريجيا إلي تغريب صريح عند أحمد لطفي السيد وطه حسين. كما انقلب الإصلاح الديني تدريجيا إلي سلفية بعد فشل الثورة العرابية عند رشيد رضا والجماعات الإسلامية المعاصرة، وتحول العلم والعلمانية إلي خرافة وحاكمية، إعجاز علمي في القرآن، وحاكمية الله دون حاكمية البشر.
لم يحاول المثقفون الوطنيون العرب تثوير الثقافة العربية، والبداية في نهضة عربية ثانية بالمفكرين الأحرار كما بدأت الثورات العربية بالضباط الأحرار. حاول بعض المثقفين العرب ذلك بعد هزيمة حزيران فيما يسمي بالمشاريع العربية المعاصرة في مصر والمغرب والشام خاصة قبل أن يلحق الخليج ولكنها أتت أيضا نخبوية من الطبقة المتوسطة. لم تؤثر في الناس. ولم تتحول إلي برامج ثقافية واجتماعية وسياسية شعبية لأنها جزء من المعارضة العربية التي تحاصر بعضها نظم الحكم أو تستأنس البعض الآخر.

مشاريع التحديث
بل واشتدت المحافظة بعد انهيار المشروعين الكبيرين للتحديث، المشروع الليبرالي في النصف الأول من القرن العشرين بقيام الثورات العربية في منتصفه، والمشروع القومي الاشتراكي الوحدوي في النصف الثاني من القرن العشرين بهزيمة حزيران (يونيو) 1967 ثم حرب الخليج الأولي في 1980 وحرب الخليج الثانية في اب (أغسطس) 1990 ثم في الغزو الأمريكي للعراق في اذار (مارس) 2003، فصعب التعامل مع العصر نظرا لهذا الثقل الكبير للموروث الثقافي في جانبه المحافظ علي الوعي الثقافي العربي. وهو حاضر حضور البطالة والفساد والقهر والفقر إن لم يكن أكثر حضورا لأنه هو الذي يحدد تصورات العالم، ويضع معايير السلوك. مازال يؤثر في الحاكم والمحكوم. يعتمد عليه الحاكم لإضفاء الشرعية علي النظام إذا ما نقصته الشرعية المستمدة من الاختيار الحر للناس. فيملأ أجهزة الإعلام بالبرامج الدينية استجداء لعواطف الناس الدينية وحتي يبدو وكأنه سادس الخلفاء الراشدين. ويعتمد عليه المحكوم خاصة الجماعات الإسلامية المعارضة كسلاح لتقويض نظم الحكم. وترفع شعارات مثل (الحاكمية لله)، ضد حاكمية البشر، و(الإسلام هول الحل) ضد الأيديولوجيات العلمانية للتحديث، الليبرالية والقومية والماركسية، و(تطبيق الشريعة الإسلامية) ضد عذاب المواطنين في مؤسسات الدولة وضد القوانين (الوضعية) أو (المدنية) السائدة. واشتدت مظاهر المحافظة في الحياة اليومية في عادات اللباس والطعام والعلاقات الاجتماعية. والسؤال الآن هو: هل يمكن البداية من جديد من أجل إرساء قواعد نهضة عربية ثانية وذلك بإعادة بناء الموروث الثقافي العربي القديم ونقله من المحافظة إلي التحرر، ومن التقليد إلي التجديد؟
يمكن ذلك. والمثل هو مدي انتشار ألقاب التعظيم في موروثنا الثقافي القديم وفي حياتنا المعاصرة. فقد ورثنا ألقابا دينية تقوم علي التعظيم والتفخيم والإجلال إلي حد التقديس والتأليه مثل: (شيخ الإسلام)، والإسلام كما نعلم ليس له شيخ ولا رجال دين. (حجة الإسلام)، والإسلام ليس له حجة واحدة بل تتعدد فيه المذاهب والفرق والطوائف. (فخر الإسلام)، وكل العلماء والمجاهدين بل وعامة المسلمين هم فخر الإسلام. (صدر الإسلام)، والإسلام ليس له صدر أو عجز. والشهيد هو صدر الإسلام الذي يتلقي الرصاص بصدره دفاعا عن الأمة. (سيف الإسلام)، وللإسلام سيوف متعددة وليس سيفا واحدا في أيدي المجاهدين.
وقد تأتي الألقاب مرتبطة بالدين مثل (فخر الدين) والدين ليس له فخر واحد. (نصير الدين) والدين ليس له نصير واحد. (ولي الدين) والدين ليس له ولي واحد. وقد يرتبط اللقب بالشريعة مثل (صدر الشريعة)، والشريعة وضعية لها مقاصد تقوم علي المصالح العامة في صدور عدة وليست في صدر واحد. وتتشعب الألقاب، وتجمع بين لقبين مثل (الشيخ الرئيس) جامعا بين السلطتين الدينية والسياسية. (أمير المؤمنين) جمعا بين الإمارة السياسية والإيمان الديني، (خليفة المسلمين) استئنافا لخليفة رسول الله، والقائم علي شئونهم في دينهم ودنياهم. وقد يتحول اللقب إلي صورة فنية مثل (شمس الأئمة)، (سيف الله). وقد يكون حقيقة لا مجازا مثل (قاضي القضاة)، (إمام الحرمين) للدلالة علي السلطة العلمية أو (خادم الحرمين الشريفين) للدلالة علي السلطة الدينية والسياسية. وتزدهر الألقاب أكثر عند الشيعة مثل (الإمام)، (الهادي)، (المهدي)، (روح الله)، (آية الله) إلي آخر ما هو معروف في ألقاب الشيعة. ومعظمها دينية علمية مرجعية. في حين أنها عند السنة معظمها دينية سياسية لأنهم أهل العلم والسلطة.
وقد انعكس ذلك في حياة العرب اليومية، الدينية والسياسية فذاعت الألقاب، وانتشرت عبارات التفخيم والتعظيم حتي لا يكاد الإنسان يعرف الفرق بين (صاحب السعادة) و(صاحب النيافة) و(صاحب السيادة) و(صاحب المعالي) و(صاحب العظمة) و(صاحب الفخامة) و(صاحب الجلالة). وكلها مستعارة من صفات الله. فالسيادة والتعالي والجلالة والعظمة كلها لله، والسعادة للبشر أجمعين.
وأخذ القادة ألقابا مشابهة تتراوح بين الرئيس والزعيم والقائد والشيخ والملك والأمير والفريق. وسمي أحد القادة نفسه بتسعة وتسعين اسما من بينها المجاهد والمناضل والغيور والقومي والعروبي والأبي والملهم، والبطل حتي ولو تكررت الأسماء والمعني واحد. فكلما زادت الألقاب زادت الهيبة مثل (الركن المهيب). ومن الألقاب ما أتي من العصر التركي المملوكي مثل (الأغا) و(الباشا) و(البيك) و(الأفندي) و(السلطان) و(الوالي).

الغاء الألقاب المدنية
صحيح أن من القرارات الأولي للثورة العربية إلغاء الألقاب المدنية والإبقاء فقط علي الألقاب العسكرية التركية أولا مثل (يوزباشي) و(باكباشي) ثم العربية ثانيا، (الملازم) و(المقدم) و(النقيب) و(اللواء) و(المشير) و(الفريق). ومع ذلك ظلت الألقاب في حياتنا اليومية (سعادة الباشا) و(سعادة البيك) و(عظمتك) و(سيادتك) و(حضرتك). مازالت عقلية (سي السيد) هي التي تحدد العلاقات بين الناس. وهو ما يجعل نظام الاستبداد الثقافي قائما لا يتزحزح، راسخا لا يهتز. ثم نشكو بعد ذلك من أزمة الحرية والديموقراطية في حياتنا السياسية. وأصلها في ألقاب التعظيم والتفخيم والإجلال والتقديس والتأليه في موروثنا الثقافي الممتد في ثقافتنا الوطنية التي ما زالت هي ركيزة ثقافتنا السياسية. فهل يمكن لحل الأزمة البداية بنزع جذور التسلط والقهر من وجداننا العربي المعاصر؟ إن للغة سحرها، وان من البيان لسحرا. وما زال العرب شعراء. والشاعر حر. والشعر يعلم العرب كيف يكونون أحرارا. والانتفاضة في اللغة، والألفاظ كالحجارة. إن العرب ليسوا ظاهرة صوتية ولم يضلوا الطريق كما قيل في الاستشراق المعاصر. العرب لغة. والعروبة هي اللسان. واللغة منزل الوجود كما قيل في الفلسفة المعاصرة. فمن تسكنه اللغة يسكن الوجود.
إن تفخيم الناس بعضهم البعض، رومانية وكسروية. حذر القرآن منه (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله(. كما حذر الرسول من تعظيمه (لا تطروني كما أطرت النصاري عيسي بن مريم) وإن البداية بالقضاء علي جذور التسلط والقهر في ثقافتنا المعاصرة إنما يبدأ بالقضاء علي ألفاظ الاستعباد.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1595 --- Date 29-30/8/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1595 --- التاريخ 2003 - 8 - 30/29

AZP07
HSHN