ضفاف - دكتاتور الوليمة - نبيل سليمان
مع بداية الثلث الأخير من القرن العشرين جاء الزمن الغريب الخارج بلا معقولية عن تقاويم الفصول، بل جاء الزمن السيريالي، بل الزمن الأسود، بل زمن الخنوع والغرب، بل اللوغاريتم الجديد الذي سيصخب بسنوات الظلمة والمسوخية والمقتلة، كما تؤرخ رواية حيدر حيدر (وليمة لأعشاب البحر ــ 1983) لبداية عهد ذلك المسخ الغريب الذي سيطلق عليه رمزياً اسم عبيد الله بن أبي ضبعة الكلبي، والذي نبت كالفطريات بعد أن قذفته الريح الصفراء الجائحة، والذي ستعدّ العامة سنة ظهوره نبوءة، وستعدّه الهبة السماوية التي لا تولد إلا مرة واحدة كل ألف عام.
علي شكل قنطور أولوياثان ظهر ابن أبي ضبعة، نصفه الأعلي بهيئة ضبع، والنصف الأسفل شبيه سرطان رملي زاحف، كما تروي الرواية في فصل (ظهور اللوياثان)، مردفةً أن أمه أثناء مخاضها به سمعت منادياً ينادي الملوك والإنس والجن والسباع ليعلموا أن هذا الوليد القادم هو: (الماحي والمهلك والقار والفازي والفاتك وآخر الأزمنة). وأثناء مخاضها به رأت الأم رجلاً ينتزع من قلب الوليد خردلة، ثم يخاطبه: (أنت خير البشر، فطوبي لمن اتبعك والويل لمن تخلف عنك). وأردف الرجل: (أمرني ربي عز وجل أن أنفخ فيك من روح القدس. هذا القميص أمانك من آيات الدنيا ودواهيها، فكن كما شاء لك لك القدرة العلية وقوتك التي لا رادّ لها ولا محيد عنها، وريثاُ لقوة وسطوة الباري في الأرض).
من الطفولة السادية وعصارة النباتات السامة، سينصاغ عقل اللوياثان القادم، مقتدياً بهتلر وبونابرت وستالين، ليصير التعصب المقدس علامة الخلاص. وكما حوّل اللوياثان شكله الحيواني إلي الهيئة البشرية، سيغير اسمه واسم سلالته، ناشراً بين الرعية تاريخاً جديداً لميلاده وفتوته وكفاحه ضد أعداء الوطن.
مع بداية هذا التاريخ الجديد في الثلث الأخير من القرن العشرين، تروي رواية (وليمة لأعشاب البحر) أن بلاد العرب ستشهد المهرجانات والاحتفالات الغريبة التي تتوج ذلك المسخ القنطور مهدياً طال انتظاره. وعلي مدي سنوات سيكون إمام الزمان وشبيهه. وفي كل شهر من شهور حكمه (ستبدأ النداءات تخرج من شهب السماء. وطيور الأرض: أن أبشروا، فقد آن للمنتظر أن يخرج إلي الأرض ميموناً مباركاً).
إنه الدكتاتور الذي تبدل (وليمة لأعشاب البحر) اسمه بنعوته وأفعاله. فهو الوحش المعاصر، والكوكب العربي المنبوذ من السماء والأرض، والكوكب المتهاوي في تجليه الكارثي، والوباء الذي حملته الريح الصفراء من الصحراء، والجنرال المعتوه والطوطم الجديد الخارج من ضلع الصحاري، والمتجلي في البشر علي شكل سرطان مدرع. إنه الدكتاتور، بل اللوياثان المجنون، بل (اللوياثان الدموي الذي سطا بسحره الأرجواني وحركاته الأكروباتية علي تلك الملايين ملاثة بأقدارها وشهواتها العضوية).
إنه الدكتاتور: سليل الآلهة والضباع والسرطانات وإفراز الحيض الدموي، قنطور الزمن الأخير العصي علي التسمية. وهو من يُلقي روعه في أحلام الجنون الوردية أنه وريث الفرسان القدامي أبطال القادسية وحطين ومن قادوا أبواب بواتييه، لذلك يرفع صوته فوق صوت الجماهير الزاحفة نحو حلمها, ويعدها بإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس.
وفي الفراغ يرسم للناس خرائط من السعادة وغبطة الأزمنة، مجلجلاً: (الوطن للكل والكل وراء القائد الملهم الخارق).
في العام الثالث لانبعاثه وقع نوع من التخلخل الفراغي في الخرائط وتكوينات الفضاء، فقد هزم في حربه الأولي. وفي عهده، وفي أكثر من حرب خاسرة (سيزج ضباطه وجنوده الذين حولهم بالرعب والتصفيات والرشاوي وأكاذيب النصر والتعالي فوق الشعب حمايةً له وسياجاً، إلي أدوات مطواعة. وفيما بين الحروب التمثيلية المسربلة بأوشحة قومية راح يطلق يد الجنود في البلاد والعباد. وراح يتخيل مؤامرات اغتياله داخل جهازه الحزبي والعسكري، فيقم دورة للتصفيات الداخلية كل ستة أشهر، وتكون للتصفيات الداخلية كل ستة أشهر، وتكون للمغتالين جنازة مهيبة كشهداء للوطن.
من ازدهار السجون والقتل الفردي والنفي، إلي سنوات المقتلة للمدن والمقابر الجماعية، يتوالي عهد الدكتاتور الذي يفاجأ بنفسه حاسماً فرداً ممجداً ومهاباً بين فسحة الحلم واليقظة: (لا يجرؤ علي اعتراضه أحد في عصر الرعايا والمملوكين والمقتولين والضفادع وتجار السوق السوداء والمثقفين المسفلسين ببخار النفط وحزبيي الخط اللارأسمالي).
وكما تسلق الرواية أولاء، تسلق العامة التي راحت تردد منذ السنة الثانية لولاية اللوياثان أن أعلام ملوك الدنيا نكست يوم مولده، كما ستمر وحوش الشرق بوحوش الغرب حاملة البشارات به. وتبدو العامة في عهد هذا الدكتاتور القابع علي آبار النفط، منومة مسحورة ترتل: (أبانا الذي في الآبار. أبانا المذهّب كنور الشمس، ليتمجد اسمك العظيم وليخلدْ نور بهائك الخاطف للأبصار. وكالخشخاش السحري لتترسخْ بذور سلالتك المقدسة في أعماق الأرض. أيها القدوس الأبدي. آمين).
بحكمة معاوية المؤسسة للميكافيلية، أقام الدكتاتور تحالفاته من أقصي الشرق إلي أقصي الغرب، مردداً في سره: (ربي خذ بيدي في مملكتي لآخذ بيدك في مملكتك). وبدءاً من طوطم الأسرة فالعشيرة فالطائفة فالحزب فالجيش فالاستخبارات، صاغ الدكتاتور التقويم الجديد الذي سيدوم أكثر من ربع قرن، فكان هيكل الدولة القنطورية الحديثة، وكانت خطة الدكتاتور الشمولية: معسكرات التطهير، وتخضير الصحراء، وعزل السلالة القنطورية عن الرعية.
إلي نعوت الدكتاتور وأفعاله، تعوض الرواية في فصولها الأخري غياب اسمه، بما تروي من مأساة الأهوار في العرق، كما عاشها مهدي جواد ومهيار الباهلي ومظفر النواب وسواهم، وهو إذن صدام حسين، علي الرغم مما تشكّل الرواية في شخصيته الروائية من كل صدام حسين. لكن صدام حسين عبس وتولّي، كما سيعبس ويولّي سواه، لتبقي الرواية شاهداً ونذيراً.

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1577 --- Date 9-8/7/2003

جريدة (الزمان) --- العدد 1577 --- التاريخ 2003 - 7 - 8/9

AZP09
AYMK
NBSL