ضفاف - جنـون شهرزاد - نبيل سليمان
علي أحر من الجمر لبثت شهرزاد تنتظر عودة صديقها العراقي من زيارته الأولي لبغداد بعد أربع وعشرين سنة من فراره من الغول الصدامي. ولما كان اللقاء أقبلت شهرزاد علي ما يروي الصديق، تترشف كلماته مثلما كانت تفعل قبل وأثناء الحرب. أما سرّ ترشّف شهرزاد فهو في المثل القائل: أهل مكة أدري بشعابها. لكن شهرزاد لم تطق صبراً علي الصديق العائد بالسلامة، كما لم تكن تطيق صبراً عليه قبل الحرب وأثناءها، فجأرت مثلما كانت تجأر: كأنك مصاب بعقدة التثبيت الصدامية! كلما دق الكوز بالجرة صدعتني: صدام صدام، الدكتاتورية الدكتاتورية! صدام بات من الماضي يا صديقي، حتي لو ظل حياً عشرين سنة، بل حتي لو طرد بمفرده الأمريكان. وإذا كان الماضي مهماً دوماً يا صديقي، فالأهم هو الحاضر والمستقبل، حتي لو كان الصداميون وحدهم يقاومون الأمريكان. الأهم يا صديقي بعدما عبس صدام وتولّي، ألاّ تتجدد الديكتاتورية أو يرثها ما هو أدهي. والأهم يا صديقي هو ألاّ تمضي بنفسك مختاراً من تحت الدلف إلي تحت المزراب. الأهم يا صديقي هو ألاّ يدفعك الأمريكان أو العرب من تحت الدلف إلي تحت المزراب.
لكن الصديق جأر: وما راءٍ كمن سمعا. ولم يُجْدِ شهرزاد أن تتدرع بالاتصالات القرية الكونية وبما تتابع قراءةً واستماعاً ومشاهدة. فالصديق الذي أقام عشرة أيام في بغداد مغموراً بالدموع وبالدهشة, يبرئ مرة ذمة الأمريكان، أو يكاد مرة، وشهرزاد تجن أو تكاد كل مرة، فتملص من لقاء الصديق إلي وحدتها التي تضاعفت وحشةً منذ ربض صدام علي صدرها في بغداد، وراح ينبت كالفطر من عاصمة إلي عاصمة، حتي بلغ واشنطن نفسها، وإلا لما رأي بوش نفسه في حملة صليبية شخصية علي العراق أو سواه، كلفته بها العناية الإلهية، وستدخله التاريخ، مثلما كان صدام ـ أي صدام ـ يري نفسه.
وإذْ طالت الوحدة الموحشة بشهرزاد، أخذت كوابيس اليقظة تداهمها مثل كوابيس المنام، ورأت نفسها مشلعة أمام التحالف العتيد الذي تقوده الولايات المتحدة، وتنطوي فيه ألبانيا وأفغانستان وأرتيريا ونيكاراغوا وبنما وكوستاريكا وثلة من كواكب الاتحاد السوفييتي الراحل. ولأن الكذبة أكبر من أن يحتملها عقل صغير مثل عقل شهرزاد، أو خيال محدود ومريض مثل خيالها، اندست بين الحشود التي ما فتئت من قبل اندلاع معركة الخواسر ــ أو الحواسم أو أي اسم إلا التحرير ــ حتي تغني ضد الحرب خلف المطرب الأمريكي زاك دي لاوشا والبريطاني يوسف إسلام ــ أي كات ستيفنز ــ والجنوب أفريقي زين بيكا وشيرين وجدي وعمرو دياب وشعبان عبد الرحيم. ولأن جمهرة من المثقفين العراقيين والعرب الأشاوس نظروا بازدراء إلي شعبوية شهرزاد ومن يغني ومن يرددون، تمنت لو أن الله ابتلاها بالعمي، ورددت خلف نجيب محفوظ الذي ما فتئ يردد منذ اندلعت معركة الـ.. ــ ضاعت أسماء المعركة فصارت الاحتلال ــ حتي الساعة: (الحمد لله علي أن بصري لا يستطيع رؤية هذه الجرائم).
في واحد من كوابيسها التي أخذت تودي بعقلها وخيالها، جلجل صوت صدام حسين: يا قرة عيني، فحسبت شهرزاد نفسها المعنية، ومنذئذٍ باتت أقرب إلي الجنون، بينما صدام يصدح: (أطلقْ لها السيف، لا خوف ولا وجل) ويشرّع نهب سيارات الدولة والحزب (القائد أو الحاكم أو البائد: لا فرق). وفي سوانح الجنون التي أخذت تتفاقم، خيل لشهرزاد أن الجنرال الروسي ليونيد إيفاشوف يخطب: (إخفاق أمريكا انتحار، لذلك أحضرت رؤوساً نووية إلي الكويت، وقد تستخدمها لضرب مقرات القيادة العراقية تحت الأرض). كما خيل لشهرزاد أن توم فرانكس عاف هواياته جميعاً، من تدخين السيجار إلي صيد الطيور إلي ركوب الدراجات، مؤملاً أن يعود له شبابه ليعود إلي الحرب في فيتنام، وليس في بغداد التي لا تصبح إلا علي مصرع جندي أمريكي وجرح جنديين، بحسب الإعلام الأمريكي الذي بات أكبر مصداقية من الإعلام العربي منذ حرب 1976 حتي حرب 2003. يا سلام!
ليلة أطبق الجنون علي شهرزاد، باغتها صديق عراقي آخر، عاد لتوه من بغداد بعد سبع وعشرين سنة ــ هي نصف عمره بالتمام والكمال ــ من فراره من الغول الصدامي. وحمل الصديق شهرزاد علي عنقه إلي سهرة احتفالية بعودته. وبوغت الآخرون السوريون بشهرزاد كما بوغتت بهم. وما إن شرع أحدهم ــ ربما كان الصديق العراقي نفسه ــ يؤكد أن لا منجاة من الدكتاتورية إلا بالعون الخارجي، حتي تشلعت شهرزاد في كابوس جديد، بينما راحت أصوات الساهرين تتدافر: واحد يبشر العرب بالجنة الأمريكية الموعودة، وآخر يتوعد الاحتلال الأمريكي برفع عدد جنوده القتلي إلي ثلاثة يومياً، والجرحي إلي خمسة، وثالث يؤكد أن العرب سيقاومون الاحتلال الأمريكي حتي آخر عراقي مثلما يقاومون الاحتلال الصهيوني حتي آخر فلسطيني، ورابع يذكّر بالذراع الإسرائيلية في العراق، وخامس يتمهّل كل أمر مردداً المثل القائل: (ما إلنا بالقصر إلا من البارحة العصر)، وسادس يشمت بالمليون الذين تظاهروا في الجزائر ضد الاحتلال ــ أي ضد معركة الخواسر أو الحواسم أو أي اسم إلا تحرير العراق ــ وسابع يذكر بوقفة غونتر غراس ضد بربرية القوة الأميركية الشمولية، وثامن يسأل عما حلّ بالأميركي الذي ألقي قي 23/3/2003 قنبلة يدوية علي خيمة قيادية أمريكية، ثم يسأل عن سر جرح عشرات من أبطال المارينز الميامين بنيران صديقة. وسرعان ما اشتبكت الأصوات التسعة، وشهرزاد سادرة في صمتها وكوابيسها حد الجنون، لكنها شبت فجأة تعدد مثقفين ودولاً ساندوا صدام في الأمس القريب قرب عام 1990 من هذه السهرة، بأقل مما ساندته أمريكا، فيما هم وهي ـ المثقفون والدول ـ يبذون أمريكا اليوم، ليس عداءً لصدام الذي عبس وتولي هو وحزبه ودولته، بل عداءً لمن لم يساندوا صدام يوماً، إن لم يعارضوه، وعداءً لمن يعادون أمريكا أمس واليوم، لأنها ـ ببساطة ـ الطاغية الأكبر في العالم.
ولما شرعت شهرزاد تعدد أعداء صدام الذين يتهافتون بعده علي الود الأمريكي مثل تهافتهم علي غنائم الدولة المنهارة وعلي غنائم الدولة الموعودة، شبّ الصديق العراقي في وجه شهرزاد صارخاً، لكن شهرزاد لم تتبين حرفاً من صراخه، لأن عدداً من الساهرين السوريين شبوا يصرخون مثل الصديق العراقي، حتي إذا فضّ النادلان الاشتباك المروّع، أغمضت شهرزاد عينيها نائحة: خذوني إلي العصفورية، فرفع أحدهم كأسه وترنم: إلي بغداد خذوني معكم، فزجرته الأصوات: اخرسْ: وما إن خرس حتي ترحم أحدهم ـ شامتاً أو ساخراً، والله أعلم ـ علي نزار قباني وعلي فايدة كامل ــ وربما علي سواها ــ وراح يدندن: أصبح عندي الآن بندقية/ إلي فلسطين خذوني معكم/ إلي..

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1595 --- Date 29-30/8/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1595 --- التاريخ 2003 - 8 - 30/29

AZP09
AYMK
NBSL