|
|
ضفاف - دكتاتور المـرايا - نبيل سليمان (كيف يمكن أن تستمر هذه السلالة الرعوية المنحطة في السلطة لأكثر من ربع قرن، بعد أن دمرت البلاد، وحولتها إلي مزارع أسرية وطائفية وعسكرية، ونهبت اقتصادها، ووضعته في مصارف أمريكا والغرب، ولا من يتجاسر علي صرخة: لا لكل هذا العهر؟). إنه سؤال رواية حيدر حيدر (مرايا النار ــ 1992) التي ترجّع من روايته (وليمة لأعشاب البحر) ما ترجّع، وبخاصة في شخصية (لوياثان العصور الحديثة، أب الشعب الذي أشرقت شمسه الدموية الساطعة علي بلاد العرب منذ ربع قرن، ولما تهتد بعد إلي أفولها). تخصّ (مرايا النار) هذا الديكتاتور بملحقها (زمن التتويج ومرايا الظلمات)، فإذا به ذلك البدوي القاتل المشرع لسيجاره الهافاني، القادم من اضطراب الميراث الرعوي وسلالة البدو القدامي والجاهليين. ودكتاتور الرواية هو ــ بكلماتها ــ ذلك المغتصب للزمن التاريخي، ذو الرأس المتأين بأمجاده، والنبي المنبعث من خميرة مسيلمة الكذاب وسلالة معاوية، والسليل العريق والكاريكاتوري للتاريخ القديم. علي أبواب البيعة والتتويج وتجديد الولاية لربع قرن من السلطة وتطويب الوطن باسمه، يطلع الديكتاتور قائداً وأباً ونبياً وملهماً لشعب يقدم له الولاء المطلق. والديكتاتور يري نفسه المرسَل المعاصر لتوحيد القبائل. والرواية تسلق القبائل (الأمة ـ الشعب ـ العامة) كما تسلق الديكتاتور، فبالدوي الهستيري وانفلات الغرائز وأصداء الدم الرعوي، تبشر العامة به (وتمجده رسولاً انتدبته العزة الإلهية وتعازيم السحر وصدي الأجداد، منقذاً، وهادياً، ومباركاً، ونوراً لأمة اكتنفتها الظلمة والبغي، وهو الذي سيطهر أرض الآباء والأجداد بالدم من الطاغوت وقوي البغي). والعامة تهتف: (بالروح بالدم نفديك يا بطل الشعب ومنقذ الأمة) وتهتف: (ممجد أنت في الأرض والسماء، وليتأبدْ تاريخك مع الخالدين من الأجداد والمسلمين العظام يا نور الله علي الأرض). مأخوذة تبتهل الزحوف، تحت تأثير إكسير خرافي، رافعة صورة الطوطم، في زمن الغوغاء والضوضاء والغيبوبة والهذيان والصراع. إنه زمن الديكتاتور الذي يفجر سؤال الرواية: هل كان ما جري في الربع الأخير من القرن العشرين لوحة تاريخية للسقوط البشري واضطراب الوعي والمستقبل؟ أم إنه انحدار نحو زمن الكهوف والطوطم الأولي؟ علي صورته، وفي مرايا مشيئته التي لا رادّ لها، صاغ الديكتاتور زمنه (المتألق بأشعة الحرائق والقنابل الجرثومية، وفعالية الغازات الكيميائية القادرة علي تدمير وإبادة مدينة كانت تحيا في أزمنة غبرت). (إنه الزمان السبارطي القاتل الذي شيد خلال ربع قرن من انهمار الظلمة). وهو (زمن تحطيم النصب التذكارية القديمة لأفول النجوم التي خبا وميضها ودخلت محاقها). وهو الوقت الأبله والبرهة اللا معقولة مما قبل العصور الحجرية، واللوغاريتم الرغوي وزمان الوحش الرعوي و(العصر الفاسد، المولود من روث وحيض اللغة اللا معني لها، بعد أن تمومست وانتهكت وأفرغت من إشعاعها وجوهرها، متحولة إلي ما يشبه النفاية). (إنه زمن المعتقلات وغليان شهوة الدم والقتل السري والتذويب بالأسيد. زمن ازدهار أجهزة الأمن وانتشار الجواسيس والمخبرين في كل منعطف وسوق وبيت ومركز عمل. زمن التحطيم المبرمج لروح الإنسان والانحدار به إلي عصر ما قبل نشوء الخلية في الطمي البدائي لبداية فجر الكون). لقد خاض الديكتاتور حربه الثانية، أي (عاصفة الصحراء) كما تروي رواية (مرايا النار). وبعد الهزيمة أوعز الديكتاتور لحرسه الجمهوري بالانسحاب والتحصن داخل العاصمة، وهدر: (ما دمت حياً فالشعب حي. أنا الشعب وأنا الدولة وأنا الوطن، وبغداد تكفيني). وهكذا، تعين الرواية ديكتاتورها الذي دكّ في عيد ميلاده الخامس والخمسين تلك المدينة البائسة الناهضة علي تخوم الصحراء، فتتذكر الرواية ضربة الحجاج لمكة وللكعبة. وبهذا الدعاء، بأصداء الأصوات المبحوحة في أعماق الصحراء محاولةً محو التاريخ الآخر للزمن الموحش والمظلم، تنختم الرواية: (ممجد أنت وخالد إلي الأبد، في أرشيف وذاكرة الدهور المنحطة. وليتأصلْ هذا الفساد العظيم في الخلايا والشعيرات الماصة حتي يكون الهلاك والظلام والدمار عميماً وشاملاً. ليولدْ من اختمار هذا الفساد نسل آخر، جديد، صلب لامع، يمحو آثارك من طبقات الأرض، وتاريخ الزمن القادم، ودم البشر القادمين مع الشمس). لقد عبس الديكتاتور المحلي وتولّي، لكن الديكتاتور العولميّ الأمر والأدهي يبدو أنه يجثم علي الصدور، ودعاء الرواية لا يبدو مستجاباً في أفق قريب، أو ـ علي الأكثر ـ يبدو مستجاباً جزئياً، لكن الديكتاتور ـ أي ديكتاتور ـ مثل الرقم القياسي، لابد أن يتحطم ـ كما قال محمد الماغوط ـ لتبقي الرواية شاهداً ونذيراً. AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1583 --- Date 14-15/8/2003 جريدة (الزمان) --- العدد 1583 --- التاريخ 2003 - 7 - 15/14 AZP09 AYMK NBSL |