ضفاف - الدكتاتور عزام جبارة - نبيل سليمان
عزام جبارة ديك مغرور يعتقد أن الشمس تشرق كل صباح من أجل أن تستمتع بمهارته في الصياح. وعزام جبارة هو الرجل المريض والكائن المسخ والطاغية الأرعن والفرعون الأكبر. وعزام جبارة سفاح من عائلة سفاحة، عائلة مريضة، منذ أن جاءت (ورمت فايروساتها ورصاصاتها علي رقابنا وعلي تربة أرضنا، والحياة تزداد مرارة وعسراً).
قبل أن نقرأ ذلك في رواية عبد الستار ناصر (أبو الريش ــــ 2002)، سنقرأ في مقدمة الكاتب لروايته أن عزام جبارة هو (الغائب الحاضر، بطل الرواية، من أكثر أخطاء الدنيا قبحاً وإساءة للروح الإنسانية). كما نقرأ أن هذه الرواية هي عين الكاميرا التي أخذت الوثائق والدلائل وأوراق الضبط، نيابة عن القراء وزوار العتبات المقدسة. وكل قارئ عراقي ــ كما تؤكد مقدمة الرواية ــ سيكتشف أن عبد الستار ناصر ليس من كتب الرواية، بل جاء بنسخة مصورة منها، لأن (العراق الآن ــ ليس غير مسلخ بشري)، ولأن (بلد بكامله صار مجرد مخزن لجداريات عزام جبارة، كما سيلي في الرواية، ومن ذلك أيضاً ما رأي أبو الريش في الصويرة من صور عزام جبارة: بثياب عسكرية يضحك أو يحتسي الشاي أو يرفع بندقية برنو إلي جانب جدارية اسمنتية، كُتب عليها: وحدة حرية اشتراكية. والرواية إذن عاشها كل عراقي قبل أن يكتبها عراقي يحدثنا في تقديمه لها عن ميله لزيارة القبور قبل كتابتها، وعن نصف عشيرته التي تأخذ موتاها إلي مقبرة الشيخ معروف بن فيروز الكرخي المتوفي عام774م. والذي صارت له حصة كبيرة من فواجع وملذات وكوارث الرواية. ويحدثنا الكاتب أيضاً أن فكرة الرواية جاءته منذ أُعدِم شقيقه عبد الجبار ناصر جدوع الزوبعي بخمس رصاصات، طالب الجلادون ذويه بثمنها، ومنعوهم من إقامة الفاتحة علي روحه، ومن البكاء عليه، ومن رؤيته قبل الدفن.
وسواء صدق وعد الكاتب باعتزال الرواية بعد هذه الرواية، أم لا، فالأهم هو اعترافه بأنه شعر بشيء من المحبة لعزام جبارة عندما التقاه في 1969: (كنا نظنه المنقذ (...) وكثيراً ما صفقنا له وكتبنا عن أمجاد نحن صنعناها بأصابعنا وقصائدنا ومجموع كتاباتنا). ولئن كان المرء يقدر شجاعة هذا الاعتراف ــ لأن السائد هو التبرؤ من مثله والتباري في النصاعة والشجاعة ودور الضحية ــ فيبدو أن الزمن قد عجّل ــ خلال أقل من سنة بعد صدور الرواية ــ إلي تكذيب يقين الكاتب بأن عود الكبريت الذي سيشعل النار المحرقة للدكتاتور لم يزل في بيت فقير من العراق و(لن يأتي من خارج العراق).
أما الرواية فتواصل نظر مقدمتها إلي عزام جبارة علي أنه مؤامرة: (أنا مؤمن وعلي يقين أن ابن العوجة هذا ليس ذكياً ليفعل كل ما فعل، إنه مجرد بيدق يتحرك بخيوط لا نراها، إنه مأمور بما يقوم به من حروب وجرائم وحرائق، والذي يأمره ويفرض عليه إطاعة الأوامر يأتي من خارج البلاد).
لا يحتاج المرء إلي اسم قرية (العوجة) ليعيّن صدام حسين في الشخصية الروائية عزام جبارة. كما لا يحتاج المرء إلي أن يتذكر شهور العسل بين صدام حسين وأمريكا وسواها من أحبابه بالأمس وأعدائه اليوم. لكن القول بالمؤامرة سيبدو استسهالاً، مثله مثل الهجاء الذي تسلق الرواية به شخصيتها المحورية، والتي تعيّنها إشارة أخري في صدام حسين، عندما صادف أبو الريش الشاب الأنيق الذي يقرأ في كتاب عنوانه (زبيبة والملك)، فيقول أبو الريش: (سبق أن مسحت حذائي به، وأسعفني الملك في تنظيف الحمام، ثم أبقيت ما تبقي من أوراقه تحت شسع نعالي في كل مرة يتبلل فيها. يقال بين عامة الناس إنه من تأليف عزام جبارة, وما كان يهمني الأمر، لم يكن الملك ولا زبيبة غير كلام عابر فات عليه الزمان).
وأبو الريش مع محمود جابر الخميس، هما من حاولا اغتيال عزام جبارة وراء نخيل (الدجيل)، ثم تخفيا، حتي جمعهما العمل في حراسة المقبرة وفي دفن جثث ضحايا الدكتاتور، وراحا يقتلان من زبانيته حتي انكشف أمرهما ففرّا، وافترقا ثانية. وفيما ألقي القبض علي خميس، انخرط أبو الريش في جماعة في البصرة لمقاومة الدكتاتور. وعبر سرد الرواية لذلك، تسرد من ماضي وحاضر عهد عزام جبارة ما جعل خميس يكتب: (ذلك أن ما يجري اليوم في بلادنا يفوق مخيلة ذلك الكاتب الذي عمد في واحدة من رواياته ــ ربما كان اسمها خريف البطريرك ــ إلي خلق (دكتاتور) علي جانب من البلاهة، بحيث أنه أمر حكومته بتغيير الوقت كما يحلو له، ولا يعرف من أحد في الدنيا سوي الإنكليز، ثم أعطي (أمه) لقب المناضلة الأولي (كما فعلها عزام جبارة) (...) عندها فكرت كم يتمني شعبنا (طاغية) كهذا).
ينشد خميس أن يحيا ثلاثة أعوام ليري نهاية (الطاغية المومس). وها هو الزمن قد قصر إلي أقل من سنة بين صدور الرواية التي ظهر فيها خميس وبين نهاية الطاغية وعائلته التي لا يوفرها خميس ولا أبو الريش: (إننا نحيا في زمن اللا معقول. وحكايات الحاكم (قراقوش) صارت محض رواية بلهاء إزاء ما نحن فيه، فقد تجاوزت (عائلة العوجة) كل خطوط الفانتازيا في كمية الذبح).
والرواية تروي خبر واحدة من زوجات عزام جبارة، والتي عاشت غرامياتها مع رجال حمايته، فقتلها. كما تروي أن (سبعة قصور علي النهر هي أملاك زوجة عزام جبارة، وسبعة أخري صارت من نصيب ابنه المعتوه، وسبعة ثالثة من حصة ابنها الثاني، ومئات القصور الصغيرة راحت إلي كبار السفاحين). وفي ذكر الرواية لجريدة (بابل) التي يملكها ابن عزام جبارة، تعيّن ذلك المعتوه في عدي صدام حسين الذي (يذهب إلي الجامعات، يفتش بين الطالبات عن أكثرهن إغراءً وفتنة وطولاً، حتي إذا ما دخلت غريزته إحداهن، فما من قوة في الأرض ستمنعه من أخذها واغتصابها، بشرط واحد فقط، هو أن لا تكون من بنات العوجة مسقط رأسه). وتؤكد الرواية تعيينها للابن المعتوه فيما تروي من محاولة اغتياله في حي المنصور، ومن خصائه جراء ذلك، واكتفائه من بعد بممارسة رجاله للعبة اغتصاب الفتيات أمامه، حتي إذا غضب من أحدهم رماه بالرصاص. أما الابن الثاني لعزام جبارة، فمن ألقابه الروائية: الابن الجزار، مدلل عزام جبارة، الابن الطاووس الذي يذهب إلي المعتقلات، ويختار أكثر الشباب بأساً، ويرميه إلي الكلاب الجائعة في قصوره، ويصور ذلك علي أشرطة الفيديو كاسيت.
في نهاية الرواية يشرع أبو الريش بكتابة اعترافاته وموجز حياته، منذ حاول مع خميس اغتيال عزام جبارة، فأمر الدكتاتور بذبح أي شخص كان خلف النخيل، وكان أن ذبح ثمانية وثمانين رجلاً وزعت جثثهم علي مقابر الوطن. وما يكتبه في البصرة أبو الريش (مثل حيوان بري) هو الرواية التي حملت اسمه، والتي ترسم عزام جبارة، وعائلته وعهده والناس الذين بلغ بهم الأمر أن يصيحوا أننا (كواولة) وأننا نعوي، ننهق، وأننا صرنا محض أشياء تتحرك، حتي همهمت عجوز مفجوعة بابنها (يمكن سبحانه وتعالي عاف العراق وأخذ إجازة). بيد أن السؤال الذي تخلفه الرواية لائباً هو ما إن كان ذلك كله، وقد صار ماضياً، يعني زوال الدكتاتور أم زوال الدكتاتورية، محلية كانت أو عولمية؟

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1589 --- Date 21-22/8/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1589 --- التاريخ 2003 - 8 - 22/21

AZP09
AYMK
NBSL